في الذكرى الثانية لرحيل عبد الرحمن منيف

الموت أقل جدارة من الحياة

رحال لحسيني

فبراير 2006

قبل أيام، خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير الماضي، حلت الذكرى الثانية لغياب صاحب "لوعة الغياب "الروائي عبد الرحمن منيف، هذا الروائي الملحمي الذي سبق له، وأن تناول موضوع رحيل مثقفين ومبدعين آخرين سبقوه في الرحيل بكتابات ذات نفس فلسفي ممتع تربص خلالها هذا المبدع الكبير بالموت الذي تربص ببعض المبدعين الآخرين، رغم اعتباره أن "الموت ذاته نهاية منطقية لحياة أي كائن".[1]

"في ذكرى غيابـه الثانية" (هذه) قامت جريدة  "السفير" بنشر "نص غير منشور لعبد الرحمن منيف "، هذا النص الذي يفترض فيه "أن هموم الأمة العربية، خاصة في هذه المرحلة، من أكثر هموم العصر كثافة ومأساوية".. ويضيف أن "لاشيء في مكانه الطبيعي أو الصحيح، ولا شيء يستند إلى قاعدة أومنطق، إن الأشياء في حالة من التداخل والإختلاط والتناقض يصل حدود الفوضى المطلقة. أو تشبه المآسي الإغريقية العابثة والقدرية، هل هي حالة فريدة وهل هي مرحلة طارئة لابد أن تنتهي مثلما حصل مع شعوب أخرى؟...".[2]

لا يخفي على أحد من المهتمين بمسار هذا الأديب السعودي الأصل المتنوع الإنتماء (لعدة بلدان عربية: العراق، الأردن، سوريا..) وفاقد جنسية بلده الأصلي، المواقف التي تحملها بعض أعماله "غير الروائية " والتي يغلب عليها البعد القومي (العربي) دون أن تكون شوفينية تجاه غير العربي باستثناء المستعمر والمستغل والكيان الصهيوني..

يتبين من قراءة خاطفة لهذا النص غير المنشور لعبد الرحمن منيف، أنه ليس جديدا سواء في تحليله ولا في المواقف المعبر عنها ولا حتى في المعطيات التي يتناولها..، بل بالعكس إذ أن بعض معطياته لم تعد آنية (ما يتعلق بجنوب إفريقيا) والمعطيات الجديدة التي شهدتها بلاد  سليمان في روايته "أرض السواد "(العراق)، وكذلك الأرض المفترضة لـمتعب الهدال  (بطل الجزء الأول من مدن الملح – التيه).

غير أن نشر مثل هذا العمل "غير الروائي" في ذكرى رحيل هذا الكاتب الكبير، يذكر بكون إنتاجات عبد الرحمن منيف خارج أعماله الروائية البديعة، لا تبتعد كثيرا عن المجال الإبداعي، فعلى الرغم من أن إنتاجاته (الأخرى) تتنوع بين السياسي والثقافي/الإنساني في تداخل وتمايز هذين المجالين وتفاعلهما.. بغض النظر عن الموقف الخاص الذي تحمله- لكنها تبقى في وجودها العام ذات نفس إبداعي يحرض على القراءة وإعادة القراءة، كما يحرض على استكشاف المتعة ولما لا الفعل..

إن الأعمال المنشورة (الكاملة؟!) للروائي الكبير عبد الرحمن منيف [3] تبقى جديرة بالقراءة وبإعادة القراءة لقيمتها التي هي جزء من قيمة هذا الإنسان الذي أتحف الإنسانية بمؤلفات تنبض بالعمق الإنساني وبالمعرفة، لأن المعرفة دائما ظالة الإنسان، ولأن الإنسان لاتكتمل قيمته بدون معرفة، لأن "قيمة الإنسان بالمعرفة وبقدرته على مساعدة الآخرين. وعلى الفرد ألا يتوقف لحظة واحدة عن التعلم وعن مساعدة الناس لأنهما المصدر الحقيقي للمتعة والمبرر الوحيد لإستمرار الإنسان على الأرض ".[4]

و"لأن الموت مسلط على الرقاب دوما وما الحياة سوى مساحة من الوقت يعبرها الإنسان بكثير من الخوف والإنتظار، مما يضطر هذا الإنسان إلى اختراع وسائل عديدة من أجل نسيان مايتنظره، وأن يجعل عملية الإنتقال أقل ألما وأقل قسوة"[5]. فإن موت هذا الروائي الكبير، لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال موتا للإبداع ولا للمعاني والصياغات الجميلة التي نقشها في سجل تاريخ الإبداع - حتى في أقسى أعماله الروائية وأوجعها- ولأن "الفرد مهما كان... موهوبا لايعطي أفضل ماعنده إلا من خلال التحامه بالآخرين"[6] فإن التحام هذا الروائي الكبير بالآخرين (بقضايا الناس) جعل منه جديرا بالحياة رغم موته!


[1] لوعة الغياب " لعبد الرحمن منيف: من مقدمة المؤلف ص 8 (الطبعة الأولى1998- الناشر المركزالثقافي العربي).

[2] إجابة عن سؤال لم يوجه لأحد "الموقع الإلكتروني لجريدة "السفير"28/01/2006.

[3] من مؤلفات عبد الرحمن منيف:

  "الأشجار واغتيال مرزوق"(1973)،

  "قصة حب مجوسية"(1974)،

  "شرق المتوسط"(1975)،       

  "حين تركنا الجسر"(1979)،

  "النهايات"(1977)،

  "سباق المسافات الطويلة"(1979)،

  "عالم بلا خرائط "( بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا1982 )،

  "مدن الملح " - 5 أجزاء:

  (ج1 التيه 1984،

  ج2 الأخدود1985،

  ج3 تقاسيم الليل والنهار1989،

  ج4 المنبت1989،

  وج 5 بادية الظلمات1989 ).

  و"الآن هنا"أو "شرق المتوسط مرة أخرى"(1991)،

  "أرض السواد"– 3 أجزاء- (1999)

  "سيرة مدينة .. عمان في الأربعينات".

[4] "هاملتون"أحد أبطال رواية "الأخدود" الجزء 2 من خماسية "مدن الملح".

[5] "لوعة الغياب ": ص 239.

[6] المرجع نفسه ص 184.

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون