الأزهرتاريخ طويل من المصادرات والتكفير
محمد السيد إسماعيل
ديسمبر 2006
لا اعتقد أن أحداً، ناهيك عن أن يكون
عالماً أزهرياً، يجهل حقيقة أن هناك فارقاً جوهرياً بين الدين بوصفه وحياً منزلاً وبين
الخطاب
الديني بوصفه اجتهاداً
بشرياً يخطئ ويصيب، ورغم وضوح هذه الحقيقة وبداهيتها فان ممارسات الأزهر الفعلية
خاصة في عهود الجمود والتزمت
كانت مناقضة تماماً لهذه الحقيقة، والأزهر
بهذه السياسة الدائمة يؤكد - عملياً -
وجود ما يمكن أن
يسمي بـ «الكهنوت الديني الإسلامي» وإن كان لا يستطيع الاعتراف بذلك صراحة، بل ويعلن
- مراراً
وتكراراً - أن وجود
مثل هذا الكهنوت مناف لطبيعة الإسلام وأنه أمر خاص بالتفكير الكنسي في
العصور الوسطي، لكن هناك فرقاً بين ما يقال وما تتم
ممارسته - بالفعل - علي أرض الواقع لأنه لو كانت هناك قناعة
حقيقية من جانبهم بما يقولون فكيف نفسر هذا
التاريخ الطويل من المصادرات والتكفير وإثارة الناس ضد الكتاب والمفكرين
باسم الدين
والتشهير بهم علي
المنابر، وهو مناخ يمهد - تلقائياً - إلي قتلهم كما حدث وكما نتوقع أن
يحدث إذا ما استمرت هذه الحملات غير المسئولة من
التكفير والتشهير. فهل هذا هو الدور الذي نذر علماء الأزهر أنفسهم
له؟! أن يتحولوا
إلي «فزاعة» لكل من يقول رأياً لا يروقهم،
وان يسيئوا إلي «الأزهر» الذي كان يوصف
في الأدبيات
الغربية بـ «سربون الشرق»، والذي كان - حتى عهد قريب
- منطلق
الثورات ضد المحتلين، والذي كان علماؤه ملاذ
الفقراء والفلاحين في انتفاضاتهم
الاجتماعية ضد مظالم
الولاة والغزاة. والذي جادل
علماؤه - علماؤه حقاً - الرأي بالرأي
والحجة بالحجة عما
أثاره الغربيون حول الإسلام رغم ما اتسمت به بعض هذه الآراء الغربية من نزعة عدائية لا
علاقة لها
بالعلم أو الرؤية
العقلانية علي نحو ما ذكره المسيو كيمون (باثولوجيا الإسلام) بقوله "إن الديانة
المحمدية جذام فشا بين الناس
وأخذ يفتك بهم فتكاً ذريعاً بل هي مرض مريع
وشلل عام وجنون ذهولي يبعث الانسان علي
الخمول والكسل ولا
يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء ويدمن علي مقارعة الخمور ويجمع في القبائح وما قبر
محمد في مكة
إلا عمود كهربائي
يبث الجنون في رؤوس المسلمين ويلجئهم إلي الإتيان بمظاهر الهستيريا العامة والذهول
العقلي وتكرار لفظة الله إلي ما
لا نهاية.." فهل هناك ما هو أكثر من ذلك؟ ومع هذا فان الإمام
العظيم محمد عبده لم يتخل عن حكمته وموضوعيته في
الرد علي هذه الآراء
- التي هي اتهامات في حقيقة الأمر- وآراء غيره من المستشرقين - وإذا قيل أن هؤلاء
غربيون ولا سلطان لنا عليهم فان
الأمر لم يختلف مع بعض المفكرين المصريين
الذين أعلنوا - صراحة - إلحادهم، ففي
الأربعينيات أصدر
المفكر إسماعيل مظهر كتابه الشهير «لماذا أنا ملحد» دون أن يحل أحد دمه، وكان رد محمد
فريد وجدي
عليه نموذجاً عالياً
في التحضر والرقي في كتابة «لماذا أنا مسلم» وهو ما نجده أيضاً في كتاب الشاعر
أحمد زكي أبو شادي «لماذا هو ملحد»
فكيف أضاع علماء الأزهر اليوم هذا التراث
العظيم لأسلافهم الذي من المفترض أن
يكونوا امتداداً
متطوراً له؟! ومالنا نذهب إلي كل هذا وننسي أن الله
سبحان وتعالي قد
كفل للكفار حرية أن يقولوا ما يعتقدون بل
وأثبت اتهاماتهم للرسول بأنه ساحر وكاذب
وشاعر ومروج
للأساطير ومجنون في كتابه العزيز بل وأثبت في قرآنه تطاول بعض اليهود علي الذات
الإلهية حين
قالوا إن «يد الله
مغلولة» وأن الله فقير وهم أغنياء.. أثبت القرآن كل هذا ورد عليه بالعقل.
فهل أصبح علماء الأزهر اليوم أعلي مكانة من
الرسول وأكثر قداسة من الله؟ والحق أنني لا
أقول كل هذا بسبب ما حدث مع كتاب «الشيوخ
المودرن وصناعة
التطرف الديني» للدكتور محمد فتوح فقط بل أقوله بسبب عشرات الأمثلة التي تتكرر من
فترة إلي
أخري منذ اغتيال فرج فوده ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ وتهجير وليس هجرة نصر
حامد أبو زيد
ووقائع رواية وليمة
لأعشاب البحر وأزمة الروايات الثلاث الصادرة عن هيئة قصور الثقافة ورواية «
الخبز الحافي» لمحمد شكري وآية جيم لمحسن
طلب ورواية
الجميلات لمحمد عبد السلام العمري وسقوط الإمام لنوال السعداوي الوصايا في عشق النساء
لأحمد
الشهاوي وهكذا عن حقيقة الكائن وعزلته أيضاً «وأنا بهاء الجسد واكتمالات
الدائرة» لمحمد
آدم. ومع ذلك
فان حالة الكتاب الأخير «لشيوخ المودرن»
حالة غريبة وتعد
تطوراً مثيراً للفزع للأسباب الآتية: 1- الكتاب صادر منذ عامين عن مكتبة
مدبولي دون أن يثير أي ردود فعل. 2- لم يكن متبقياً من الكتاب سوي 280
نسخة من مجموع ألف نسخة. 3- النسخ
المتبقية لم تكن معروضة للبيع بل موجودة
في مخازن المكتبة. 4- أن شرطة المصنفات الفنية صادرت النسخ
المتبقية بأمر مباشر
من مجمع البحوث الإسلامية دون إذن قضائي
كما ذكر البيان الصادر عن المؤلف والبيان
الصادر عن مكتبة
مدبولي. 5- أن شرطة
المصنفات الفنية لم تكتف بمصادرة الكتاب
بل قامت باعتقال
أحد العاملين بالمكتبة والذي أفرج عنه مؤخراً بعد عمل فيش وتشبيه له!! فهل أصبح بائع الكتب شخصاً خارجاً علي القانون حتى تتم معاملته علي هذه الصورة والغريب أن الكتاب لم يتعرض لكتاب الله ولا سنة رسوله بل ينتقد ظاهرة الدعاة الجدد وأغلبهم غير مؤهلين علمياً للدعوة كما يعلم مجمع البحوث الإسلامية فكيف يصبح التعرض لهم أمراً ماساً بالدين يتطلب كل هذه المصادرة والملاحقة |
|
من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون |