يحكى ان ــ 3 ــ
خالص عزمي
يناير 2006.
بعد كل هذه الفوضى الضاربة اطنابها على ارض الفراتين ؛
يمكن للباحث المتفحص او الاديب المتمعن ان يستعير كثيرا من الحكايات التي
تنطبق وقائعها على كثير من الاحداث اليومية التي تواجه الانسان العراقي
المغلوب على امره ؛ ففي ذلك االكم الهائل من التراكمات التي تسمعها او
تراها او تقرأها تجد آلاف العظات والعبر المتوارثة .
مثقف وامي :
يتصور كثير من البسطاء ان التعليم والثقافة تهذبان
الطباع وتقللان من الشراسة والسطوة والعنف ؛ ومثل هذا التصور الآني ليس له
الا التأثير الظاهري البسيط ؛ اما الطبع فيبقى كامنا في النفس البشرية تفصح
عنه سلوكياته وتصرفاته ؛ فان كان مجبولا على السمو الاخلاقي فستجد افعاله
تتطابق مع اقواله ؛ اما اذا كان شخصا متدنيا
في دواخله فان ثوب الرياء سيشف عما هو كامن في حقيقة ذاته
في اول ردة فعل يجد نفسه قد استفز بها ؛ هنا سيبرز تصرفه كالمارد الذي يخرج
من قاع البحر جائعا يريد افتراس اول صيد بشري يلتقيه على شواطيء سلطانه
وجبروته . ان البيت الذي يربي على الرفعة في المعنى والمبنى عملا ومحادثة
ومحاورة وتفاهما وثقافة ؛ سيبقى هو الركيزة الاساس في بناء الشخصية السوية .
في نهاية عام 2004 عاد صديق لي من بغداد ؛ وحدثني
بامتعاض عن كثير من المشاهد التي رأها بام عينه ومنها ما يتجافى وسلوكيات
الوظيفة العامة بالذات ؛ اذ روى لي بانه شاهد احد كبار شخصيات الوزارة التي
كان يراجعها وهو من حملة شهادة الدكتوراه ؛ وهو يخرج من غرفته ملاحقا احد
المراجعين في الرواق صابا شتائمه باقذع الالفاظ ؛ كان هذا الصديق يكرر علي
سؤآله المحمل بالاستغراب (هل سمعت بمثل هذا الشيء ؟ هل يجوز لشخص ما و في
مثل هذا المركزالهام ان يتفوه بمثل هذه الالفاظ الجارحة ؟!!) ...!!
اجبته.... نعم هناك بعض النماذج التي اهملت اسرها اسلوب تربيتها منذ عهد
الطفولة المبكرة ؛ وتركتها لتصاريف القدر ....
في الاربعينات من القرن الماضي عاد جلال من بعثته الرسمية
في انكلترا بعد حصوله على شهادة الماجستيــــــــر في الفيزياء وعين مدرسا قي
احد المعاهد العليا . كان مظهره انيقا وسلامه رقيقا ؛ اذا سار في محلة
الحيدرخانه كان كالنسمة ؛ واذا حيىجلاس مقهى الحاج خليل كان كالذوق المصفى
الذي يهل على الرواد . لم يكن يحلو له الجلوس الا مع صديق مفضل كان يعمل في
سينما الخلد الصيفي التي لم تكن تبعد عن بيته الا بضع خطوات .
في يوم ما؛.. وكان الوقت مبكرا مرجلال على مقهى خليل
كعادته ....وسلم على اوائل الجالسين فاجاب الجميع ما عدا اسطة فاضل ؛ خطا
جلال خطوتين ثم عاد ليستفسر من اسطه فاضل عن سبب تجاهله لسلامه فدار بينهما
الحوار التالي : ــ
ــ لم اسمعك او يمكن كان فكري مشغول ... ما صار شي روح
بدربك
ـــ اما طبعك غريب ... اولا انا لست من الذين يجلسون في
المقهى حتى تدفعني ؛ ثانيا ان هذا الطريق عام
ـــ اخي لا تطولها ... ما سمعتك ...و الله وياك
ـــ حقيقة يبدو انك فد انسان جاهل بالاصول
هنا لم يتحمل سلمان الذي يجلس الى جوار زميله اسطة فاضل
كل هذا الكلام فرد على جلال بتعابير شعبية خشنة؛ واذا بالاستاذ جلال يبهت
جميع رواد المقهى وحتى الجالسين فوق السطح من الطلاب الذين كانو ا يحضرون
للامتحانات ؛ بسيل من الشتم المقذع والالفاظ البذيئة التي بدأت بأبي واجداد
سلمان ولم تنته عند امه بل تعدته الى شقيقاته وبناته ... فرد عليه سلمان
باوصاف قذرة تعدت اسرة جلال الى محلته وعشيرته والتي لم تحتوها معاجم (الفاظ
الشتائم الشعبية)..... عند هذا الحد مسك سلمان بتلابيب جلال وانهال عليه
بالضرب بحذائه حتى ادماه ؛ وكان مصير(مربي الاجيال) الاستاذ جلال وخلفة
البناء سلمان وبعض الشهود مركز شرطة امام طه ومنه الى قاضي التحقيق الخفر
حيث اجمع شهود الاثبات على ان (الاستاذ) جلال كان هو المعتدي ... ويا لعظمة
المتنبي حينما قال : صغرت عن المديح فقلت اهجى كأنك ما صغرت عن الهجاء
القضاء العراقي :
كان القضاء في العراق مضرب المثل في النزاهة والاستقامة
والعدالة ؛ ليس في عصرنا بل و يمتدالىعصور زاهية سجل فيها القضاة صفحات
جليلة في موسوعة العدل ما زلنا نقرأها او نشاهدها في مسلسلات تلفزيونية تشيد
بامجادهم وترفع من ازدهائنا بهم حتى اليوم . كان القضاة على عهدنا مثلا
يبتعدون عن الجلوس في المحلات العامة كالملاهي والحانات و وبعض النوادي
الاجتماعية ,,,, الخ كان ملجأ هم في ايام الراحة نادي المحامين في الصرافية
وتحت الانظار ؛ فلا صفقات سرية ولا رشاوي مادية او عينية ولا هدايا ؛ مهما
صغرت او كبرت ...
وكانت سمعة القاضي ومكانته ذات قيمة عالية واعتبار مهيب .
في عام 1956 كنا نحضر مؤتمر المحامين في القاهرة ؛ وكنا
في موعد العشاء نجلس على موائد متفرقة اعدت بذكاء وذوق متميزين ؛ لتجمع كل
منها عددا من المحامين الذين يتقاربون بالعمر والمكانة ويتوزعون في
انتماءاتهم على مختلف الاقطار العربية ؛ وفي ذات مرة دار الحديث حول مركز
القضاء وهيبته ومكانته ؛ فاذا باحد كبار المحامين العرب الذي كان يتصدر
مائدتنا يقول ( هل تريدون كلاما مختصرا مفيدا انه ؛...اذا اردت علما وعدالة
ونزاهة في الحكم فأقم دعواك في العراق)
في الخمسينات من القرن الماضي اختير بعض المحامين
المتميزين الشباب للعمل في كنف العدالة ؛ وكان من حسن طالعي ان أختار ككاتب
اول اضافي في محكمة التمييز (وهي اعلى محكمة في العراق) ؛ وكانت تلك
المحكمة الجليلة تضم عددا كبيرا من ابرز قضاة العراق سمعة وعلما وحكمة ونزاهة
؛وذات يوم وانا اقدم ما اعددته من خلاصات لقرارات الهيئات المدنية الثلاث
للراحل الاستاذ محمود خالص رئبس محكمة التمييز ؛ اشار على بالجلوس لحين
الانتهاء من مكالمته التلفونية ؛ لقد سمعته يقول (يا معالي الوزير هذا لايمكن
. اننا مؤتمنون ...لا .. لاحاجة للاعتذار ... وداعا) واغلق سماعة التلفون
وقد بدا عليه الامتعاض ؛اما انا فقد بقيت صامتا... وان هي الا لحظات حتى
قال انه احد الوزراء يرجوني ان انظر بعين العطف والعناية بموضوع دعوى احد
اقربائه المتهم بتبديد طوابع ماليةكانت بعهدته..هل يجوز مثل هذا الرجاء
سكت برهة .... ثم اضاف : ؛لقد حدث اقل من هذا بكثير منذ سنوات فلم نصمت
؛ ان للقضاء حرمة ومكانة لا يجوز التساهل فيها ابدا ؛ اروي لك هذه الواقعة
لتكون لك عبرة في مستقبلك ؛ ا لقد اتصل بي فخامة رئيس الوزراء(وكانت
المرة الاولى والاخيرة التي يتصل بها باحد القضاة) راجيا تأجيل النظر في
دعوى كان قد حدد لها موعد سابق على جدول الهيئة العامة لفترة لاتتجاوز
الاسبوع الواحد ؛ هل تعرف ماذا كان سؤالي ا لذي طرحته عليه فارعبه حقا:
...(هل اعتبر طلبكم صادرا عنكم كرئيس للوزارء ام اعتبره تدخلا شخصيا في
استقلالية القضاء ؟!) فما كاد يسمع مني ذلك السؤال حتى رد بصوت مرتجف مهتز
.(. عفوا... عفوا لم يكن قصدي مبنيا على هذا المستوى ؛و ليس من عادتي
التجاوز والتدخل في القضاء؛ لذا ارجوك اهمال هذا الالتماس العارض ... بل
وكأنك لم تسمعه مني) ثم ظل يكرر قوله ذاك بخجل واعتذار وانا أطمأنه بقولي
(وانا اعتبر نفسي لم اسمع شيئا ...)
وهكذا يتوجب ان يكون عليه احترام القضاء نصا وروحا
واسناده قولا وفعلا
المأزق
فازت حماس بالانتخابات الديمقراطية التي جرت بالامس ؛
وطار صواب دول كبرى وصغرى ؛ فلا هي قادرة على النيل من انتخابات تمت ضمن
المقياس الدولي المعترف به وباشراف هيئة عليا لمراقبة الانتخابات برئاسة
الرئيس السابق جيمي كارتر ؛ ولا هي مستطيعة ان تتعامل بيسر مع حكومة قادمة
لها ثوابتها ومنهجها النضالي ا .... ومع اني كعلماني اختلف مع تلك الاتجاهات
والمناهج الا اني ارى في تلك النتيجة ومن ثم تشكيل الحكومة الجديدة مأزقا
شديد الاحراج لصناع القرار الذين يقفون بالضد من هذه النتيجة المحسومة . ان
هذا المأزق النابع من الواقع والمصطدم بمقياس ازدواج المعايير يتشابه مع موقف
ذلك الشرطي الاميركي الذي فقد توازنه فلم يحسن التصرف في حادثة كانت
نتائجها غير متوقعة له اصلا ؛ واليكم الحكاية كما رويت على لسان اعلامي
امريكي :
كان هنالك عامل فقير الحال قد اتخذ له مكانا قصيا في
بارك واسع ليتناول غداءه بهدوء وسكينة ؛ وبينما هو يتهيأ لذلك اذ رأى كلبا
ضخما شرسا يهم بالانقضاض على طفلة صغيرة كانت تلعب في ذلك البارك ؛ وبين
صراخ الام والجمهور ؛ رمى العامل طعامه جانبا وهجم على الكلب بكل قوة ؛
وبعد صراع مريرتمزقت فيه ملابسه وسالت الدماء من جسمه ؛ استطاع ان يقتل ذلك
الكلب المسعور فينقذ الطفلة ويسلمها لامها؛ بين تهليل الجمهور واكبارهم
اموقفه البطولي الشجاع ؛ هنا تقدم منه رجل البوليس ليصافحه ويقول له امام
الجميع (ان كل الصحف في الغد ستنشر صورك وتمجد ك كابن بار لمدينة نيويورك
(نيويوركي)؛ شكره العامل واجابه (ولكنني لست من نيويورك) فضحك الشرطي وورد
(لا خلاف على ذلك ...المدينة لا تهم ! يكفي ان صحف الغد ا ستمجدك باعتبارك
مواطنا امريكيا نبيلا كاد ان يضحي بحياته من اجل انقاذ هذه الطفلة الصغيرة )
؛ شكره الرجل على هذا الاطراء وقال (... ولكنني لست امريكي الجنسية ايضا
لحد الآن ...) ؛ عندها فوجيء الشرطي بهذا الجواب غير المحسوب ووجد نفسه في
مأزق لا يحمد عليه فسأله(... اذن من تكون ؟) فرد العامل ببساطة وصدق (: ما
انا الا باكستاني مسلم مقيم بصورة مشروعة ولدي وثيقة عمل) ؛ هنا اسقط بيد
الشرطي ولم يجد مخرجا غير ان يخرج قيد الحديد من جيبه الخلفي ويطبقه على
معصمي الرجل ثم يقتاده الى سيارة الشرطة وهو يقول بصوت عال ( ايها الباكستاني
انت متهم بقتل كلب أليف ؛ وـ طبقا لعدالتنا وقانوننا ــ فمن حقك ألا تتكلم
الا بحضور محاميك ..) .....وكأن دواخله ارادت ان تقول... هذا جزاء من يضع
شرطي الحكومة في مأزق حرج ..