|
شرق اوسط
جديد
أحمد شاهين
سبتمبر
2006.
" كتب عليكم القتال
وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر
لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " ( البقرة : 216 ).
عرفت المجتمعات والتجمعات البشرية الحرب في تاريخها الطويل،
كما عرفت الاقتتال داخل المجتمع، أو التجمع الواحد، ولتمييز الحالة
الأخيرة عن
الحرب العادية يطلق عليها بالعربية وصف " الفتنة "، أو بتعبيرات العصر
الحديث " الحرب الأهلية ". وكان يشارك في الحرب كامل المجتمع، بعضه بالقتال المباشر،
وبعضه الآخر بالمساندة والدعم اللوجستي، حسب تعبيرات الحروب الحديثة،
فكانت النساء
توفر الطعام والماء للمقاتلين الرجال، كما كانت النساء تقوم بدور المشجع
على
القتال، فيزغردن للانتصار، ويجبهن المقاتلين في حال التراجع، مذكرين بما
ينتظر
الجماعة في حال الهزيمة. وكان في تلك الحروب منتصر له الحق في الغنائم والأسلاب، كما
كان فيها مهزوم يتكبد نتائج الحرب : سبيا وجزية، اذا عف المنتصر عن القتل. ونتيجة الحرب المعنوية تكون اذلال المهزوم
واستعباده. وكانت الحروب تدار مباشرة :
وجها لوجه، وبأسلحة تطال المقاتلين مباشرة، دون أن تشكل أي أذية لمن لا
يشارك بها. في الحروب الحديثة، التي تغير شكلها، ظهر الاحتراف، أي
تشكيل الجيوش النظامية التي يتولى المجتمع تمويل بنائها : تدريبا وتسليحا،
وتوفير
شروط الحياة للجيش المحترف، كما يجري تدريب بقية أفراد المجتمع على قواعد
الحرب
لاستخدامها عند الحاجة، وتمثل احتياطا للجيش المحترف.
وساعد يطور اختراع الأسلحة على خوض حرب غير
مباشرة، الى جانب العمل العسكري المباشر، واخترع وصف " الأبرياء " على
من لايشاركون مباشرة في القتال، لكن هذا الوصف لم يمنع من استهداف هؤلاء "
الأبرياء " في الحروب الحديثة، باعتبارهم قوة ضغط على المحاربين. ويلعب الاعلام في الحروب الحديثة دور المحرض
لتوفير تأييد الرأي العام الى جانب المحاربين، وتجابه الأصوات المعارضة
للحرب
بمنعها من الانتشار تحت شعار "حالة الحرب". الأطفال هم الأبرياء فقط، فهم لايدفعون ضرائب، وما يعنيهم
في الحياة اللعب بكل صدقه وبراءته. تغيب السياسة في كل حرب هناك دائما معتدي ومعتدى عليه، وفي كل الحروب
يعتدي القوي على الضعيف. قد يستسلم الضعيف
ويخضع للمعتدي، وقد يقاومه. ولكل قوي نقاط
ضعفه. أبرز نقاط ضعف القوي في العصر
الحديث: مصالحه، والرأي العام الذي يفوضه خوض الحرب أو ايقافها، وذلك في
زمن حلت
فيه سيادة الشعوب بدلا من استبداد الحكام.
ويتحرك الرأي العام اما بدافع احساسه بأن الحرب تضمن مصالحه
فيدعمها، أو
أنها تهدد تلك المصالح فيشجبها ويمنعها، وهناك دافع آخر ذو بعد انساني
لكنه لايزال
ذا تأثير ضعيف في المجتمعات القوية، بينما هو أكثر بروزا في المجتمعات
ضعيفة القوة. في هذا الشأن تلعب الثقافة
والتربية في تهيئة
المجتمعات لخلق روح الانسانية المسالمة بدلا من روح الغرور والعنجهية
والجشع:
قواعد روح الحرب. وينفق العالم على الحرب أموال وموارد كثيرة، سواء في
الانفاق عليها أو ابتكار أسلحة القتل المستخدمة فيها.
وقد بلغ الانفاق العسكري العالمي في العام 2004،
على سبيل المثال، 975 مليار دولار، بلغ انفاق الدول الخمس عشر الأكثر
انفاقا 2، 779
مليار دولار، تأتي على رأسها الولايات المتحدة الاميركية بمبلغ قدره 3،
455 مليار
دولار. ومن بين دول الشرق الأوسط الأكثر
انفاقا على الحرب المملكة العربية السعودية التي يبلغ انفاقها العسكري 3،
19 مليار
دولار واسرائيل التي يبلغ حجم انفاقها العسكري 7، 10 مليار دولار (www.unfpa.org/swp ). ويعلق الدكتور أوسكار آرياس، رئيس كوستاريكا،
الحائز
على جائزة نوبل للسلام بأنه " لو تم انفاق 5 % من الانفاق العسكري العالمي
على برنامج محاربة الفقر لتوفر للعالم كل الخدمات الاجتماعية خلال عقد من
الزمان، ولو
استمر انفاق النسبة نفسها لعشر سنوات أخرى في الاستثمار لتحقق لكل انسان
على الكرة
الأرضية دخل يتجاوز خط الفقر" ( www.earthaction.org/en/archive/98-10-wt/background ) يفترض بالدولة
الحديثة، بمفهوم السيادة الذي أسسته قاعدة لشرعيتها، أن تكون السياسة
قاعدة عملها،
وأن لا تكون الحرب خيارا، بل ضرورة، لكن واقع الحال يظهر أن التغير الذي
حصل لا
يزال قليل التأثير، ويكاد يقتصر على بعض النخبة في الدول القوية، وغالبا
ما يطلق
عليهم صفة "الجبناء" و"الخونة"، اذا كانوا أفرادا، أو "الطابور
الخامس" اذا كانوا جماعة. على سبيل
المثال، لا الحصر أيد أكثر من 80 % من الأميركيين قرار ادارة الرئيس
الأميركي جورج
بوش الابن بشن " الحرب المفتوحة على الارهاب "، وأيد أيضا أكثر من 80 %
من الاسرائيليين " شن الحرب المفتوحة " على لبنان التي اعتبرت ملحقا
لحرب بوش على الارهاب . الوهم الأميركي. في الحرب الراهنة، التي نحن شهود عليها، والتي تدور في
فلسطين وأفغانستان والعراق وأخيرا في لبنان، ومن المرشحين لها ايران
وسوريا تحت
ذريعة دعمهما للارهاب، اعتبرت وزيرة الخارجية الأميركية، كونداليزا رايس "
أنها آلام ولادة شرق أوسط جديد " تعمل فيه الادارة الأميركية الحالية على
منع
قيام " امبراطورية اسلامية راديكالية متطرفة تمتد من أسبانيا الى
أندونيسيا
" والكلام للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قاله في احتفال احياء ذكرى
هجمات
11 – 9، في 6 تشرين الاول أكتوبر. وحدد
بوش ثلاثة أهداف " لهؤلاء المتطرفين الاسلاميين " أولها " انهاء
النفوذ الأميركي والغربي في الشرق الأوسط الكبير " وثانيها " استغلال
الفراغ الذي ينجم عن التراجع الأميركي لاكتساب السيطرة على بلد ما وايجاد
قاعدة
تشن منها هجماتها وتسير حربها ضد الحكومات المسلمة غير المتطرفة "، تلك
الحكومات التي هددتها الادارة الأميركية بتنحيتها ما لم تخض معها "الحرب
على
الارهاب"، وثالثا " اقامة الامبراطورية الاسلامية التي أوردنا ذكرها
أعلاه ) نص كلمة بوش على موقع : www.usinfo.state.gov/ar. هل
يمكن
لأقلية متطرفة أن تنجز الأهداف اياها ما لم تكن مدعومة من جماهير أمة
الاسلام؟ يتوهم
الرئيس الأميركي ليوهم مواطنيه بأنهم مهددون كي يدعموا حربه التي هدفها،
باتفاق كل
العالم : السيطرة على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، كما هدفها تشغيل
الآلة
العسكرية الأميركية، بما هي مشروع اقتصادي يوفر ملايين فرص العمل
للأميركيين. تغريب العالم "لا نخترع البارود " ان قلنا أن مشروع "
تغريب العالم " مازال مطروحا على على جدول أعمال دول الغرب، مع تغير في
أدوار
اللاعبين؛ ففي فلسفة تشكيل عصبة الأمم ظهر مفهوم " الانتداب " الذي عنى
تأهيل " الشعوب المتخلفة " على الحكم وفق المفاهيم الأوروبية لادارة
السلطة، الا أن الانتداب لم يكن الا شكلا من أشكال الاستعمار الأوروبي
الذي عرفه
العالم في القرن التاسع عشر، وما سبقه من أشكال التمدد الأوروبي في العالم
احتلالا
واستيطانا، وأدى الى ما أطلق عليه وصف " الحرب العالمية الأولى "، بينما
هي حرب بين الدول الأوروبية من أجل السيطرة على المستعمرات .
ولم يحقق مشروع السلام الأميركي المتمثل في
مبادئ الرئيس الأميركي وودرو ويلسون الأربعة عشر ثماره، والتي كان من
أهمها: حرية
التجارة، ونزع السلاح الى الحد الذي يضمن الأمن الداخلي، وحق الشعوب
الخاضعة
للاستعمار بحق تقرير المصير ( مبادئ ويلسون على موقع : http://en.wikipedia.org/wiki/fourteen_points)، فكانت
الحرب العالمية الثانية التي طرح في
ختامها العملاقان الجديدان : الاميركي والسوفياتي مشروع " تصفية
الاستعمار"
الذي أدى الى حصول الكثير من شعوب العالم على "الاستقلال "، وساعد ذلك
على انشاء هيئة الأمم المتحدة التي حملت مشروع " السلام العالمي " في
خطوة لاستبعاد القوة من الصراع بين الدول ووضع السياسة والديبلوماسية في
موقع
الفعل، لكن الدولة العظمى التي صعدت لتحل محل بريطانيا العظمى على رأس
المعسكر
الغربي عبرت عن نفسها بالقاء قنبلتين ذريتين تجريبيتين على هيروشيما
وناغازاكي، وذلك
كرسالة الى العالم بأن الحرب ما زالت " أداة السيطرة "، وكانت الحرب
الباردة بين العملاقين الأميركي والسوفياتي التي أدت الى تطوير مستويات
القوة الى
درجة أصبحت قادرة على ابادة الحياة. ولم
توفر فرصة انتهاء الحرب الباردة الأمل في نهاية حضور القوة كعنصر أساسي في
ادارة
العلاقات العالمية، وتصرفت الادارة الأميركية كمنتصر في تلك الحرب، وعادت
مع ادارة
الرئيس الأميركي جورج بوش الابن الى مربع " تغريب العالم " بالاعلان عن
مشروع تعميم الديمقراطية سياسيا، وتعميم مبدأ اقتصاد السوق اقتصاديا،
واستتبع ذلك
استخدام القوة لوضع هذين المبدأين قيد التطبيق، أو ما يطلق عليه بعض
المفكرين
الأميركيين سياسة " المركب المسلح gun
boat
" في اشارة الى
الحركة الاستعمارية المسلحة التي بدأ بها الغرب للسيطرة على العالم . يؤكد وزير الدفاع الاسرائيلي، عمير بيرتس، يوميا، تصريحه
بأن الجيش الاسرائيلي يتابع عملياته حسب الخطة المحددة، فهل يقوم هذا
الجيش بدور
" قابلة توليد " الشرق الأوسط الجديد الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية
الأميركية كوناليزا رايس. ذلك الشرق
الأوسط الجديد الذي رأى شمعون بيرس، نائب رئيس الحكومة الاسرائيلية، في
كتابه الذي
حمل العنوان نفسه، أن أي حرب في منطقة الشرق الأوسط "
لا ضرورة لها ... ولن يكون فيها منتصر ...
وان أردنا الصراحة
الجارحة، فان هذا النمط من الحرب يعني نحر الضحايا للاشيء، انه سفك دماء "
(
شمعون بيرس، الشرق الأوسط الجديد، دار الجليل، عمان 1994، ص 70 )، وقد كتب
بيرس
ذلك بعد توقيع اتفاق أوسلو وتبادل الاعتراف بين منظمة التحرير الفلسطينية
ودولة
اسرائيل، الذي عبر عن قبول الفلسطينيين بحق اسرائيل في الوجود، المطلب
الذي تدعو
اسرائيل الدول العربية الى تبنيه، وهو ما حصل في قمة بيروت ( 2002 ) التي
أقرت
" مشروع السلام العربي ". نحو رؤيا مغايرة كان الغزاة في الامبراطوريات القديمة يقومون بين الحين
والآخر بشن غارات فجائية على المدن والقرى التي تحت سيطرتهم تتضمن معنى
الاشعار
بحق القوة المسيطرة، ولم تكن تخلو تلك الحملات من مظاهر التدمير والقتل
لارهاب
الخاضعين للسيطرة، فهل الغزو الحالي لفلسطين ولبنان وأفغانستان والعراق
شكل من
أشكال ارهاب القوة المسيطرة ؟ هناك رؤيتان للشرق الأوسط الجديد : رؤيا مدروسة ومخطط لها
ويجري تنفيذها وفق جدول أميركي تحت عنوان " مشروع القرن الحادي والعشرين
" يدفع بأبناء المنطقة نحو اعتماد الهويات الدنيا، وهوما تعمل له الادارات
الأميركية، وشريكها الاسرائيلي. أما
الرؤيا الأخري فهي قيد التبلور في ضوء المقاومة التي ولدها الفلسطينيون
واللبنانيون، بعيدا عن تأثير النظام العربي الرسمي: نظام سايكس - بيكو الذي تذكر به عملية التفاوض الفرنسي
- الأميركي لترتيب الوضع الجديد للمنطقة. والرؤيا التي هي قيد الخلق تتشابه مع الرؤيا
الأميركية في جدتها فقط، ففي حين أن الأميركية تعمل على تشكيل خرائط جديدة
للمنطقة
تعتمد الهويات الدنيا قاعدة لها، فان الرؤيا النقيضة ترى أن الخرائط
الجديدة تقوم
على الوحدة فيما بين المكونات الاجتماعية للمنطقة على تنوعها الذي قد يشكل
اغناء
لمثل هذه الوحدة لما فيه مصلحة أبناء المنطقة.
وقد كان لصمود المقاومين اللبنانيين أمام الغزو الاسرائيلي
الأخير فضل فتح
الحوار حول مثل هذه الرؤيا، فقد آلف المقاومون اللبنانيون (الشيعة) بينهم
و بين
المقاومة الفلسطينية (السنية) الى درجة جاءت معها الأصوات الطائفية
المعارضة نشازا
في نشيد المقاومة. هذا التآلف قد يكون
بوابة لحوار مفتوح قاعدته عربية، ولم لاتكون اسلامية تأسيسا لولايات
اسلامية متحدة
لما فيه مصلحة مواطنيها. لم يرفع حزب الله، وهو يرد الاعتداء الاسرائيلي على لبنان،
[....] لكن الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، في خطاباته التي
ألقاها خلال
الحرب أطلق بعض العناوين مثل : توكيل أمر الحكام العرب والمسلمين لشعوبهم
؛ وتذكير
الحكام العرب والمسلمين بأن مشروع الشرق الأوسط الجديد لن يحفظ لهم
كراسيهم التي
يخافون عليها، وأن لبنان لن يكون أميركيا، وأن حزب الله وان كان بحكم
التركيبة
اللبنانية حزبا شيعيا الا أنه يدافع عن كل لبنان بشيعته وسنييه ومسيحييه. وهذه العناوين قد تشكل قاعدة لحوار مفتوح حول
نظام عربي جديد بدلا من نظام سايكس - بيكو القائم، وبدلا من الشرق الأوسط
الجديد
بالطبعة الأميركية. |
| ZNet - من نحن - الإصدارات - التقارير - كفاية زي نت العربية |