
مصر قبل وبعد 11 سبتمبر
2001:
مشاكل التحول السياسي في وضع دولي معقد
احمد عبد الله رزة
مارس 2003
المحتويات
مقدمة:
ربما يكون من السهل رواية احداث التطورات السياسية في مصر
بعد 11 سبتمبر 2001. ولكن الصعب هو ان نفهم ديناميكيات ما يجري في
مصر دون الرجوع, ولو حتى بنظرة، لما كان يتراكم على الاقل منذ حرب الخليج
1990/1991.
بكلمات اخرى، ما كان يتراكم منذ نهاية النظام العولمي
العتيق بسقوط جدار برلين في 11 نوفمبر 1989. لذا، فيما بين الحادي
عشر من سبتمبر والتاسع من نوفمبر تقع قصة بلد يحافظ بشكل مدهش على نظامه
العتيق ولا يستبدله بنظام مجدد. أدار النظام القائم في مصر أموره
لامتصاص صدمات مثل صدمة التحول العولمي بعد التاسع من نوفمبر (حقبة
الجدار)، وصدمة حرب الخليج، وصدمة صراعات الشرق الاوسط في فلسطين والعراق،
واخيرا صدمة التحول العولمي الثاني في اعقاب الحادي عشر من سبتمبر (حقبة
برجي التجارة).
بشكل كروكي، يتطلب فهم الحالة المصرية خطوط استرشادية
ثلاثية الابعاد للبلاد ونظامها الجاري: الاقتصاد (على الاقل على ما هو
عليه الان)، والمجتمع (بمشاكله الاجتماعية العميقة الجذور والضيم
الاجتماعي الواسع الذي يؤثر على النسيج الاجتماعي)، واخيرا الحياة
السياسية لنظام امة ودولة تتحرك، او تقف ثابتة، وسط رياح عاصفة نتيجة
للتطورات العولمية والاقليمية.
من هنا، تلك هي معالجة لسياسة بلد في اطار عمل مثلث الرؤوس:
من السياسات الدولية الاوسع، ومن الجغرافيا السياسية، والسياسات
الداخلية. من مثل هذا المنظور، ربما نستطيع اختبار الفرضية التالية:
بينما يبرهن النظام المصري على متانته وقدرته على تحمل الاضطرابات قصيرة
المدى (مثل تلك التي ذكرت اعلاه) فانه قد لا يبرهن قدرته الى نفس المدى
على التعامل مع الاثر التراكمي لمثل هذه التطورات. ونتيجة
لضعفه البنيوي (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي)، لن يستطيع النظام القائم
امتصاص صدمة طويلة المدى بل الاحرى انها سوف تبتلعه هو. أي ان، عند نقطة
معينة في المستقبل القريب سوف يكون امرا اجباريا وجود نظام مجدد في مصر
اوائل القرن الواحد وعشرين.
مصر هبة النيل... تلك هي المقولة التاريخية التي كانت تناسب
ربما العصور القديمة. في يومها الحاضر مصر لا تعتمد على اقتصادها
حتى تحافظ على صورتها كبلد مهم. انها تهين اقتصادها لتحافظ على تلك
الصورة. اقتصاد مصر هو نقطة الضعف الاكبر في نقاط ضعفها. من
بين القوى الاقليمية الاكبر في الشرق الاوسط (تركيا وايران واسرائيل
والسعودية ومصر نفسها) تتقدم مصر البلاد ذات الاغلبية السكانية عربية
الاصل (حوالي 70 مليون مصري من 280 مليون عربي). وعكسيا، ناتجها
المحلي الاجمالي (اقل من 100 بليون دولار امريكي) هو الاقل (بمعدل نمو
مترنح في السنوات القلائل الماضية لا يكاد يتناسب مع معدل النمو
السكاني). من هنا، الدخل المتدني بالنسبة للفرد في مصر(حوالي 1530
دولار سنويا في 2001، طبقا لاحصائيات البنك الدولي)
والمؤشرات المتدنية في تقرير التنمية البشرية (التي تتراوح بين 109 و119
من كل بلاد العالم) في
الاعوام القليلة الماضية.
من اجل الحفاظ على بقاء سكانها (الذين يسكنون وادي النيل
والدلتا في مساحة اقل من واحد على عشرة من اراضيها الصحراوية اساسا) لا
تعتمد مصر على الزراعة ولا على الصناعة. رغم ان مصر كانت تاريخيا
بلدا زراعيا تسكنها اغلبية من الفلاحين وتزود العالم بنسبة 70% من قطنها
طويل التيلة. اكثر من ذلك، قاومت مصر محاولتين سابقتين للتصنيع:
الفترة ما بين الحربين العالميتين والفترة بعد ثورة يوليو 1952 التي قادها
جمال عبد الناصر، خصوصا في اوائل الستينات تحت شعارات اشتراكية.
حتى تطعم وتعلم وترفه شعبها اعتمدت مصر على ثلاث مصادر
للدخل القومي:
مصدر رابع لبعض الوقت هو صادراتها النفطية رغم ان مصر ليست
واحدة من المصدرين الكبار. مؤخرا انكمشت مصادر النفط، وتنتظر
الانعاش باكتشافات جديدة، خصوصا في مجال الغاز الطبيعي. ولا يقل
فداحة انكماش قطاع البترول هذا عن باقي القطاعات الثلاثة الاخرى، حيث ان
كل منها يعتمد على عوامل خارجية فوق سيطرة اللاعبين القوميين.
السياحة (بخمسة ملايين ونصف مليون زائر سنويا في افضل حال مقارنة بعشر
اضعاف هذا الرقم في البلاد المجاورة المطلة على البحر المتوسط مثل فرنسا
واسبانيا وايطاليا) قد تأثرت بالارهاب (كما حدث بعد مذبحة الاقصر في
نوفمبر 1997 وكما حدث مرارا مع كل نوبة من نوبات التوتر في الشرق
الاوسط). تأثرت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خصوصا في دول
الخليج، بالحروب والتوترات في البلاد المضيفة والتي تميل لاعادة هيكلة
اقتصادياتها بشكل ضد مصالح العمالة المهاجرة. بالنسبة لعوائد قناة
السويس، فانها تعتمد على الطلب العالمي للمواصلات، خصوصا في قطاع تجارة
البترول. المصدر الخامس الواضح لبقاء الاقتصاد المصري هو قدرته على
اجتذاب المعونة والقروض الاجنبية.
وهذا تضارب مدهش مع قدرتها المحدودة على جذب الاستثمارات الاجنبية.
التسهيلات التي تتمتع بها مصر في شروط المنح والقروض هي مثار حسد
بلاد العالم الثالث الاخرى. تمنح مصر مثل هذا الدعم بسبب دورها
الهام في امن واستقرار الشرق الاوسط. بكلمات اخرى، تبيع مصر موقعها
الجغرافي الاستراتيجي وما يمكن ان يمنحه هذا الموقع، بسعر اقتصادي، وخدمات
سياسية لاشباع مطالب الاستقرار الاقليمي والكوكبي. مصر كانت ستصبح
في اسوأ شكل لها، اقتصاديا، اذا لم يدفع المجتمع الدولي السياسي – والمالي
كفالتها (نادي باريس)، الذي شطب حصة ملموسة من ديونها الدولية الثقيلة في
اعقاب حرب الخليج 1991/1992، والتي وصلت مؤخرا الى مستوى حرج.
وما هو حرج بنفس المقدار العجز التجاري المزمن لمصر. تستورد مصر ما
لا تقل قيمته عن 15 بليون دولار امريكي ولكن صادراتها لا تتعدى مبلغ 5
بليون دولار حتى تاريخه. اصلاح هذا الفرق، وتخفيض الواردات، وزيادة
الصادرات
الخ، ما زال يجلب الغم في الجدل حول الاقتصاد في البلاد.
تفرع في تلك اللحظة الجدل الاقتصادي في اتجاهين ينذران
بالكارثة. الاول، بدلا من الحديث عن فائض المدخرات في
البنوك التجارية بالبلاد، دعك من الخارج،
والتي تنتظر توجيهها في قنوات الاستثمار السليم، تحولت المناقشات الى
مشكلة نقص السيولة. تتأخر الحكومة في دفع ديونها الداخلية، اقطاب
البزنس لم يدفعوا ديونهم المستحقة، ونتيجة لذلك، عانى النظام المصرفي
وتعرض لفرض احكام ولوائح عمل جديدة وتشديد في التدقيق على عمله.
ثانيا، النجاح المالي الاكبر للحكومة، استقرار سعر تغيير
العملة بين الجنيه المصري والدولار الامريكي انتهى بعد اكثر من عقد من
الزمان. تم تخفيض سعر الجنيه عددا من المرات (فقد نحو ثلث قيمته في السنتين
الاخيرتين)، واستخدمت احتياطات الدولار الامريكي في البنك المركزي من اجل
مزيد من التخفيضات في سعر الجنيه (استهلك نحو الثلث من الاحتياطي مرة
اخرى) وظهرت السوق السوداء للعملات الاجنبية مرة اخرى. ازمة السيولة، ازمة
الدولار وظهور الازمة العقارية (وقد ركد سوقها فرضت تشريعا جديدا لتنشيطه)
ليست مجرد ازمات اقتصادية بالمعنى الحرفي. انهم نذير تغير سلبي في
موقع الطبقة الوسطى على الاخص.
هذه الطبقة كانت قد مثلت في نفس الوقت صمام الامان والخطر الذي يهدد بقاء
انظمة مثل النظام المصري. وطالما الجسم الاساسي من اعضاء تلك الطبقة
يشعرون بامان وجود سطح فوق رؤوسهم وبعض النقود في الايام المطيرة داخل
حساباتهم البنكية، فانهم لا يتمردون. ولكن عندما تنهار قيمة كلا
منها (الشقة السكنية في سوق العقارات، والقدرة الشرائية للنقود المودعة
بالبنوك) بسبب انخفاض قيمة العملة او هبوط اسعار الارصدة تتخذ وجهات نظر
الطبقة الوسطى منحى اخر. فهي قد تبدأ، شاعرة بما تكابده الطبقات
الادنى، التحرك في اتجاه اكثر سخطا واكثر تمردا. ولكن ذلك يعتمد على
الكيفية التي ينعكس بها الاداء الاقتصادي السيئ كما في مصر على احوال
المعيشة في المجتمع وديناميكيات نظامها السياسي.
اثر الاحداث المأساوية للحادي عشر من سبتمبر على الاقتصاد
المصري كان هو تعميق الازمة التي كانت موجودة توا. بينما تحملت
البلاد خسارة تقدر بـ 2.5 بليون دولار (منهم 1.6 مليار في السياحة)،
ربحت النخبة الحاكمة عذرا جديدا يبرر اداءها الاقتصادي السيئ.
عند الحديث عن الاقتصاد في مصر لا يستطيع المرء تجنب اضافة
حاشية درامية. كيف يستطيع هذا الاقتصاد الاستمرار مع مثل هذا الاداء
الكارثي بينما البعض من الناس هنا في مصر الارفع تأهيلا وموهبة في العالم
الثالث وفي بعض الحالات في العالم المتقدم؟ المصريون في المنفى
الاقتصادي, بهذا المعنى، قد حققوا انفسهم بتميز. انهم علماء بدرجة
جيدة في العالم الجديد (امريكا، كندا ، استراليا)، وبناة جيدون للمباني
وجميع الدول الحديثة في الخليج شهدت ذلك، ومزارعون جيدون في العراق، انهم
مهنيون جيدون في عديد من المجالات في بلاد عديدة. لماذا لا يستطيعون
النجاح بنفس القدر في بلادهم نفسها ويرفعون من شأن اقتصادهم الفقير؟
اجابة هذا السؤال تقع عند اعتاب النخبة السياسية الادارية
للبلد. النخبة الحاكمة في مصر، التي يهيمن عليها بيروقراطية الدولة
(الموظفين)، تمتلك حظا قليلا من الرؤى ووفرة من الفقر الاداري ومن الاعذار
لادائها الكارثي. ولكن مرة اخرى انها قضية سياسية اجتماعية.
فقر الاقتصاد المصري ينعكس في ثلاثة اشكال من الفقر
المجتمعي. اولا، فقر الفكر الاداري للدولة في كلا من مؤسساتها الحكومية وفي القطاع
العام الاقتصادي الواسع والمملوك للدولة. ثانيا، الفقر المطلق
لغالبية السكان.
وثالثا، الفقر الاخلاقي في ادارة العلاقات الاجتماعية بين الافراد بعضهم
البعض وبين الجماعات بعضها البعض داخل المجتمع على كلا من المستوى المحلي
والقومي.
نقص الموارد، بشكل يمكن فهمه، في اقتصاد نام هو المسئول
الاكبر عن خلق الفقر الاقتصادي. ولكن فقر الفكر الاداري هو، بدوره،
شريك ومولد للمزيد من الفقر. الانتاجية، وحسابات التكلفة مقابل
الفعالية، وتصحيح الاخطاء عوامل لا تقل اهمية عن توزيع الدخل القومي
نفسه. يتسبب فقر الفكر الاداري في زيادة معاناة الفقير. بعض
المجتمعات افضل من غيرها في ادارة معيشتها بنفس الحجم من الموارد
الضيقة. سوء ادارة هذه الموارد الضيقة يضاعف من الفقر المتسبب عن
هذه الموارد المحدودة في المقام الاول.
في نفس الوقت، الفقر المطلق ينبع من اقتصاد غير تنافسي، يجلب معه،
للمفارقة، مجتمعا شديد التنافسية بالمعنى السلبي. يكافح الناس من
اجل البقاء بموارد محدودة تجبرهم على منافسة همجية. ولو تمت ادارة
هذا الصراع بشكل سيء، مرة اخرى، ستكون النتيجة النهائية انهيار السلوك
المدني، وانتشار الفقر الاخلاقي. هذه الحلقة الخبيثة هي قصة مصر
الحزينة مؤخرا.
بعد تعرض امريكا لمأساة سبتمبر بنصف سنة، تعرضت مصر
لمأساتها الخاصة؛ تلك المرة ارتكبت المأساة أيادي غول الاهمال، ولم تكن
بفعل الارهابيين. آلة الدولة التي كانت قد نجحت في حربها على
الارهاب فشلت بشكل كارثي في حماية ارواح مواطنيها في حادثة درامية: مات
مئات من الركاب محترقين حين استمر قطار رحلتهم في السير عدة كيلومترات وقد
اشتعلت به النيران بعد ان غادر محطة العاصمة القاهرة؛ سائق القطار غير
مدرك لما يجري في سائر العربات والمشاهدين على جوانب طريق السكك الحديدية
غير قادرين على ايقافه او منع المأساة. التقديرات الرسمية تضع
الضحايا في خانة المئات بينما شهود العيان يضعون ارقام الضحايا في خانة
الالاف حيث ان القطار كان مشحونا بالالاف ولم ينج من الحادثة الا قلة
خرجوا من الجحيم احياء. ما يهم هنا، بجانب خسارة ارواح بشرية بهذا
القدر، هي الطريقة الوجدانية التي بدأت بها نيران قطار الصعيد حرق التسامح
والرحمة داخل المجتمع المصري، على الاقل وسط النخبة. حادثة القطار المأساوية لم تكن
مجرد حادثة. انها تمثل ذروة اعراض التفكك للنظام الاجتماعي في مصر
في نهاية القرن العشرين. وقوع هذه الحادثة وردود الافعال التي
اثارتها سلطت الضوء على السؤال الذي دأب الناقدون في داخل وخارج مصر على
طرحه: ما الذي حدث للمصريين؟
تعاملت التحقيقات في حادثة قطار الصعيد مع كلا وجهي العملة:
الاهمال الذي ارتكبه المسئولون عن هيئة السكك الحديدية المملوكة للدولة
والاهمال الذي ارتكبه المواطنون/الركاب الذين لم يطيعوا لوائح الامن
والسلامة اثناء السفر. بعث الحكم الذي اصدرته المحكمة في هذه القضية
رسالة انذار شديد لكامل نظام الدولة. برأت المحكمة الموظفين الصغار
الذين اتهموا في القضية وقدموا الى المحاكمة ووجهت الاتهام الى المتورطين
الكبار بدلا منهم. اوقفوا التستر... كانت هذه صيحة
المحكمة. اي، انهوا القانون الذهبي السائر للنظام السياسي الاجتماعي
- "التستر".
مع تصاعد اخر في الاحداث وقع بعدها باشهر قلائل، مصادفة قبل
سبتمبر 2001. مزيد من النيران في صعيد مصر. حادثة (جنائية)
لثأر عائلي او واقعة (سوسيولوجية) للعنف الاجتماعي. تضمن الحادث قتل
22 شخص، بما فيهم طفل عمره 12 عام، اخذا بثأر عائلة على مقتل احد رجالهم
في السابق. لقد كان ذلك تطورا محدثا على الواقع الاجتماعي في
مصر. لان الثأر العائلي تأسس لمئات السنين، على مبدأ الرأس بالرأس
(وعدم قتل الاطفال). انها وظيفة الخبراء ليوصفوا الحادث من خلال
المناخ الاجتماعي العام الذي يحتضن عنفا زائد عن الحد بشكل متطرف. ولكن ذلك كان شيئا محدثا.
في السنوات السابقة كان هناك جم غفير من الكتابات التي حذرت من انتشار
العنف الاجتماعي السياسي المركب. يتضمن هذا: الارهاب او العنف
الايديولوجي، ارهاب الدولة ضد المواطنين، خصوصا الوحشية والتعذيب
البوليسي. اشكال جديدة من جرائم العنف، ومن السلوك العنيف للشباب في
المدارس والتواطؤ العام مع العنف كقانون للسلوك الاجتماعي.
افتتحت واقعة اغتصاب وسط زحام وسط البلد في القاهرة (ميدان
العتبة) اعوام التسعينات كعقد جديد لمختلف اصناف العنف. يمكن تصنيف
انواع العنف هذه في الشرائح الاتية:
الارهاب او العنف الديني السياسي الايديولوجي، الذي وصل
قمته في 1992/1993 وانتهى بصدام هائل بين الدولة والارهابيين.
الدولة، وقد لجأت الى انتهاك حقوق الانسان والتدابير الاستثنائية لكسب
المعركة. بينما استمر الارهابيون يقومون
بردود افعال متفرقة (خصوصا ارتكاب مذبحة الاقصر ضد السياح الاجانب في
نوفمبر 1997). ولكن المد الاعلى لعملياتهم دفع الى نهايته.
عنف الدولة، ليس فقط في سياق مواجهتها للارهابيين ولكن ايضا
كنمط عام في التعامل مع مواطنيها. وحشية البوليس هي القضية في هذا
الموضوع. في محاولة للاعتراف الجزئي بذلك،
في اوائل هذا العقد، تحملت الحكومة مخاطر تقديم عدد من ضباط الشرطة الى
المحاكمة بتهم تعذيب المساجين (وقد برأتهم المحكمة لعدم كفاية
الادلة). فيما بعد، حدثت محاكمات فردية لضباط بتهم تعذيب المحتجزين
في اقسام البوليس او الموقوفين تحت التحقيق في القاهرة واماكن اخرى.
ادين بعض الضباط وصدر بحقهم احكام بالسجن.
البلطجة، وكانت حتى الان ظاهرة تقليدية تزوي وتختفي، عادت
للظهور على السطح مرة اخرى واخذت تنتشر. الفتوات (او القبضايات)
ينفذون بالقوة نظامهم الخارج عن القانون في الاحياء والشوارع، واحيانا
بالتواطؤ مع البوليس او اجهزة الدولة الاخرى.
الجريمة التقليدية وصلت الى مستويات اعلى من الوحشية
والهمجية (اي التشويه والايذاء الجسدي الفظيع، والحرق والتقطيع). هذه
الجرائم التي كانت حتى الان محدودة المجال، مثل قتل الاطفال لابائهم
والعكس بالعكس، اصبحت تتكرر تباعا وعلى فترات زمنية اقصر. عدد الجرائم الشاذة والنادرة مثل جرائم القتل التي يرتكبها المحامون او
وكلاء النيابة مثلا قد ازداد عددها. هذا بالاضافة الى القتل الذي جرى
في نادي لاحد رجال الاعمال كحادثة اركاديا مول.
بجانب مناخ العنف وممارسته كما وضحنا معالمهما في الاطار
اعلاه، تبقى هناك سمتان هامتان للتفكك الاجتماعي في مصر: الفساد
والطائفية. وبينما تتصل القضيتان ببعضهما اتصالا وثيقا بالسياسة
فانهما يتخذان ابعادا اجتماعية اعرض حيث تنتشران في مجالات اجتماعية
اوسع. في توسعهما السرطاني ينتقل الفساد والطائفية عبر اللوحة
باعتبارهما ممارسة نظام حكم، ينتقل الفساد والطائفية من كونهما ظاهرتان
متسترتان خلف النخب الى كونهما في الاخير ظاهرتان مقبولتان عند اقسام
متزايدة من السكان. اصبحت هاتان الظاهرتان مرض اجتماعي ثقافي.
مثل كل المجتمعات البشرية، تعرف مصر الفساد منذ ان تعرفت
على نفسها. ولا بدعة في ذلك. ولكنها تصبح بدعة جديدة عندما
تصل الى مقياس غير مسبوق (كما وصفته على سبيل المثال مقالات لصلاح الدين
حافظ،
وفهمي هويدي،
وسلامة احمد سلامة،
واخرون في صحيفة الاهرام الرسمية) او فساد بلا لجام (كما وصفه المرحوم
تحسين بشير في مقالة بالجريدة المعارضة الوفد)،
او فساد يتطلب تصريحا من القمة (كما طالب بذلك المرحوم حلمي مراد، في
الجريدة المعارضة الشعب، والذي دفع ثمنا لقوله ذلك بذهابه الى
المعتقل). في كلمة، الفساد الافقي التقليدي الذي ينتشر هنا وهناك قد
تحول اكثر لان يكون فسادا رأسيا ينساب من القمة. هذا النوع من
الفساد يمكن تفتيته الى الشرائح التالية:
الفساد داخل الطبقة السياسية، بداية من رأس السمكة.
انه يتضمن عمولات سمسرة تجارة السلاح، والبترول، ومواد الطعام الاساسية،
والمعاملات التجارية الاخرى التي تقوم بها الدولة. انها تمتد لمنح
تراخيص الدولة في المجالات المختلفة من قطاع التشييد والبناء الى وسائل
الاعلام بجانب تداول العرض والطلب في قطاع الزراعة بواسطة الحكام الريفيين
ورعاتهم الوطنيين. احد اكبر واغلى الهبات للنخب السياسية الفاسدة هي
اراضي الدولة والمباني السكنية المتعلق بالثروة العقارية، حيث يستخدم
اغراق الاسعار لتسهيل الاستيلاء السلطوي والتوزيع على الزبائن.
تتضمن الامثلة التي تضرب على ذلك اراضي سيناء ومنحها للجنرالات السابقين
في الجيش، والاستخبارات والبوليس، وقرى الساحل الشمالي غرب الاسكندرية
للمستفيدين العسكريين والمدنيين من النخب السياسية، واماكن اخرى متميزة في
البلاد (مثل فيلات الوزراء في ابو سلطان في منطقة قناة السويس).
هنا تتوقف الصحافة ولا تصل الى الرؤوس الكبيرة. فقط
الصف الثاني من القيادة السياسية يمكن ان يشار اليه او يتناوله الجدل حول
الفساد. الصف الاول يمكن تناوله فقط بالهمس، او بالنكات،
او بملاحظات ملتوية قليلة تقال شفاهة
او كتابة.
لقد تناولت الصحافة حقا فساد الوزراء والمحافظين، ورجال الصف الثاني في
مؤسسات الفساد المدنية الهامة،
مع بعض من اولئك الرجال ذهبوا الى ساحات القضاء وصدرت بحقهم احكام، او
اطلق سراحهم
او اعيد تأهيلهم.
فساد طبقة الموظفين من السلطات التنفيذية في
البيروقراطية الحكومية وهيئاتها المختلفة. انه احد اقدم اشكال
الفساد واكثرها شيوعا والتي يراها المواطنون نسقا طبيعيا للامور.
كثير من موظفي الدولة هم فاسدون يكاد يكون فسادهم بحكم تعريف وظائفهم ومن
الواجب الا تكون هناك دهشة امام ذلك.
ولكن سبب المظالم الاخيرة هو الحجم الغير عادي الذي اصبح به الفساد عرفا
اعتياديا.
من ناحية اخرى، يمس الفساد حياة المواطنين بدرجة متسعة حيث ان مصر تحكمها
دولة شديدة المركزية تتدخل في تفاصيل حياة مواطنيها اليومية. اليوم
اصبحت تكلفة هذا الدور المتسع باهظة، ليس فقط بمعيار الرشاوى التي يجب
دفعها هنا وهناك لموظفي الحكومة
ولكن ايضا بمعيار الخطر الذي يتعرض له حياة المواطنين نفسها. بسبب
فساد موظفي الدولة، الفاتورة المدفوعة لضحايا الكارثتين الطبيعيتين، زلزال
1991، وسيول 1994 (انهيار المدارس مثلا) كانت اكثر كلفة. شذوذ فساد
التسعينات يتبدى بشكل اكبر في الافساد الذي تم في ساحة كانت بشكل معتاد
عفيفة. من المحتم ان تحتفظ البيروقراطية العتيقة بسجلات مواطنيها الاساسية
التي تحت يدها منظمة تنظيما جيدا. وثائق الميلاد والوفاة والزواج
والطلاق تفسد لقاء رشوة للقائمين عليها انفسهم، موظفي الدولة.
حاميها... حراميها، كما يقول المثل الشعبي المصري. وذلك يؤثر على
عمل النظام القضائي: انت لا تستطيع اصدار حكم او تنفيذ حكم على شخص يحمل
شهادة وفاة! النظام القضائي نفسه، المحترم
بشكل تقليدي والذي يعتبر مفخرة البلاد، اصبح ضحية للفساد الذي ينخر كل
شيء، حين يزداد عدد القضاة المقبوض عليهم والذين تصدر بحقهم احكام.
اذا ما اضيف الفساد الى عجز البيروقراطية المتضخمة، والتي
توظف نحو 5.5 مليون موظف (بالاضافة الى مليون ونصف المليون في القطاع
العام) من سكان مصر البالغ عددهم 70 مليون (10% من المصريين وحوالي ثلث
قوة العمل في البلاد موظفين)، يستطيع المرء ان يخمن نوع العلاقة القائمة
بين الدولة والمواطن دون الحديث عن القمع او التعذيب السياسي. يسام
المواطنون العذاب عندما يتعاملون مع البيروقراطية دون قرابة لذوي السلطان
او وساطة او رشوة.
فساد طبقة رجال الاعمال سواء في القطاع العام او القطاع
الخاص الاقتصادي. اشتملت حالات الفساد باحجام مختلفة القطاع
العام منذ توسعه في الستينات من خلال التعايش مع القطاع الخاص الذي اخذ
يتوسع في السبعينات، وازدادت حالات الفساد تلك بوتائر متسارعة في العقد
الاخير من القرن العشرين. افتتح العقد الاخير باكبر الفضائح التي تورط
فيها سلاح استخدام الدين في البزنس. حدث هذا بواسطة المضاربة بودائع
المواطنين التي جذبتها ارباح عالية بشكل مصطنع قدمتها الشركات الاسلامية
التي عرفت باسم شركات توظيف الاموال (صناديق استثمار). تسبب انهيار
العوائد في خسائر فادحة للمودعين وكفل للحكومة انهاء هذه الحقبة.
انتهى عقد التسعينات بفضيحة اخرى بنفس الحجم والشدة. تضمن ذلك عديد
من رجال الاعمال الكبار الذين استدانوا من البنوك التجارية الحكومية
ولكنهم لم يسددوا ابدا ديونهم المستحقة.
البعض هرب بشكل جماعي من البلاد.
في كلتا الحالتين في بداية ونهاية العقد، كان القطاع الخاص هو
الجاني. ولكن ذلك لا يعفي القطاع العام من اللوم. البنوك التي
منحت القروض هي مؤسسات قطاع عام بشكل اساسي ومدراءها ليسوا فوق مستوى
الشبهات. وقد اعترفت الحكومة بذلك جزئيا بالتغييرات التي قدمتها في
كلا من ادارة البنوك ولوائح عملها.
في حالة الشركات الاسلامية، من المعروف ان مسئؤلي الدولة
الكبار استفادوا من انشطة تلك الشركات، بعضهم من خلال هبات تحت اسم كشوف
البركة. و شاعت في البلاد روايات عن التستر عليهم. في الحالة
الاخيرة، وهي هروب رجال الاعمال، بعض المسئولين الكبار، خصوصا في قطاع
البنوك، اضطرت الدولة للتضحية بهم واقالتهم نتيجة لذلك.
في كلا الحالتين، كان الفساد يمت بصلات لكلا الطبقتين السياسية والادارية
اللتين ذكرناهما سلفا. لا يمكن لطبقة رجال الاعمال ان تفسد بعيدا عن
فساد هاتين الطبقتين. انه الحلف الغير مقدس لفساد الدولة وفساد
السوق. رغم ذلك، الكتاب والمفكرون الموالون للدولة، يشددون اكثر على
جانب واحد من المعادلة اكثر من الاخر.
بينما لا يهملون الجزء الذي تلعبه الدولة في الفساد، فجسم انتقادهم موجه
الى طبقة رجال الاعمال كناقلين لعدوى بميكروب الفساد. مصر، بسبب ما
بلغه الفساد المؤسسي المنظم من مستوى، لا يمكنها ان تتحول الى اقتصاد سوق
صريح وتفشل بيروقراطية الدولة في قيادة تنمية البلاد.
هذه منطق واضح تغذيه دون مواربة عناصر من طبقة رجال الاعمال، الذين
تعاونهم العناصر التي ليست اقل فسادا في بيروقراطية الدولة، وفي القطاع
العام وفي المؤسسة السياسية. تغنم المؤسسة السياسية من كلا الطرفين:
تلوم السوق كسبب لفسادها هي نفسها... وتستمر في الادعاء، للمفارقة، بانها
هي قائدة التنمية و، طبعا، السلطة السياسية.
فساد طبقة المثقفين. بعض الصحفيين، على الاخص
في الصحافة المطبوعة، متهمون من زملائهم انفسهم بتلقي رشاوى من رجال
الاعمال والبيروقراطيين الكبار.
البعض الاخر متهم برشاوى عبر العالم العربي.
اخرون من الذين يتلقون رشاواهم من وسائل الاعلام المرئية هم توا يحاكمون
بسبب تلقيهم رشاوى من اجل السماح لوجوه معينة بالظهور على شاشات التلفزيون.
اساتذة جامعات متهمون بالفساد.
قضية متفجرة تورط فيها اثنان من نواب عميد كلية الطب بجامعة القاهرة
متهمان بالتزوير في نتائج الامتحانات المميكنة على الكمبيوتر حتى يسمحان
لابنيهما بالحصول على درجات عالية ومن ثم يتم تعيينهما في هيئة التدريس
بالكلية.
في هذا القطاع يكمن اكثر المخاطر جدية في تغريب جيل الشباب عن
بلادهم. يكتوي شباب مصر توا بالم البطالة (حوالي 20%) ويسبقها
المستويات المتدهورة للتعليم الذي يتعلمونه. هؤلاء الشباب يجدون
صعوبة في الزواج وفي العيش حياة هانئة او حتى طبيعية. هل يستطيعون
تحمل معاناة تدهور اخلاقياتهم الذي ينتج بسبب الاخلاقيات المتردية لمن هم
مثلهم الاعلى؟ هل سوف يتردون في هاوية التبلد،
والعنف وفقدان اي شعور بالانتماء؟
قضية في نفس الموضوع هي تلك القضية الخاصة باحد كبار رجال
البنوك الذي عمل ايضا كرئيس للجنة الاقتصادية في مجلس الشعب.
بالحديث عن الفساد في مصر ستبدو مصر مع الصور التي
استعرضناها اعلاه مظلمة. سوف يعتبر المسئولون في الدولة تلك الامثلة
مبالغات ان لم يعتبروها صادرة عن غرض شرير. ولسوف يقولوا ان مصر
ليست اكثر بلد في العالم فسادا... وهناك العديد من الاشياء الطيبة التي
تستحق الثناء في مصر. نعم.. هم على حق. ولكن الجانب الاكثر
سطوعا في مصر موجود رغما عن السياسات والممارسات التي تدعو لمزيد من
الفساد. في مصر الحكومية، هناك العديد من المسئولين طاهري اليد
وموظفي الدوله الذين يرفضون الرشاوى رغم مرتباتهم الضعيفة وظروف معيشتهم
الصعبة. و، في مصر غير الحكومية، هناك العديد من الاساتذة والمهنيين
ونشطاء الجمعيات الغير حكومية الذين يكرسون انفسهم لخدمة مجتمعاتهم التي
تحتاج الى العون بشدة. سكان هذه المجتمعات هم غالبية السكان الذين
يعملون باخلاص وكرامة. هناك العديد من الشرفاء في مصر. ولكن،
مع الاخذ في الاعتبار النظام الذي يدير ويسير حياتهم الجماعية، هؤلاء
الناس غير قادرين على فرض نظام شريف لتسيير الامور.
المهاتما غاندي كان على صواب في اواخر الاربعينات عندما مدح
المصريين على التناغم الذي صاغوه بين الغالبية المسلمة (حوالي 90%)
والاقلية المسيحية (الاقباط) (حوالي 10%) حتى المصطلحان الاغلبية والاقلية
لم يكن من الشائع استخدامهما سابقا في البلاد. بعد اكثر من نصف قرن،
مع الطائفية تطل برأسها بوضوح، اصبح الكاتب الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل
قادرا على كتابة مقالة في ابريل 1994 بعنوان: اقباط مصر ليسوا آقلية -
ولكن جزء من نسيج الشعب المصري. كان ذلك ردا على ندوة اكاديمية
تعالج قضية الاقليات بمن فيهم الاقباط في الشرق الاوسط. اثلرت
الندوة رد فعل النخبة الفكرية السياسية المصرية لدرجة انها انتقلت بمكان
اقامتها من القاهرة الى قبرص. بغض النظر عن المصطلحات المستخدمة
والحدث، القضية الملموسة للطائفية في مصر ظلت بندا في اجندة هموم
الامة.
بلغ شعور الاقباط بالسمو الى قمته ابان مشاركتهم في الثورة
الوطنية المناهضة للبريطانيين في عام 1919 والعقود التالية لبناء الدولة
العصرية في مصر. ولكن المنحى اخذ يهبط تدريجيا مع البروز التدريجي
للاخوان المسلمين، الذين نادوا بمصر دولة اسلامية وليست دولة-امة
علمانية. ومع ذلك هذا الانزلاق تم كبحه حتى اوائل الخمسينات
باستمرار، رغم التأرجح، الجاذبية الجماهيرية لحزب الاغلبية العلماني، حزب
الوفد، وبطول بقاء الجيل الذي قاد الثورة الوطنية، ومن ضمنهم الاقباط
البارزين مثل مكرم عبيد باشا. ثورة يوليو 1952 بقيادة جمال عبد
الناصر كانت واقعة تحت تأثير الاخوان المسلمين في البداية، ولكن انتهى
الامر سريعا بصدام مبكر معهم. تم اضطهاد الاخوان المسلمين لنحو
عشرين عاما واسس نظام اشتراكي علماني. ولكن بعض من سمات النظام
الجديد اثرت على الاقباط سلبيا. من الاصل، لم يكن هناك قبطي واحد
بين قيادة الضباط الاحرار ومجلسهم لقيادة الثورة. ثانيا، التدابير ذات
التوجه الاشتراكي كالاصلاح الزراعي وتأميم الشركات الخاصة اثر على بعض
العائلات القبطية من ذوي الاملاك. ثالثا، قام كان على النظام لتغطية
قمعه للاخوان المسلمين وحتى يسمح بتمرير اشتراكيته في مجتمع اسلامي ان
يحافظ على ملامح اسلامية معينة (مثلا، استثمار اكثر في التعليم الاسلامي
بالازهر، بوابة مصر للعب دور في العالم الاسلامي، وافتتاح مشروعات مثل
محطة اذاعة القرآن). عدد متزايد من الاقباط غيروا موطنهم وهاجروا
الى العالم الجديد. واولئك الذين مكثوا في الوطن بدأوا تغيير
مشاعرهم بشكل طفيف متوجسين بما قد يأتي به المستقبل في مصر. بدأت
النخبة القبطية النشيطة تنكمش عن انشطة الحياة العامة في مصر (عضوية
هامشية في البرلمان على سبيل المثال)، مع اتخاذ الكنيسة القبطية
الارثوذكسية وضع المتحدث باسم الاقلية التي اصبحت امر واقع.
تغير المشاعر اصبح تغيرا في الحقائق عندما جاء السادات الى
الحكم في بداية السبعينات. اطلق السادات الاسلاميين ضد خصومه
اليساريين، وهو التكتيك الذي كلفه حياته بعدها بعقد من الزمان. هذا
العقد كان قمة الرواية المحزنة للعلاقات بين الطوائف في المجتمع
المصري. ابتدأ العقد بحادثة الخانكة الطائفية في 1972 (والذي شكل
بسببها لجنة تحقيق برلمانية واصدرت تقريرا ما زال ينتظر التنفيذ في مصر
حتى اليوم). ابتدأ العقد التالي بقتل الرئيس السادات في اعقاب حادثة
طائفية اخرى في حي الزاوية الحمراء بالقاهرة والذي استخدم كذريعة لسجن
خصوم السادات من القيادات المدنية، بكل تنويعاتهم السياسية (مذبحة
سبتمبر). التطورات المنحازة للاسلاميين انهت حياة الرئيس وواجه
النظام الازمة؛ ازمة من النوع السياسي ولكن بطعم طائفي.
تعامل مبارك مع الازمة، بعد ان اعتلى السلطة منذ 1981،
بالتصالح مع المعارضة. ولكن نحو منتصف العقد الاول من حكمه عادت الى
السطح مرة اخرى التوترات السياسية والطائفية مع ظهور التشدد
الاسلامي. وقعت حوادث من الاعتداء على الاقباط، خصوصا في صعيد مصر.
ربما يكون الصدام مع الاسلاميين نحو منتصف التسعينات قد أمن السيطرة على
السلطة السياسية. ومع ذلك، لم يفعل الا القليل نحو تغيير المشاعر
الطائفية ومنظوراتها التي تراكمت طوال هذه العقود.
اذا ما كان هناك جديدا في الاحداث الطائفية، يتجاوز التوترات المعتادة في
الحياة اليومية، فهو انها اصبحت اقل عددا ولكنها اسوأ في طبيعتها واكثر
اثارة للمشاعر. الحوادث الطائفية تلك تضمنت حرق متكررللكنائس،
وهذه المرة امتدت النيران للكنائس العريقة ذات المكانة مثل دير المحرق في
اسيوط عام
1994. وكان
الاسوأ، في كنيسة ابو قرقاص عام 1997، لاول مرة يحرق الناس اثناء
تعبدهم. وبلغنا اسوأ نقطة في طالع النحس هذا مع ثالث حرق لكنيسة في
نفس القرية "الكشح"، عام 1998، 1999، 2000.
واخيرا، "القشة التي قصمت ظهر البعير". الاف من
الاقباط الذين كانوا حتى وقتنا الحاضر متهيبون، تظاهروا بشراسة في فناء
البطرياركية. كانوا يحتجون اسميا ضد تقرير فج لاحد الصحف، به صور
عري فاضح، عن قضية لقس خارج على الكنيسة.
ولكن الاقباط كانوا ينشرون بشكل جوهري كل المظالم التي تحيق بهم على العلن
وللكافة. في اختيار الاقباط لفناء البطرياركية مقر قيادتهم الدينية
ليذيعوا منها استهجانهم وسخطهم على ما يجري لهم (بدلا من البرلمان او
نقابة الصحافيين او حتى الشارع) هم بلا روية يقدمون البرهان على انهم
اصبحوا طائفيين من منطلق رد الفعل.
الحقبة التي شهدت مثل هذه الحوادث، والتي رأت اسوآ تمثيل
برلماني للاقباط،
كان عليها ان تشهد حدوث ابعاد جديدة تؤثر على قضية الطائفية برمتها في
مصر. هذا هو البعد الخارجي. كان على مصر ان تواجه تدخل ثلاثي
الرؤوس من وراء البحار في المسألة الطائفية المصرية. اولا، جموع
منظمات حقوق الانسان الدولية التي تتناول بالاخص قضايا الاقليات او قضايا
حقوق الانسان في عمومها. ثانيا، العدد المتزايد من منظمات الاقباط
في المهجر.
ثالثا، الادارة الامريكية خصوصا بعد تمريرها قانون جديد من الكونجرس
وتشكيل لجنة لمراقبة قضية الحريات الدينية في انحاء العالم. اصبح
دعم الحرية الدينية، فعلا، جزءا من المعونة الامريكية للبلدان الاخرى.
تمثل المصادر الثلاث تطورا يؤخذ في الاعتبار جديا من قبل اللاعبين
الداخليين: الحكومة، الكنيسة القبطية، والنخبة القبطية وجموعها. فهم
بكل مفردات خطاب الوحدة الوطنية العالي ورطانته لا يمكنهم تجاهل التأثيرات
الخارجية على القضية التي فشلوا من جانبهم في تسويتها.
المسئولون الحكوميون المصريون مغرمون بالتورط في عادة تكرار
الحوار القديم: نحن لا نستسلم للضغوط الخارجية. في الحقيقة، هم
يستسلمون. تقريبا كل التغييرات التي مست قضية الطائفية، سواء
بالتجميل او بالاصلاح الملموس، كانت استجابة للضغوط الخارجية.
اشتملت تلك الضغوط على تقارير منشورة على نطاق واسع اصدرتها منظمات حقوق
الانسان، وزيارة لتقصي الحقائق مكونة من مبعوثين للامم المتحدة، ورجال
الكونجرس الامريكي
ونواب مجلس العموم البريطاني،
ومظاهرات ولوبي الاقباط في المهجر الخ. كثير من الاستجابات نفسها في
السنوات الاخيرة كانت للتجميل فقط في الشكل، مثلا، حضور مسئولي الدول بشكل
جماعي صلوات الاقباط في الكريسماس، واذاعة هذه الصلوات كاملة على شاشات
التلفزيون. تتلقى شخصيات من الاقباط الدعوة للظهور في برامج
التلفزيون الخ. التدابير الملموسة اكثر كانت تعيين مزيد من الاقباط
في الهيئات القيادية للحزب الوطني الديموقراطي الحاكم واختيار مرشحين
اقباط اكثر في قوائمه الانتخابية. الطلب عالي على الشخصيات القبطية
في هذه الساحة. يتم هذا في تباين واضح مع قوائم الحزب الوطني
الديموقراطي الخالية من الاقباط في انتخابات 1995. وقتها برر
السكرتير العام المساعد للحزب الوطني ذلك بقوله: نحن نضع في القوائم
مرشحين يستطيعون جمع الاصوات والنجاح.
وهكذا، من يخسرون اصوات الناخبين في الامس القريب يبدون
الان انهم بوابة مصر لكسب احترام المجتمع الدولي. انها اشارة، ربما
رمزية، ولكنها ذات مغزى، عندما اعلن الرئيس مبارك ان يوم الكريسماس،
السابع من يناير بالنسبة للاقباط الارثوذكس، عيدا رسميا في البلاد
كلها. في السابع من يناير 2003، ولاول مرة في حياتهم، يبادل
المسلمون المصريون اخوانهم المواطنين المسيحيين الاهتمام بيوم مقدس.
هل سوف تعتبر تلك الاشارة افتتاح لحقبة جديدة من الانسجام الطائفي؟ او ان ما تراكم من التطرف الديني
في الاعوام السابقة قد تخندق بشكل اكبر ويحتاج الى اعادة تعليم الامة مرة
اخرى عبر تدابير وبرامج ملموسة اكثر؟
كلمة اخيرة
عن اثر 11 سبتمبر 2001، على المجتمع المصري. بينما قد يكون للعقبات
والزلازل البشرية اثرا مباشرا على الاوضاع الاقتصادية والسياسية، فإن هذه
الزلازل البشرية لا تؤثر على المجتمعات لنفس المدى. التغييرات
الاجتماعية هي عملية مستمرة بطبيعتها، متدرجة وتحدث عبر تراكم. انها
تتضمن نظاما من القيم وانماطا من السلوك والتفاعلات المتبادلة
الجماعية. وذلك يأخذ زمنا حتى يحدث التغيير. في حالة مصر، هذا
القانون ينطبق عليها كما ينطبق على غيرها في اي مكان اخر. ولكن
كقضية ذات علاقة ويمكن الامساك بها بشكل اكثر سهولة هو قياس رد فعل النخبة
السياسية حين تتناول ما يطرأ من تطورات سريعة. ليس فقط قياس
استجابتها لالتزامات التعاون الدولي ضد ارهاب متعدي القوميات ولكن ايضا
قياس الطريقة التي ترتب بها بيتها الداخلي. هذا ينطبق على ادارتها
الاقتصادية اضافة الى تعاملها مع المشاكل الاجتماعية وما يمليه عليها واجب
الاحتفاظ بنسيج اجتماعي قوي وسط العواصف.
النخبة
الحاكمة المصرية، التي تتميز بالجمود وبطء الاستجابة للتغيير، يبدو انها
تتحسس خطورة وضعها بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبشكل متناقض ظاهريا،
تجد النخبة الحاكمة المصرية عزاءا في حقيقة ان خدماتها ما زالت مطلوبة في
الحملة ضد الارهاب الدولي. هكذا تباعد الالحاح بالحاجة الى تغيير
متسرع، رغم الاحساس الاولي بان هناك ضغوط من اجل التغيير. هناك فقط
مؤشرات جنينية جدا بان هذا الاحساس قد تم ترجمته الى افعال.
يبدو ان تلك الظواهر الاجتماعية
السلبية (العنف، والفساد، والطائفية) تتغير ببطء، تغييرا تحفزه وتزيد من
معدلاته بشكل طفيف احداث الحادي عشر من سبتمبر. النظام المصري،
بينما ما يزال فاشلا في مخاطبة الاشكال المختلفة من العنف الاجتماعي،
يستخدم التهديدات الارهابية لمصلحته ولمصلحة التعاون الدولي. فيما
يتعلق بالفساد، الحملة التي تواجه الفساد قد اتسعت لحد ما، رغم ان كثير من
التابوهات المحرمة ما زالت لا تمس. يبدو ان النائب العام قد اصبح
الباب امامه مواربا بشكل اكثر
الان لارسال قضايا فساد الى المحكمة. اما الطائفية، وتأثر العوامل
الخارجية على تصرفات الحكومة فيكفيهما الان الاشارة الى البدعة المحدثة
التي ذكرناها انفا بان اليوم المقدس عند المسيحيين قد اصبح اجازة عند
المسلمين في مصر. كل تلك التدابير تفوح منها اثار الحادي عشر من
سبتمر. وهي تدابير، يجب الاعتراف بذلك، سياسية من حيث الجوهر.
ولكنها سوف تترك بصمات طويلة الامد على المجتمع المصري.
عندما ننظر الى النظام السياسي في مصر كدولة-امة تدار بنظام
دولة معين تحكمه نخبة خاصة فاننا نواجه باكثر التناقضات الصادمة: نظام
متصلب بشدة شهد تغييرات قليلة جدا طوال عقدين من الزمان يسير بخطوات رتيبة
في منطقة شديدة التقلب (وهو نفسه جزء من هذا الاضطراب)، بينما ما زال
محافظا على حدود دنيا من السلام ويمتلك سياسة خارجية نشيطة، تؤمن له
الاصدقاء في كل انحاء الكوكب. كثير من الملاحظين سوف يرون هنا
مفارقة بين الاداء الفقير على الجبهة الداخلية والاداء الناجح بشكل مقارن
على الجبهات الخارجية. خصوم النظام سوف يسوقون حجج ودلائل مختلفة:
الاستقرار الداخلي قد امن لهم نجاحات الخارج. بغض النظر عن تلك
المجادلات، هناك فجوة تنكشف عند الدراسة الفكرية للسياسة ا لمصرية.
عشية التسعينات، التقت جماعة من المثقفين المصريين في مركز
الدراسات السياسية بجامعة القاهرة (الذي اسسه واداره الاستاذ الدكتور علي
الدين هلال، الذي اصبح فيما بعد عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم
وزيرا للشباب) لمناقشة النظام السياسي في مصر - الاستمرارية والتغيير.
دارت مناقشات ساخنة واختلافات بين اولئك المثقفين المصريين. في
العام التالي، تجمعوا لمناقشة السياسة الخارجية المصرية.
دارت بينهم مناقشات رتيبة باهتة وظهر قليل من الاختلافات. السفير
عمرو موسى (وزير الخارجية السابق ثم السكرتير العام للجامعة العربية)، عند
تقديمه تعليق على اللقاء في ورقة بعنوان الجهاز الدبلوماسي المصري - محنك
ام عتيق؟،
قال للمؤلف: رغم انك اكثر انتقادا في عروضك الشفاهية مع ذلك إن ما نختلف
حوله قليل. هذا ايجاز واف لشبه الاجماع على سياسة البلاد الخارجية
بين النخبة المثقفة. بالنسبة للسياسة الخارجية، هناك مجال واسع
للنزاع. في المنتصف يقع مجال السياسة شبه الداخلية وهي السياسة
الاقليمية، حيث الاتفاق اقل بشكل ملحوظ، خصوصا فيما يتعلق بالسلام المصري
الاسرائيلي وطبيعته. يشتد الاختلاف حين ينفسم المثقفين والسياسيين
المصريين حول مسألة حرب الخليج 1990/1991. في الاجمال، من
الاجماع الى الاختلاف الى الصراع يمتد الخيط المستمر للسياسة في مصر في
تبدياتها الدولية والاقليمية والداخلية.
خارج الشرق الاوسط ليس لمصر افتراضيا اي اعداء في العالم
على اتساعه. حتى في منطقتها المضطربة، حيث تمثل اسرائيل عدوا
تاريخيا واستراتيجيا، تحتفظ مصر بمعاهدة سلام مع اسرائيل. بين
البلدين سلاما باردا، ولكنه متين، يحافظ عليه كلا الطرفين منذ ربع
قرن. الجزء الغير مكتمل من مهمة السلام تخص الفلسطينيين وليس مصر
نفسها، مع كل مشاعر المحبة والتعاطف التي يحملها المصريون نحو
الفلسطينيين.
نظام مبارك، رغم كل خيباته الوطنية والاقليمية، يستحق
الجدارة بسبب نجاحاته في المدى الذي بلغته السياسة الخارجية المصرية في
المجال العالمي الاوسع. بينما ثبت السادات مصر في المعسكر الامريكي
بعد حرب اكتوبر 1973، مما خلق توترا مع المعسكر السوفيتي، عمل مبارك على
تلطيف هذه التوترات بينما استمر في تقوية علاقته مع الولايات
المتحدة. منتقدوه في الفترة الاولى من حكمه ارادوا مصر اقل انحيازا
لامريكا واكثر حيادية. ولكن في منتصف عهد مبارك اختفت ثنائية
القطبية من العالم مما جعل تصحيح حيادية مصر عليها امرا مستحيلا؛ سقط
الاتحاد السوفيتي جثة هامدة. واصبح الاستمرار في انتقاد مصر لكونها
تابعا لامريكا ممارسة شديدة الصعوبة. كان لمصر مبارك عديد من
الاختلافات مع الولايات المتحدة اثبتت بها مصر انها ليست احدى جمهوريات
الموز. اكثر من ذلك، اقصى مد شعبي مناهض لامريكا في مصر حدث في ظل
حكم مبارك.
يحرص نظام مبارك على تقوية علاقاته باوروبا. اوثق
علاقات تم بناءها كانت مع فرنسا في ظل حكم الرئيس ميتران والرئيس شيراك.
دعمت الابعاد الثقافية قوة الارادة السياسية؛ فمصر تحظى بولع فرنسي
خاص. النظام المصري يرى نفسه قرينا للاستقلال الذاتي النسبي الفرنسي
امام الولايات المتحدة رأسا برأس. كلا البلدان يسعيان لان يكونا
شركاء غير تابعين للولايات المتحدة. السياسات المصرية الاخرى نحو
اوروبا تضمنت الشراكة في عملية برشلونة التي شمل اعلانها بداية من نوفمبر
1995 بلادا من المنطقة الاورو-متوسطية. بعد جدال حامي الوطيس داخل
الدوائر ذات الصلة في مصر ومفاوضات ساخنة مع الاتحاد الاوروبي، صدفت مصر
اخيرا على اتفاقية شراكتها مع الاتحاد الاوروبي. والاخير ما يزال
الشريك التجاري الاولي لمصر. ورغم ان المعونة الاوروبية لمصر اقل من
نظيرتها الامريكية، تستقبل الاسواق الاوروبية صادرات مصرية اكثر مما
تستقبله الاسواق الامريكية. حتى على المستوى الفكري هناك علامات
اكثر على الحوار العربي الاوروبي مما على الحوار العربي الامريكي.
هذا ولا نتجاهل التوترات مع اوروبا التي شملت مصر مع بلدان
عربية واسلامية اخرى. ولب القضية في هذا الموضوع هو الحركات النازية
الجديدة النامية واتجاهات كراهية الاخر عند اليمين الاوروبي
المتطرف. تطورت التوترات هنا وهناك بين مصر واوروبا حول قضايا حقوق
الانسان. اشهرها، سجن عالم الاجتماع الشهير سعد الدين ابراهيم في
يونيو 2002 بسبب الادعاء بتلقيه تمويلا من الاتحاد الاوروبي دون الحصول
على اذن من السلطات المصرية.
ايضا، سجن جماعة من المثليين في مصر.
ولكن في الاجمال، فيما يخص السياسة الاوروبية في الحاضر تجاوزت مصر
تجاربها السيئة مع اوروبا في الماضي: الاحتلال البريطاني لمدة 72
عام (1882 – 1954) والغزو النابليوني الفرنسي (1798 – 1801) بجانب
المواجهات حول الحرب الجزائرية (1954 – 1962).
بالنسبة لفرنسا وبريطانيا معا، تغيرت صورة مصر منذ غزوهم
الثلاثي مع اسرائيل بشكل كبير مما ادى لنشوب حرب السويس (1956) مع ان مصر
تبقي على تحفظاتها نحو السياسات الاوروبية في صراع الشرق الاوسط (عند
مرحلة معينة كان هناك قطع للعلاقات الدبلوماسية مع دول اوروبية فرادى مثل
هولندا)، فان مصر الان ترى السياسة الاوروبية نحو جوهر الصراع (الفلسطيني
الاسرائيلي) اكثر توازنا من السياسة الامريكية.
اصبح تأثير مصر على بلدان العالم الثالث الاخرى سياسة
تقليدية منذ تأييد عبد الناصر لكفاحات التحرر الوطني في البلاد
الافرو-اسيوية.
بعد استقلال الجم الغفير من تلك البلدان استمرت مصر بروابطها اللصيقة معهم
في اطار حركة عدم الانحياز، والتي تضمنت ايضا بلدان امريكا اللاتينية.
ايضا استمرت مصر تلعب دورا نشيطا في منتديات تلك الدول، مثل مجموعة الـ
77، وجماعة الـ 15 الخ. بطرس بطرس غالي، وزيرا للشئون الخارجية في
عهد السادات ومبارك، (وفيما بعد سكرتيرا عاما للامم المتحدة) حاول انعاش
دبلوماسية مصرية نشطة في افريقيا ومدها بشكل اوسع الى امريكا اللاتينية،
خصوصا المكسيك.
احتفظت مصر بسفارات في معظم بلدان العالم، ومعهد وزارة الخارجية للدراسات
الدبلوماسية يدرب الدبلوماسيين المصريين والعرب والافارقة، ويمثل
دبلوماسيوها مجتمعا عالي المهنية.
تقليديا وبشكل يمكن فهمه، حرصت الدبلوماسية المصرية على
صياغة روابط جيدة مع اثنين من قوى العالم الثالث: الصين والهند.
وبالفعل، بعض الدبلوماسيين الذين خدموا هناك كانوا يحتلون مواقع مهمة في
المؤسسة السياسية الدبلوماسية.
من ناصر الى السادات الى مبارك تمسكت مصر بهذا التقليد. رغم خسارة
بعض المساحات في الهند، ظلت العلاقات معها ودية. مع الصين استمرت
العلاقات قوية. قام الرئيس مبارك بدور في ذلك مذ كان نائبا للرئيس
السادات. فقد زار الصين اكثر من مرة ودعم العلاقات الاقتصادية
والسياسية بها. بالاضافة الى ذلك، اجنحة اوسع من المؤسسة السياسية،
مثل دارنشر الاهرام، دعمت استمرار التعامل النشط مع الصين. زار رئيس
تحرير الاهرام الصين مع فريق من محرريه.
وقد تابعت الصحف الصينية اليومية الزيارة ولقاءاتها بشكل واسع. كثير
من المثقفين ايضا، يرحبون بعلاقات مصرية قوية مع الصين والهند ويلحون
عليها.
كلا من مصر الحكومية والغير حكومية انغمست قبل 11 سبتمبر
بشكل عميق في الاضطراب الذي طغى على الشرق الاوسط، وبشكل محدد المواجهات
الدموية في اسرائيل وفلسطين (اسراطين نقلا عن القذافي الزعيم
الليبي). لقاءات في الاحزاب السياسية ومقرات النقابات المهنية،
وتشكيل لجان التضامن ومظاهرات الشوارع شكلت ردود الافعال الغير حكومية على
الاحداث في فلسطين واسرائيل. بعد وقت طويل من النوم السياسي، نشطاء
الاجيال الماضية (خصوصا اليساريين من جيل السبعينات والاسلاميين من جيل
الثمانينات) انضموا يدا بيد الى جيل الشباب الاصغر الذي كان حتى ذلك الوقت
متبلدا طلابا وتلاميذا. اكتشفوا بالاضافة الى الضيم والظلم الذي
يعاني منه الشعب الفلسطيني ومشاعر التعاطف الفريدة معه، اكتشفوا اخيرا
لانفسهم دورا سياسيا ليلعبوه يتجاوزون به الخنق السابق للمشاركة السياسية
بواسطة النظام. لم يقف النظام نفسه ضد تعبير المشاعر العامة الجارفة
عن نفسها طالما تحت السيطرة. وقد خدم ذلك ايضا النظام بإظهاره نظاما
وطنيا وديموقراطيا. بل انه حتى حاول ان يختطف النضالات الغير حكومية
(مثل ارسال مساعدات الاغاثة لمساعدة الفلسطينيين) ونسبها لنفسه باحسان من
شخصية تمثل رأس الدولة بشكل غير رسمي (اي السيدة الاولى). هذا
النشاط قدم خدمة اخرى للايديولوجيين الاسلاميين والقوميين، الذين لم
يعتقدوا ابدا ان هناك مكانا لسلام عربي اسرائيلي؛ فالصراع في نظرهم صراع
"وجود وليس حدود".
التبعات الثقيلة للصراع الاقليمي على سياسات مصر الدولية،
للمدى الذي تتعلق به التحركات النضالية الغير حكومية، ينعكس في نزعة مناهضة
لامريكا. امريكا واسرائيل يعتبرون شيئا واحدا. حرق العلمين،
نجمة داوود والنجوم والخطوط ونداءآت ودعوات المقاطعة لمنتجات البلدين
اصبحت هي نسق اليوم. وتجد نزعة مناهضة امريكا تعبيراتها في سياق
الحركة المناهضة للعولمة
ومشاركة المنظمات الغير حكومية المصرية في مؤتمر مناهضة العنصرية في
ديربان 2001،
حيث عزلت امريكا واسرائيل بشكل مطلق قبل ايام قليلة فقط من احداث 11
سبتمبر.
مجرد ساعات قليلة بعد مأساة نيويورك، وواشنطن دي سي،
وبنسلفانيا تجمع بضعة الاف من النشطاء المصريين على مرمى حجر من السفارة
الامريكية في القاهرة. ارادوا التجمع على ابواب السفارة فعلا ولكن
البوليس عزلهم عنها لمسافة بينما سمح لوفد منهم ان يصل الى ابواب السفارة
ويقدم بيانا. لم يأتوا للسفارة بتعازيهم لكن بشجبهم وادانتهم للدعم
الامريكي لاسرائيل.
ابعد من هذه المفارقة اللحظية، استمر النشطاء الغير حكوميين المصريين في
احراق النجوم والخطوط كما لو ان شيئا سيئا لم يحدث لامريكا ولكن الكثير من
السيئ ترتكبه امريكا في فلسطين. رد الفعل الامريكي على احداث 11
سبتمبر شجع افغانستان والعراق على ان يصبحا اخوة يوحدهم انهم يتعرضون
للاذى الامريكي. وهكذا اضيف مسلسل الى باقي الحلقات واستفحلت النزعة
المناهضة للامريكان.
استمر النشاط المناهض لاسرائيل وشاعت منه رائحة ما لمعاداة اليهود مما شجع
اللوبي اليهودي في فرنسا على تقديم رئيس تحرير الاهرام الى المحاكمة
غيابيا في محكمة بباريس. بعدها، السفارة الامريكية في القاهرة، هي
ايضا، تقدمت باحتجاج على نفس القضية ضد دراما تليفزيونية في التلفزيون
المصري.
العزاء في الضحايا لامريكا قدمته مصر الحكومية. ولكن
الحكومات لم تخلق فقط لتقديم التعازي. انها تحتل مكانها لتتحرى
السياسات. اصناف من القضايا المتعلقة باحداث 11 من سبتمبر فرضت على
الحكومة المصرية لتتعامل معها. اولا، كان عليهم تبرئة اسم مصر
تحديدا منها، حيث ان قادة الصف الاول للارهاب الدولي مصريين: ايمن الظواهري،
الرجل الثاني بعد بن لادن (والرجل الاول فكريا)، ومحمد عطا، رئيس فريق
التدمير في 11 سبتمبر. احتلت المنظمات المصرية، الجهاد والجماعة
الاسلامية بالاسم، قمة القائمة الامريكية للمنظمات المحظورة بسبب
ارهابييها المطلوبين.
شرعت اتهامات بتواطؤ النظام في خلق ارهابيين ضد مصر والعربية السعودية من
قبل وسائل الاعلام الامريكية؛ وبالخصوص توماس فريدمان الذي لا يحمل ودا
لهما. ثانيا، كان على الحكومة ان تتعامل مع تفاصيل مثل مصير 580
مصري قيل انهم مع بن لادن في افغانستان.
كل ذلك بالاضافة الى الصعوبة الفائقة في اثبات موقفها المناهض للارهاب
بينما الاصوات المناصرة لبن لادن وطريقته والمناهضة للامريكيين تجلجل على
ارضها.
وبالفعل، تكلمت "مصر الرسمية" بصوت عالي وتحركت سريعا الى صف الحملة
الامريكية والدولية المناهضة للارهاب. ولكنها كانت تفضل لو ان هناك تحديد
واضح من المجتمع الدولي باكمله لمفهوم الارهاب بدلا من التعريف الامريكي
الاحادي. يتضمن التعريف الامريكي هؤلاء الذين تعتبرهم مصر محاربين
من اجل الحرية وليسوا بارهابيين. وكانت مصر تفضل ايضا تجنب الحرب في
افغانستان وفي نفس الوقت تقديم الجناة في احداث 11 سبتمبر الى المحاكمة.
وبشكل اكثر اصرارا، لم ترغب مصر في حرب العراق وفي نفس الوقت ضغطت على
النظام العراقي حتى يحترم قرارات الامم المتحدة.
في الحرب على الارهاب كانت مصر متعاونة ومفيدة بشكل له
قيمته على جبهة الاستخبارات. لقد قدمت اسماءا ومعلومات حول 150 اسما
متهما الى الولايات المتحدة والبلاد الاخرى.
لتلخيص التدابير الامنية والمنظور السياسي لمصر الرسمية فيما بعد 11
سبتمبر يستطيع المرء ان ينقل حرفيا تصريحات وزير الداخلية المصري للمجلة
الاسبوعية شبه الرسمية المصور (حوار مع مكرم محمد احمد، 28/12/2001):
-
مصر لا تصدر الارهاب، فقد حذرت
البلاد الاخرى من استضافة الارهابيين المصريين.
-
زودت مصر الولايات المتحدة
بمعلومات وفيرة ساعدتها في حربها على الارهاب.
-
معظم القادة الارهابيين في الداخل
يقرون الان بتفكيرهم الخطأ ونحن ندخل في حوار فكري مع الاقلية المتطرفة
المحبوسة (فقط 4 من الاف اطلق سراحهم عادوا الى جماعاتهم مرة اخرى).
-
اوقفت التعذيب البدني في السجن
لان ذلك يساعد على خلق جيل جديد من المتطرفين اكثر تطرفا.
-
اوقفت القبض على عائلات
الارهابيين الهاربين لتفادي خلق ارهابيين جدد.
-
قانون الطوارئ المصري اكثر رحمة
من السلطات الجديدة الممنوحة للمؤسسات الامنية الامريكية.
-
جماعات حقوق الانسان الان تسقط
صمتا بعد ان قررت واشنطن نفسها اللجوء الى المحاكم العسكرية.
-
انا لا استطيع ضمان ان السودان
تخلو من الارهابيين ولكني اثق في توجهات الرئيس البشير الان.
-
كانت اليمن في الغالب تقدم اعذارا
بان الارهابيين المصريين يختبئون بين القبائل، ولكنهم الان نشطون في
مكافحة تلك الجماعات.
-
قتل اربعة من قيادات القاعدة
المصريين حتى الان.
-
شريط بن لادن الاخير كافي لادانته
وانا اعتبره اعتراف كامل.
-
امريكا حطمت منظمة القاعدة وبن
لادن سيموت ان عاجلا او اجلا. ولكن البقايا الهاربة من منظمته سوف
تكون اكثر وحشية في ردود افعالهم الانتقامية.
لا نحتاج لمزيد من التعليق
لتحديد الموقف الرسمي لمصر كما عبرت عنه تصريحات
وزير داخليتها (لواء شرطة). وزراء الخارجية يميلون للسيطرة على
الحوار الدبلوماسي ويمكنهم في بعض الاحيان تقديم خدمات لفظية. فهي
لا تخبرنا فقط بمعلومات عن الاتجاه الرسمي نحو الارهابيين المحليين
والدوليين ولكنها ايضا تمنحنا قبس من ميل اخر لما بعد ?? سبتمبر: انظمة
مثل مصر تعرف الان ان خدماتها مطلوبة في الحرب ضد الارهاب. وهم
يعرفون ايضا ان النظام الامريكي نفسه قد اصبح ماكينة تعمل من اجل الامن، مثلهم، وفي النهاية هم
يدركون ان الشعارات الامريكية عن الديموقراطية التي يهددونهم بها ليست سوى
شعارات على الاقل في الوقت الحاضر. هذا المنظور للسياسة الدولية
ربما يشكل الكثير من سياسات الشئون الداخلية لمصر والبلدان الاخرى.
في سياستها الدولية عقدت مصر صداقات في كل انحاء
الكوكب. ويدلل على ذلك ثقافيا مسارح اوبرا القاهرة (التي شيدت
بتمويل ياباني كمركز ثقافي وتعليمي) ومسارح اخرى. وضيوف متنوعون من
الكابوكي الياباني الى التانجو الارجنتيني (ولا ننسى عازف الكمان العظيم
يهودي مينوهين). في الجغرافية السياسية لهذه المنطقة المضطربة مصر
نفسها تصبح جزءا مكملا لهذا الاضطراب. انها اكبر بلد عربي (وواحدة
من اكبر ثلاث بلاد في الشرق الاوسط – البلدان الاخريان هما تركيا وايران),
وقد لعبت ثلاثة ادوار متميزة طوال اكثر من نصف قرن: صانعة حروب، وصانعة
سلام، وصانعة مشاكل.
كصانعة حروب، كتائبها المسلحة كانت المشارك الاكبر
في كل الحروب العربية الاسرائيلية (1948، 1956، 1967، 1973). كما
كانت حاضرة بشكل غير مباشر في حرب الخليج الاولى (حرب العراق ايران، التي
استهلكت كل النصف الاول من الثمانينات) من خلال مبيعات السلاح
للعراق. وفي حرب الخليج الثانية 1990/1991 وقفت مصر مع التحالف
الدولي مباشرة ضد العراق من اجل تحرير الكويت. في السنوات التي سبقت
ذلك فشلت مصر في تهدئة الطموحات الاقليمية الانتحارية للنظام العراقي من
خلال ضمه الى حلف اقليمي باسم مجلس التعاون العربي (مصر العراق الاردن
اليمن). كصانع حرب او مشارك في حروب حققت مصر انتصارات وخيبات وخمول
عسكري (افضل اداء لها كان في حرب اكتوبر 1973) ومثل كل البلاد العربية لم
تكن اكثر من مجرد متفرج على الغزو العسكري الاسرائيلي للبنان، وعاصمتها
بيروت في 1982، الذي يصبح من المفترض اعتباره الحرب العربية الاسرائيلية
الخامسة.
في دورها كصانع سلام تأتي نجاحاتها وخيباتها اكثر
دويا. وانه لموضوع يثير بعض الجدل ان يكون مجرد منع تدهور الاوضاع
في حالة معينة هو نجاح ام فشل. هنا ايضا يكمن تصنيف مصر كصانع مشاكل
منذ ان اتهمت باعتماد سياسة قصدية لتجميد حالة اللا سلم/ لاحرب وتكتيك
فلننتظر ونرى. في اسوأ الحالات مصر تتهم بانها اكثر حيوية في عدم
تشجيع اتفاقات سلام معينة في فلسطين والسودان.
احداث 11 سبتمبر والازمة الكبرى التي اثارتها امسكت بمصر
وهي منغمسة فعلا في ازمات منطقتها: فلسطين، والعراق والازمة ذات الاهمية
الخاصة لمصر، السودان. اولئك هم الثلاث بقع الساخنة في قوس الازمة
لدى امين هويدي (وزير الدفاع السابق ورئيس جهاز الاستخبارات في حكم عبد
الناصر).
ما فعله الحادي عشر من سبتمبر هو جر مصر الى اعماق مستنقع هذه المنطقة
الصعبة. على مصر ان تتحمل المصاعب بينما هي تلعب دورا اقليميا ذا
قيمة يدفع مقابله دوليا. كلا من هذا الدور وثمنه خاضع الان لمتطلبات
الحملة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الارهاب بعد 11 سبتمبر
2001. المفارقة هنا ان مصر والولايات المتحدة يتفقان بشكل عريض
ويتعاونان بشكل وثيق فيما يخص الارهاب بينما هما يختلفان بشكل واسع فيما
يخص فلسطين والعراق والسودان. وكما يقولها امين هويدي: الولايات المتحدة
ترى ان العالم افضل دون رأس صدام حسين في العراق، ورأس عرفات في فلسطين،
وبرأسين للبشير وجارانج في السودان، ومصر ترى عكس ذلك.
في الحرب السادسة الحالية بين العرب والاسرائيليين، وفي
الانتفاضة الفلسطينية الثانية، يتورط فيهما بعمق كلا من مصر الحكومية
والغير حكومية بجميع مستوياتها. مصر الرسمية في دعمها للفلسطينيين،
تقف مصر على حافة حرب حقيقية مع اسرائيل وتجمد اتفاقات السلام معها.
بعض النشطاء والكتاب الغير حكوميين وشبه الحكوميين قد يفضلون لو ان
المواجهة مع اسرائيل تتصاعد: طرد السفير الاسرائيلي (السفير المصري كان قد
استدعي توا من تل ابيب)، وشطب معاهدة السلام وفي النهاية الذهاب الى ميدان
المعركة الحربية. الكتاب الاقل صخبا في موضوع السلام (نشطاء السلام
لا مكان لهم الان حيث يراهم الاخرون خونة )
حذروا من التصعيد الذي قد يؤدي تكرار التاريخ ويحمل اجيال المستقبل
العربية بمسئولية تحرير مزيد من الاراضي المحتلة. كلا من العناصر
الحكومية والغير حكومية تؤيد المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي
وما يسببه من دمار.
حول قضية الهجمات الانتحارية المثيرة للجدل ضد المدنيين الاسرائيليين
يدعمها البعض من كل قلوبهم كوسيلة مقاومة شرعية، والبعض يعطي لها مبررات
فكرية سياسية دينية،
والبعض يتخذها استشهادا دينيا للابطال المسلمين. ولكن القلة تراها
كعمل من اعمال اليأس يمكن فهمه ولكنه غير ذا جدوى. واقل قليلا جدا
يرفضونها من حيث المبدأ باعتبارها جرائم فلسطينية ردا على جرائم
اسرائيلية. ولكن المنظور الاخير تجده فقط على شكل همسات وفي احاديث
خاصة. المناخ في مصر فيما يخص الام ومعاناة الفلسطينيين لا يدع
مجالا كبيرا لاستكشاف صحة سياسات القادة والمحاربين الفلسطينيين. أي
اراء انتقادية تتهم اوتوماتيكيا بالتجديف والخيانة.
رغم المصاعب التي ما تزال تسببها القضية الفلسطينية للنظام
المصري الانها تساعده على صرف انتباه الشعب عن شئونه الداخلية – فهي نعمة
يرسلها الرب لاي نظام يواجه مصاعب داخلية. مأساة فلسطين لها جانبها
الخير بالنسبة للانظمة العربية. انها تساعدهم على حكم رعاياهم بشكل
استبدادي وقمعي تحت اعذار الكفاح الوطني. قالها عبد الناصر ذات مرة:
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
بالنسبة لهذا النوع من المبررات فهم يريدون عدوا او خطرا يكون "دايم وليس
داهم". اسرائيل تخدم هذا الغرض جيدا مع التسليم بسلوكها
العدواني. النتيجة النهائية هي ان كل الشعوب العربية يجب ان تنصاع
للحياة دون ديموقراطية بينما الشعب الفلسطيني يخسر على جميع الاصعدة: فلا
يحصل على ديموقراطية ولا على وطن.
الاضطراب الحالي في الشرق الاوسط حول فلسطين هو ليس الا
حلقة من هذه الدائرة الشريرة. انها تنعكس على مصر بنسبة ثقلها في
المنطقة. ويظل حكام مصر بسببها يستقبلون المخاطر والمنافع.
تحوم نخبتها المثقفة بين طرح منظور للسلام واخر للحرب،
لينتهي بهم الامر الى طبقة تطرح الوصفة الاقدم لحالة اللاسلم /
واللاحرب. بالنسبة للجماهير في القاع يحبطون بشكل اكبر امام استمرار
نفس الاعذار، ليس فقط لعدم توفير الديموقراطية ولكن لعدم توفير الخبز
والزبد. تسمح النخبة لهم بدلا من ذلك اشباع رغبتهم في التعبير عن
مشاعرهم نحو فلسطين، والعراق الخ القضايا الدولية ولكن ليس أي قضايا
اخرى.
الخريف الذي اعقب فشل مباحثات كامب ديفيد الثانية والتي
انفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في اعقابها، اجبر كل الاطراف على
الرجوع الى المربع صفر.
ومع ذلك، ساءت الظروف (الوحشية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، والعمليات
الانتحارية الفلسطينية). مضى الحشد والتعبئة الجماهيرية الحكومية
والغير حكومية بالتوازي مع احداث انتفاضة الاقصى. مع احداث تدمير
برجي التجارة العالميين وتداعياتها، استشعرت مصر الرسمية جسامة الانزلاق
وفرملت تعبئتها. حتى قبل 11 سبتمبر كان هناك استبدال له مغزاها
لوزير خارجيتها، عمرو موسى، الخطيب المفوه، الذي كسب شعبية جارفة لظهوره
حاسم الوجه امام الاسرائيليين، باخر، احمد ماهر، الدبلوماسي الاكثر هدوءا .
رغم ذلك، من الاسهل القول بانك سوف تكبح جماح الحشد
والتعبئة من ان تفعل ذلك. الصلف الاسرائيلي يستمر في صب الزيت على
النار؛ جيل من النشطاء كان نائما حتى ذلك الوقت نهض قائما، وسائل الاعلام
الفضائية العربية، خصوصا الجزيرة، صنعت الكثير لتجعل من الحشد والتعبئة
عملية لا يمكن الرجوع عنها، والفصيل الاسلامي من النشطاء جعل من القضية
حربا مقدسة في تعارض مع قضية حقوق الانسان والتحرر القومي. حتى
القوميون العرب واليساريون واليمينيون الاكثر علمانية تحدثوا بالخطاب
الديني للاسلاميين. نشطاء حقوق الانسان ايضا، لم يستطيعوا التخلي عن
اوراق اعتمادهم القومية لصالح معتقداتهم الكونية في مثل هذا المناخ.
اكثر من ذلك، تعبأ المناخ بالمزيد من ردود الفعل الامريكية
على احداث 11 سبتمبر: فقد بدأ الامريكيون الحرب على افغانستان واخذوا
يقومون بنوع من الفرز داخل العالم الاسلامي عموما. التوجه الامريكي
نحو قضية العراق قد سبب حتى احتكاكات اكبر. قبل 11 سبتمبر بايام
قلائل، دعت مقالة في الاهرام
لمبادرة عربية تتجاوز الجهود العراقية السابقة طوال 11 سنة لاستباق افاق
املاءات امريكية وتفريغها. بعدها بعدة اشهر، اصبحت القضية العراقية
هي الاخرى لا تقل سخونة عن القضية الفلسطينية. الحكومة المصرية،
التي اختلفت مع الولايات المتحدة حول القصف العنيف للعراق في الحملة
الثانية (ثعلب الصحراء 1998)، هذه المرة عارضت بالكامل الخطط الامريكية
لتجديد الحرب على العراق.
بالنسبة لمصر غير الرسمية كانت الامور اكثر اثارة.
باستثناء قلة قليلة من القوميين العرب المتطرفين، وهم حتى اقلية بين
التيار القومي العربي الواسع، وقلة اخرى مرتشية عدا ونقدا، لم يكن احد
غيرهم في مصر يحب صدام، البطل المعلن للوحدة العربية. بالنسبة لغالب
المصريين، كان طاغية بغيضا لشعبه ومعتدي على جيرانه. كانت النخبة
المصرية ايضا تراه، بشكل لا شعوري، معتدي مزيف يريد احتلال مكان زعامة مصر
في العالم العربي. النشطاء المصريون، بدفاعهم عن العراق ضد العقوبات
التي فرضتها الامم المتحدة وضد العمليات العسكرية الامريكية غالبا ما
اكدوا مرارا انهم يفعلون ذلك من اجل الشعب العراقي وليس من اجل النظام
العراقي. ظهر من معظمهم انه كان يتعمد قول ذلك. ولكن ذلك لم
يحل اشكاليتهم في كونهم بحكم الامر الواقع يدافعون عن صدام الذي كان عليهم
ان يتعاملوا مع نظامه ويتعاونوا معه في بعض حملاتهم التي قاموا بها من اجل
التضامن مع الشعب العراقي.
في الاخير الجزء الخاص بصدام قد انتهى واصبحت العراق وفلسطين،
بالنسبة لبعض النشطاء العرب والمصريين، قضية واحدة.
لو استطالت القضية العراقية باكثر من ذلك، عسكريا ام لا،
بصدام او دون صدام، سوف تصبح العراق فلسطينا اخرى تستمر لما بعد تسوية
القضية الاصلية لفلسطين نفسها. وهكذا، لا يمكن ان يكون هناك سلام
بين الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، والعالم الاسلامي الذي لا يقوده احد
حيث ان اكبر بلاده، اندونيسيا، هي الان تعيش خرابا، وحيث ان اكبر لاعبيه،
ومنهم مصر، تعيش في نفس الخراب، وحيث ان كل منهم لديه متاعبه التي يعتني
بها. النظام العالمي الفوضوي المفعم بالارهابيين الاسلاميين والقوة
العسكرية الامريكية يطل بوضوح في القضية الفلسطينية والقضية العراقية.
مصر كتب عليها ان تبقى رهينة لمثل هذه الحالة الكابوسية. اكثر
من ذلك، لدى مصر مشكلة جغرافيا سياسية اخرى في مواجهتها في السودان.
محاولات امريكا فيما بعد 11 سبتمبر لتسوية الحرب الاهلية هناك يراها كثير
في العالم العربي والاسلامي اوج النية الامريكية لترتيب هذا الجزء من
العالم وفقا لمخططات السلام الامريكي. ولكن ذلك يصبح شيئا ذو طبيعة
ملموسة اكثر منه تكهنات مستقبلية بالنسبة للمصريين. من هنا ينبع قلق
المصريين حول اتفاق مشاكوس الذي ترعاه الولايات المتحدة (يوليو 2002) بين
الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان وجيشها.
اكثر من ذلك، امام مصر مشكلة جغرافيا سياسية اكثر خطورة
يجب ان تواجهها في السودان. المحاولات الامريكية ما بعد 11
سبتمبر لتسوية الحرب الاهلية هناك يراها العديد في العالم العربي
والاسلامي تجسيدا للنية الامريكية في فرض الوصاية الامريكية على هذه
المنطقة من العالم. ولكن هذا الامر ذو طبيعة مادية اكثر منها تصورات
بالنسبة للمصريين. من هنا مخاوفهم من اتفاقية مشاكوس تحت الرعاية
الامريكية (يوليو 2002) بين الحكومة السودانية وحركة/جيش التحرير الشعبي
السودانية.
الاستفتاء عن حق تقرير المصير للمواطنين في جنوب السودان بعد فترة
انتقالية تراه مصر خطرا كامنا يبرز في باحتها الخلفية. تكره مصر
الرسمية الاستفتاءات رغم ان الرؤساء المصريين يحتلون مناصبهم بواسطة جمهور
الناخبين المصريين من خلال الاستفتاءات فقط. السبب وراء ذلك هو ان
الاستفتاء السوداني المتوقع ربما ينتج عنه انقسام السودان الى دولتين
مستقلتين. تلك النتيجة يراها العديد من المصريين تهديدا خطيرا
لشريان الحياة في مصر: نهر النيل. سيل من الكتابات الصحفية حول
السودان، ونهر النيل والبحر الاحمر يعكس هذا القلق فيما بعد 11 سبتمبر
وفيما بعد مشاكوس.
ما يحمله المستقبل للمصريين في السودان سوف يكون مترتبا على
ماضيهم هناك. من ايام السودان الانجليزي المصري في القرن التاسع
عشر، وقمع ثورة المهدي في 1881، والاستقلال في 1956، والانقلابات العسكرية
المختلفة التي ايدتها الحكومة المصرية، ارتكبت الادارات المصرية اخطاءا
كبيرة في السودان. ولكن النخبة المصرية نادرا ما امتلكت الشجاعة
للاعتراف بهذه الاخطاء وتميل لانكارها او تبريرها بدلا من ذلك.
ينظر العديدون في السودان الى مصر كقوة اقليمية ما دون- امبريالية، ساعدت
على قمع نضال تحررهم الوطني لفترة طويلة ولما ارتضت مكرهة استقلالهم
استمرت في قمع ديموقراطيتهم لصالح عديد من الحكام المستبدين
العسكريين. وقد كانت هناك ايضا منازعات على الحدود حول مثلث حلايب
الصغير في التسعينات. ذلك هو الشعور الدفين بعمق والذي لم يغيره
الخطاب التجميلي عن المصير الاخوي المشترك او حتى بواسطة الدور المصري
الاكثر ايجابية الذي لعبته مصر في السودان لفائدة شعب السودان: ترقية
المؤسسات التعليمية والوساطة لانهاء الحروب الاهلية. ايضا, هذه
المشاعر لم تخففها حقيقة ان السودان نفسها كانت مصدر لمشكلة خطيرة في مصر،
خصوصا وهي تحت حكم نظام يأوي ارهابيين. على اية حال، الاخطار التي
تنتظر مصر في السودان عالية، مهما كان العائد من التسويات التي قد تتم،
بعد ان استثمرت امريكا بتواجدها المباشر في السودان وتجاوزها لمصر.
والمنتظر هو مزيد من التوتر الاقليمي، ان لم يكن حرب مياة النيل والمزيد
من لجان التضامن مع الشعب السوداني.
الفشل في السودان ليس الا مثال على خيبات مصر في
المنطقة. الامثلة الشهيرة كانت انهيار الوحدة المصرية السورية (1958
– 1961) وهزيمة 1967. ومع ذلك احرزت مصر نجاحات كبرى وصغرى
اخرى. المشهور منها، حشد وتعبئة الامة العربية بعد حرب السويس 1956
وانهاء الحكم الاوروبي فيما تبقى من البلاد العربية في شمال افريقيا
(خصوصا الجزائر) الى جنوب اليمن. حتى الخيبات الكبيرة يراها البعض
لا تخلو من جوانب ناجحة. فهم يرون في اول محاولة لتوحيد بلدين
عربيين كنجاح للشجاعة والاداء اثناء حرب 1973 كان افضل مما كان عليه اثناء
حرب 1967 ويشار اليه كنجاح للتعويض. تشمل النجاحات الاخرى استعادة
العلاقات مع البلاد العربية في ظل حكم مبارك التي كانت قد قطعت اثناء حكم
السادات بعد اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية (وتضمن ذلك عودة الجامعة
العربية الى مقرها في القاهرة. اضافة الى ذلك، نجحت مصر في تخفيف
التوتر بين سوريا وتركيا اللتين كانتا على وشك الحرب في نهاية
التسعينات. ورغم قلق مصر من التعاون العسكري بين تركيا واسرائيل،
فقد استطاعت ادارة تحسنا في العلاقات مع تركيا عموما. نفس التحسن
كان ظاهرا للعيان في علاقاتها مع ايران.
في سياستها الدولية، تشعر مصر، كما يمثلها حكامها
ومثقفيها والمهتمون، بمشكلة في صورتها امام عيون العالم.
وفي سياستها الاقليمية لديها مشكلة في الدور. كلا المشكلتان تبلغ
معها حد العقدة النفسية.
احد الكتاب المصريون من الجيل الاوسط (ناشط طلابي سابق
وحالة متميزة لاحد الاسلاميين الذي تحول الى ليبرالي) امتلك القناعة
والشجاعة ليكتب حول الدور الاقليمي المتدهور لمصر قبل 11 سبتمبر.
اثارت مقالة انور الهواري زملاءه وقرناءه اضافة الى الحرس القديم في رد فعل.
الوطنية الرومانسية
للمثقفين المصريين نادرا ما تسمح لهم بالتمييز بين ما هو كامن ومحتمل وبين
ما هو فعلي في دور بلادهم في المنطقة. انهم على مثل هذه الدرجة من
الحساسية لاي نقد لمصر، خصوصا لو جاء من غير المصريين. في الحقيقة،
هم لا ينقصهم هوس المثقفين العرب بمصر الذين يشعرون بالحاجة لرعاية الاخ
الاكبر.
اولئك المثقفون المصريون دون انكار لديهم كل حق في الرد وحتى في توبيخ كل
الكتابات المسفة لهؤلاء المرضى بكراهية المصريين؛ العرب وغير العرب على
السواء. ولكن مشكلة الاكتمال الفكري تعوزهم عندما ينفون احيانا او
يلتفون حول ما يعرفون انه صحيح، كما يعترفون بذلك في حواراتهم
الجانبية. الن يكون من الافضل، ان لم يكن لديهم القدرة سياسيا على
تحمل الاقرار بالحقائق، ان يمتنعوا عن الكلام؟ ام يجب عليهم استدعاء
اتهام اخر وهو انهم ، بالحرف، مجرد موظفون (عند الدولة) يتلقون الاوامر
فقط لتفصيل كتاباتهم بناء على طلبات المسئولين (حين يردون على توماس
فريدمان، وعلى الجزيرة وعلى أي شخص آخر)؟
تلك هي الاسئلة التي تنتظر اجابة من المثقفين
المصريين. دور بلادهم الذي انتعش في الحرب الكوكبية ضد الارهاب لا
يقدم تمويها على هذه القضايا. انهم يحتاجون لقراءة المقالة
الافتتاحية للكاتب اللبناني حازم صاغية في جريدة الحياة، والاستماع بآذان
صاغية لافكارها.
في هذه المقالة، الكاتب، المصاب بهوس حب مصر ويفسر خطأ على انه مصاب بداء
كراهية المصريين، حذر المصريين من نظرية المؤامرة التي يبنون كل نظرتهم
التاريخية للعالم عليها: العالم لا يتآمر على مصر، بل العكس انه يمنحها
معاملة تفضيلية. نفس الشئ ينطبق على الاخوة العرب، الذين يريدونها
تقوم بدور اقليمي اكثر فعالية. اذا كانت خطوات مصر تتلكأ تحت وطأة
اقتصادها الضعيف، فهي يجب ان تسأل نفسها عدة اسئلة عن نظامها الجامد
المتصلب، ومؤسساتها الهرمية العتيقة، وافتقادها للفعالية والشفافية،
وقيادتها الاقل من المتوسط وفوق كل شيء ان تتساءل عن التفكير السائد الذي
يحافظ على استمرار هذا الجمود.
الاسئلة العظمى تتطلب اجابات عظمى. بالمقابل، تتطلب
الاجابات العظمى هيئات عظمى لتكتشف هذه الاجابات وتزودنا بها.
المثقفون هم فقط جزء، مع كل اهميتهم ومكانتهم. مكونان آخران يجب ان
يرفعا صوتهما. الاول، النخبة الحاكمة يجب ان تدرك الان انها لا
تستطيع بعد الان ان تستمر في استخدام نفس النظام القديم لبيروقراطية
الدولة القائمة على اساس عسكري تدار بواجهة فاسدة وبنفس فساد الحزب
الواحد. الثاني، الشعب المصري الذي
يدرك ولكنه يأخذ وقتا حتى يتحرك بطاقته القصوى ان النظام المصري لا يستثنى
من الحكمة الخالدة: ما لا ينصلح حاله... يجب ان ينتهي!
من ناحية التصنيف: مصر ليست دولة ديموقراطية. تقريبا
مصر حكم استبدادي متعدد الاحزاب. من ناحية مقارنة، نظامها السلطوي
اقل قمعية من انظمة بعض الدول العربية الاخرى (العراق، سوريا، ليبيا، تونس
الخ).
ولكنه استبداد في نظر المصريون، المحرومين من حق الاختيار الحر لحكم رئيس
اخر او حزب اخر. اختيار السلطة الاعلى او تغييرها خارج أي
مناقشة. ما دون هذا المستوى، هناك بعض مظاهر التعدد السياسي واحتمال
المعارضة الجزئية.
التعددية في مصر، والتي بدأت عام 1967 مع الرئيس السادات،
هي تفاصيل في اطار اوسع من النزعة السلطوية، التي بدأت عام 1952 مع الرئيس
عبد الناصر. "الاب"، وعمره نصف قرن، يرعى ويسيطر على "ابن" مراوغ
ولكنه مع ذلك مطيع، عمره ربع قرن. عند الاحتفال "بعيد ميلاد الابن"،
الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بالاهرام، كان المشاركون
الاكاديميون والسياسيون خاشعين وحزانى بسبب اعتلال صحة "الابن".
بمناسبة الذكرى الخمسين لميلاد "الأب"، ثورة 23 يوليو 1952، اقيمت
احتفالات كبيرة تحت الرعاية الرسمية للدولة في كل انحاء البلاد، خصوصا في
وسائل الاعلام. اخذ النظام القائم يعيد تأكيد الاساس الابوي
لشرعيته، والسلطة والزعامة. لم يكن هناك الا قليل من الذكر لمرض
الاب العضال في 1967 (هزيمة حرب الستة ايام) ولكن الكثير والكثير عن
العملية الجراحية الناجحة في 1973 (حرب اكتوبر). الحرب الاخيرة قدمت
على انها اساس مجدد لكل الشرعية، والسلطة والزعامة. مبارك
اصبح التعبير المثالي عن ذلك حيث انه لم يكن من المشاركين في 1952 ولكنه
كان مشاركا من القمة في 1973
(يسمى في وسائل الاعلام بطل الضربة الاولى – بمعنى الضربة الجوية التي كان
وقتذاك قائدا للقوات الجوية المصرية). لم تستطع اشكال الاحتفالات
اخفاء حقيقة ان الاب لا يعتبر اب لكل الامة من قبل الاسلاميين،
والليبراليين والاخرين في مصر ممن عانوا من قمع الاب.
في رأيهم الاب ينتمي فقط الى طلاب السلطة، واليساريين (خصوصا الناصريين)
والقوميين العرب الذين باسمهم ما زالت تحكم البلاد. ما تزال وصفة
الاب لنظام الحكم تتبع: نفس الاستبداد، ولكن مع شوائب اضافية من
الليبرالية المحدودة؛ لتناسب العصر.
بين 1952 و1967 حكمت المؤسسة العسكرية (وجهاز الاستخبارات
في قلبها) مصر بالمعنى الحرفي الضيق.
وبعد ذلك وحتى الان، استمرت المؤسسة العسكرية في الحكم، ولكن بالمعنى
العريض.
بغض النظر عن الامتيازات التي تعطى لرجال الجيش اثناء الخدمة والمناصب
التي يشغلها كبارهم في الحياة المدنية (خصوصا محافظي المحافظات) عند
تقاعدهم، يبقى احد الاليات هو امتيازهم الاعلى: انهم يحتفظون بمنصب رئيس
الجمهورية لرجل عسكري. وحتى ينفذ ذلك، يجب ان يكون هناك مرشحا واحدا
ينتخبه الناخبون. ولضمان هذا الترشيح الاحادي يجب ضمان ثلثي
الاغلبية الدستورية لاعضاء مجلس الشعب (البرلمان) التي ترشح شخص رئيس
الجمهورية. وحتى يتم ذلك، يجب ان يمتلك حزب حاكم وحيد هذه
الاغلبية. نتائج انتخابات البرلمان يجب ان تضمن الحصول على هذه
الاغلبية، حتى لو تطلب الامر تزويرها. هذا هو القانون الغير معلن
للعبة النظام السياسي في مصر. الباقي تفاصيل متنوعة الاهمية تدور
حول هذه القضية العسكرية/الرئاسية.
ينبع الجمود والتصلب في النظام السياسي من هذه النقطة
المحورية في بنيانه. انه لا يسمح بانتعاش نخبة مدنية تطالب بحقها في
حكم البلاد، ولا يسمح بعقد انتخابات نزيهة تكون قاعدة واساس لاختيار حكام
البلاد؛ وبالنتيجة لا يسمح النظام السياسي بالمشاركة الجماهيرية في
ديناميكيات النظام حيث المطلوب من المواطنين فقط هو تأكيد ما يقرره
الاخرون لمصالحهم. ولا يصبح مدهشا ان يقدم هيكل السلطة الاحادي هذا
على القليل جدا من التغييرات المؤسسية طوال النصف قرن الماضي. هذا
الاحتكار يتضمن الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديموقراطي الذي تأسس عام
1978)، وهو حزب الرئيس، وحزب الدولة، وحزب الحكم الدائم. هذا النظام
هو امتداد لنظام الحزب الواحد (الخاضع للعسكريين) عند عبد الناصر والفترة
المبكرة من حكم السادات (هيئة التحرير 1954، والاتحاد القومي 1958،
والاتحاد الاشتراكي العربي 1961 وحزب مصر العربي الاشتراكي 1976).
ولكن عند مستوى ذاتي معين فالامر المدهش ان تدوير الشخص/المنصب داخل
النخبة الحاكمة هو ايضا يتم في نطاق ضيق جدا وبطء شديد. ثلاثة من
الاربعة الكبار (اثنان منهم بخلفية عسكرية) من عائلة الحكم في مصر، تحت
الرئيس وتحت عائلته الشخصية، هم سياسيون طاعنون في السن احتفظوا بمناصبهم
لربع قرن. احد هؤلاء الثلاثة، صفوت الشريف (نائب رئيس الوزراء ووزير
الاعلام الذي يتحكم في وسائل الاعلام)، هو الرجل الثاني في صف القيادة
للحزب الوطني الديموقراطي بعد الرئيس مبارك نفسه. صفوت الشريف،
كسكرتير عام للحزب الوطني الديموقراطي، والذي خدم كضابط في الاستخبارات
العسكرية في مطلع شبابه، يجسد ويصبح رمزا لكامل قصة النظام الحاكم الحالي
في مصر. اذا كان من الممكن اضافة شخصية خامس لهؤلاء الرجال الاربع،
فلن يكون شخصا اخر سوى جمال مبارك، الابن الاصغر للرئيس. ليس فقط
الاحتكار الموضوعي للسلطة هو البلاء الذي نزل بالمصريين، ولكنه ايضا
الجمود والتصلب الذاتي لهذا الاحتكار.
الاداء السياسي في مصر في الاعوام القليلة الماضية يدلل على
نظام تمضي خطواته في فوضى وارتباك رغم اقتصاده الضعيف وانهيار الحياة
المدنية فيه (العنف والفساد والطائفية التي تحدثنا عنها اعلاه).
الادوات الاجتماعية الاقتصادية الرئيسية التي يستخدمها من اجل البقاء هي
بالاساس اجتذاب موارد اقتصادية في حدودها الدنيا (الموارد الاقتصادية
الخارجية التي ذكرناهم اعلاه) ومحاولة تمرير احساس مؤقت بالامان في الطبقة
الوسطى. ولكن الادوات السياسية التي يستخدمها النظام من اجل البقاء
ذات مغزى اوسع. انها تشمل الثمن الذي يجب ان يدفعه بلد من اجل هيمنة
واستمرار نظام حكم.
عندما مات الرئيس ناصر في سبتمبر 1970، تبوأ السادات، نائب
رئيس الجمهورية، السلطة بسهولة نسبية. ولكن كان عليه شق طريقه
بالقوة فيما بعد ضد الناصريين الذين ارادوا الاستمرار في الحكم من خلف ظهره. وقد اطاح
السادات بهم في مايو 1971 وتكلم عن انهاء دولة المخابرات (او الدولة
البوليسية) واشاعة الديموقراطية في النظام. مع الديموقراطية
الهلامية الجديدة، كتب للصحافة عدد كبير من ضحايا القمع في سجون عبد
الناصر، ونشروا الكتب
عما حدث لهم في معتقلاته وسجونه، ورفعوا قضايا امام المحاكم من اجل اعادة
الاعتبار والتعويض.
عند وفاة الرئيس السادات نفسه تلقى وهو في العالم الاخر
انتقادات حادة من خصومه، خصوصا من هؤلاء الذين زج بهم في السجن جماعة
بضربته في سبتمبر 1981، في الايام القليلة التي سبقت اغتياله. ولكن
رغم ان ذلك يشار اليه باسم مذبحة سبتمبر، فقد جاءت الانتقادات العنيفة ضد
السادات سياسية الطابع بشكل كبير. لم تكن هناك قضايا ملموسة ضد
تعذيب منهجي اثناء حكم السادات طوال 11عاما قضاها في الحكم. ربما
كان السادات وغدا في نظر العديد من خصومه، ولكنه لم يكن جزارا.
استخدم التعذيب مباشرة عقب موته للكشف عمن قاموا بعملية الاغتيال.
ومذاك، اصبح التعذيب علامة مسجلة على نظام مبارك.
عندما يموت الرئيس مبارك سوف تكون هناك قضايا عديدة جدا للتعويض (خصوصا من
قبل الاسلاميين) لدرجة ان فترة عبد الناصر سوف تبدو امامها قطرة في
محيط. هذا اذا لم ترتب فترة ما بعد مبارك نفسها بطريقة تحتفظ
بالملفات فيها مغلقة.
كلا من ناصر والسادات حكما مصر بقانون الطوارئ لسنوات
عديدة. ولكن حدث انهما رتبا الامور بحيث يرفع قانون الطوارئ لعدة
سنوات قلائل وحكما دون قوانين استثنائية. مبارك، الان وقد مرت 22 سنة وهو
في الحكم، لم يكن قادرا ابدا في اي وقت من الاوقات على ان يدير حكمه يوما
واحدا دون قانون الطوارئ.
مبارك سوف يسجل حكمه في كتب التاريخ المصري كواحد من فترات حكم الطوارئ
والقوانين الاستثنائية. مبرراته الاعتذارية بانه رغم ذلك احتفظ
بدرجة من الاستقرار (والتي وصفناها اعلاه كاحتكار وتصلب)، وبدرجة من
الديموقراطية (وصفناها اعلاه بحكم الفرد
متعدد الاحزاب)، والاكثر اهمية، انه قد انقذ مصر من
الارهاب واستيلاء الاسلاميين على الحكم. قد يكونوا على حق.
ولكنهم في حاجة لاعادة حسابات ثمن انقاذ نظام على حساب بلد.
في حملته على الارهابيين، على وجه الخصوص، والتهديد
الاسلامي، بشكل عام، طبق نظام مبارك سياسة القمع الجماعي (حملات مسلحة
للقبض على الناشطين، وتعذيبهم في السجون، وانشاء المحاكم العسكرية
لمحاكمتهم)
والناتج هو جهاز دولة يبطش بالمواطن العادي وليس فقط المتمرد الخارج
عليه. صارت وحشية البوليس ممارسة روتينية تتفوق على ممارسات جيش
احتلال اجنبي. لتطهير النقابات المهنية من الاسلاميين، الذين سيطروا
على مجالس اداراتها، كانت الصيغة هي التخلص من الطفل بخرطوم مياة
الغسيل. النقابات المهنية، وهي منصة التحكيم لنشاط الطبقة الوسطى،
انتهت جثة هامدة والبعض الاخر منها تم ترتيب ادارته كيفما اتفق بواسطة
قضاة وليس مجلس ادارة منتخب.
وحتى يتخلص النظام من الاسلاميين في الطيف السياسي الاوسع اغلق النظام
بشكل فعال حزب العمل وجريدته لسان حاله الشعب، وهو اطار عمل معتدل اخر
لامتصاص النشاط الاسلامي. لقد فعل ذلك عبر تحريض الحزب ضد رواية
اتهمت بالكفر في منتصف عام 2000.
اخيرا غير
النظام تكتيكه ازاء الاخوان المسلمين وضربهم بقوة، بسجن بعض قياداتهم والتحرش
بصفوفهم القاعدية عبر البلاد.
شكل الاخوان المسلمون قلب المعارضة في برلمان 1987، وهو احسن برلمانات
حسني مبارك لحد بعيد، رغم انه واحد من ثلاثة برلمانات في عهده صدر ضدهم
حكم بعدم الدستورية من قبل المحكمة الدستورية.
النظام الذي يحكم بثلاثة برلمانات غير دستورية لم يترك
مؤسسة سياسية او مهنية سليمة. كان قمعه كله باسم مكافحة الارهاب
والقضاء على الاسلاميين. كما ان وسائل الاعلام لم يوفروها
ايضا. في 1995/1996 صدر على عجل تشريع جديد يقيد من حرية
الصحافة جعل وضع الصحفيين في السجن اكثر سهولة. خرج المشروع في وجه
مقاومة شرسة من الصحفيين، بمن فيهم الصحفيون الموالون للحكومة. تعرض
للقيود الادارية ايضا الموقع الاخير الباقي من النشاط الاجتماعي الغير
سياسي الاطار، المنظمات الغير حكومية والمجتمع المدني عموما، في تشريع صدر
عام 1999 (حكم عليه ايضا بعدم الدستورية) وفي عام 2002. تلك القيود
مثلت رد فعل على النشاط الاسلامي في هذا المجال. اضافة الى ذلك، فقد
حاربوا نشاط منظمات حقوق الانسان الاكثر علمانية التي فضحت انتهاكات
النظام على المستوى الدولي. القبض على سعد الدين ابراهيم ومحاكمته،
مهما كانت الاسباب المعلنة او الحقيقية، اشتملت على رسالة ارهاب وتخويف
للنشطاء القيادين في المجتمع المدني، الذين لا يمتلكون شهرة ولا يتمتعون
بحماية دولية مثل سعد الدين ابراهيم.
ولكن، هل فعلا حمى نظام مبارك مصر من الاسلاميين؟ من الارهابيين... نعم بشكل كبير،
رغم الخلايا السرية التي تكتشف من حين الى اخر.
من الاسلاميين عموما... لا. فلديهم جمهورا فريدا في المجتمع
ولا يستطيع احد انهاءهم (من الافضل محاولة اصلاحهم اي عقلنتهم من خلال
استيعابهم في ديموقراطية اوسع).
كبت النظام البهجة المبكرة في البلاد عند اجراء انتخابات يشرف عليها لاول
مرة القضاة عام 2000. رغم ظهور تلك الانتخابات في المرحلة الاولى
اكثر نظافة من أي انتخابات اخرى، عاد
النظام في المرحلة الثانية والثالثة الى عاداته القديمة وتدخل في
الانتخابات وقام بالتزييف. جرى ذلك بالضبط لايقاف مرشحي الاخوان
المسلمين من الوصول الى البرلمان. ومع ذلك، فقد وصلوا، وشكلوا اكبر
مجموعة معارضة في البرلمان السابق ، اكبر من كل الاحزاب المعارضة
المستضعفة من اليسار ومن اليمين معا.
في الجولتين الاخيرتين للانتخابات، طبق النظام تكتيكه الانتخابي ضد
المرشحين الاخوان المسلمين (امرأة في الاسكندرية في انتخابات 2000
ومتحدثهم البرلماني السابق في الدلتا في اوائل 2003)
باستخدام قوى الضغط والترويع لايقاف الاخوان المسلين.
هذا يبرر بشدة فرضية بان ما نراه في مصر مبارك هو: اكثر من رد فعل على
الاسلاميين. انه نزع الليبرالية السياسي عن مصر التسعينات.
بنزع الليبرالية من النظام
السياسي تحت رايات مكافحة التطرف الاسلامي/والارهاب
دبر نظام مبارك ضمان رضا النخبة العلمانية بشكل واسع وقبولها بنظامه، تلك
النخبة التي تخشى من افاق دولة اسلامية تنكر عليهم هذه الدولة حرياتهم
الشخصية وطريقة حياتهم العصرية. وما هو اكثر اثارة للدهشة هو هذا
الاتجاه العلماني للنخبة داخل المعارضة، والذي يشارك جمهوره
مخاوفهم. انها تعيش بمشاعر منافسة خاصة مع الاسلاميين. اصوات
علمانية قليلة وقفت بحسم ضد القمع غير الليبرالي سعيد النجار او اليساري
نبيل الهلالي او بعض منظمات حقوق الانسان. تركت احزاب المعارضة
للحكومة مهمة فرز الاسلاميين. في تلك العملية، تقهقروا بمكانتهم في
النظام السياسي وفقدوا مصداقيتهم امام جمهورهم المفترض. العديد من
المواطنين في مصر لا يفكرون في، ولا يلاحظون اي معارضة اخرى سوى معارضة
الاسلاميين.
هذه الحالة الفكرية زادت من ضعف احزاب المعارضة وتركت الساحة خالية
لاحتكار مستفحل للحزب الحاكم. النظام لا يستشعر اي ضغوط تدفعه
للاصلاح واشاعة الديموقراطية. النخبة المعارضة التي عينت نفسها صاغت
اجماعا احتفظ موضوعيا بحرية النخبة الحاكمة في القيام بعملها بنفس الطريقة
القديمة. عناصر المعارضة تلك رغم نداءاتهم المتكررة من اجل الاصلاح
ظلت تمثل صوتا فقط ولكنها لم تمثل ضغطا يمكن ان يعطى له اعتبار. في
النهاية دبر النظام حتى تعيين بعض من اكثر الاصوات انتقادا في ادوار اخرى.
كان العامل الاسلامي حاسما في حدوث كل ما جاء باعلاه.
حافظ على استمرار الوضع الراهن، والاصلاح الممزق الاوصال، والقمع المبرر
للاسلاميين والاخرين بجانب التسبب في مزيد من الانتكاس للديموقراطية
المحدودة حتى الان. في الحالة الحالية هذا العامل كان من الممكن
اتساع تأثيره بشكل اشمل. في داخل وخارج الحدود القومية لمصر توجد
نزعة ضخمة معادية للامريكيين داخل صفوف الاسلاميين. حتى العلمانيون
المناهضون لامريكا في العالم الاسلامي يتبعون خطا شبه اسلامي عندما يأتون
لقضايا مثل فلسطين والعراق. ليس من المرجح ان يختفي هذا العامل
الاسلامي.
حتى ولو نجحت الولايات المتحدة في تسوية مثل هذه القضايا، ربما يتحوصل هذا
التيار. وهنا يظل السؤال بلا اجابة، ما الذي سوف تفعله امريكا مع
هؤلاء الاسلاميين، غير اصطياد بن لادن وشبكته؟ اذا ما ظهرت اجابة،
هناك اسلاميون اخرون في الخارج. حتى تواجه امريكا التيار الاسلامي
او تعين له دورا اخر؛ يجب ان تفعل ذلك بواسطة وكلاء لها، اي من خلال انظمة
الحكم في العالم الاسلامي. هل سوف تدعم امريكا عملية التحويل
الديموقراطي لتلك الانظمة مع المخاطرة بمشاركة الاسلاميين (المناهضين
للامريكان) في السلطة (نموذج مشرف في باكستان)؟ او هل سوف تدفع الولايات
المتحدة الانظمة الحاكمة نحو مزيد من القمع والانتكاس من اجل متطلبات
الحرب على الارهاب؟
على اية حال،
عندما نتكلم عن محتوى الانظمة وشكلها مثل ذلك النظام في مصر وافاق تحوله
الديموقراطي، يجب ان يكون كلامنا بشكل اولي عن وجود عاملا امريكيا في
المعادلة، ايضا.
خلال فترة قصيرة بعد كارثة 11 سبتمبر، كان الهم الامريكي
اشبه بمن يبحث بشكل احادي النظرة عن الارهابيين وفقط لدرجة تدفع لاعادة
انتاج هذه المأساة مرات اخرى. من هنا تقاطعت الجهود المتضاربة لهذين
العاملين: الامريكان والاسلاميون - نموذج مؤثر للديالكتيك الهيجلي!
يحتاج الرأي الامريكي الاحادي النظرة لان يتحدث حتى يصبح
رؤية بعينين، حتى تستطيع الولايات المتحدة ان ترى شيئا اخر له اهميته:
الحركة المناهضة للعولمة التي ليست هي بحركة اسلامية. في الواقع،
كانت مشاركة الاسلاميين فيها ضعيفة بالكاد، ان لم تكن لهم فيها مشاركة على
الاطلاق. رغم ذلك، عند نقطة معينة قد يشارك الاسلاميون بها.
ولسوف يتصادف ذلك مع عودة ظهور الحركات الاجتماعية لمخاطبة مشاكل الفقر،
وحقوق العمال، والعدالة الاجتماعية الخ.
سوف يحاول الاسلاميون تولي القيادة في تلك الحركات. وهكذا، سوف
تتواجد الارض الموضوعية لتحالف اعرض مناهض للامريكان/ومناهض للعولمة على
كل من المستويات القومية والدولية.
سوف تود الانظمة القومية في البلاد الاسلامية وما وراءها ان ترى
اعادة شق قنوات السخط في تلك القاطرة العظيمة المكتشفة حديثا. فهي
سوف تغطي فشلها في ادارة شئون الداخل والاقتصاد بالقاء اللوم في كل شيء
على العولمة. ولسوف يكونون الان ديموقراطيين ايضا لدرجة انهم سوف
يسمحون للاصوات المناهضة للعولمة بان تعبر عن نفسها بحرية بينما يخرسون
باقي الاصوات في القضايا الاخرى.
وهكذا سوف تبقى الانظمة القمعية على قيد الحياة، وتقتات على
الديموقراطية وتسحقها. يتعجب المرء كيف يستطيع الامريكيون كسر مثل
هذه السلسة باي ادوات هم يمتلكونها من اجل فرض ارادتهم وطريقتهم على باقي
الكوكب. النظام المصري، كمشارك في الحرب على الارهاب، لا يواجه الا
قليلا مخاطر في هذا السياق بينما يستفيد منه اعظم استفادة. سوف يكون
الاصلاح الذي يقوم به ضئيلا.. وجموده إن لم يكن انتكاسا بالمزيد، سوف يكون
عظيما.
تمتعت مصر بحمل استمر حرفيا تسعة اشهر من المقدمات
للديموقراطية استمر من ابريل 1976 حتى ينايز 1977. اي، بين العودة
الرسمية لنظام متعدد الاحزاب واحداث الشغب من اجل الطعام في 18/19 يناير 1977. منذ ذلك الحين واخذ المنحنى في
الهبوط. وقد اتخذ خطا هابطا بحدة طوال عقد التسعينات كاملا.
طوال هذا المسار، تلقى المصريون ثلاث ضربات سيكولوجية قاتلة جعلت من
الديموقراطية بابا اضافيا في ابواب قاموس النكت المصرية الواسع:
عندما اخبرهم نظام السادات ان النظام المتعدد الاحزاب لا
يعني تداول الحكومة بين الاحزاب المختلفة، حيث سيكون، كما في السابق، هناك
حزبا واحدا بشكل دائم هو الحزب الحاكم.
عندما نقل لهم مبارك رسالة ان المصالحة المبكرة مع المعارضة
كانت لحظية ومؤقتة حتى يستفيق النظام من صدمة اغتيال الرئيس
السادات. مبارك قال انه سوف يكون رئيسا لفترة رئاسية واحدة فقط (?
سنوات). ولكنه ما زال هنا بعد ?? سنة.
عندما نقل مبارك، مرة اخرى، رسالته الثانية بان الاشراف
القضائي على الانتخابات عام 2000 لا يعني جوهريا نتائج انتخابية مختلفة او
تغيير الحزب الحاكم او تغيير اي قواعد من قواعد اللعبة القديمة.
كانت الاستجابة على تلك الرسائل الواضحة، هي قرار الشعب
المصري مغادرة السياسة وتركها للسياسيين والذهاب الى بيوتهم. انكمشت
المشاركة (مثلا، فقط 10% من الاصوات الانتخابية في القاهرة والاسكندرية هي
التي تهتم بتحمل مشقة الذهاب للتصويت في الانتخابات). الوجود في
الحكم او في المعارضة اصبح امتيازا يمنح لنخبة ضيقة. ضيقت النخبة الحاكمة المساحة اكثر
امام النخبة المعارضة. المعارضة الراديكالية، مثل اليساريين في
السبعينات والاسلاميين في الفترة بين اواخر السبعينات والان، تعرضوا
لمعاناة القمع الصريح. المعارضة المرتعدة اكثر واجهت نسقا عملياتيا
اخر: قل واكتب ما تريد... ولكننا سوف نستمر في فعل ما نريد ان
نفعله. عبر عقدين من الزمان من الركود والانتكاس المنهجي، فقدت
النخبة المعارضة الامل. انه اليأس وقلة الحيلة ومشاعر اللاجدوى التي
اسست الآليات الاساسية لحكم مبارك: سيكولوجيا اكثر منها ايديولوجيا.
انقلبت النخبة اليائسة على نفسها. ذهب صوت انتقاداتها
وحججها للدفاع عن الاصلاح ادراج الرياح، وتركت لاعادة انتاج نفسها.
بعض المفكرين والسياسيين يكتبون المقالات والتقارير التي كانت هي هي نفسها
التي كتبت منذ عشرين سنة.
لم يتغير شيء سوى مرور الزمن وشيخوختهم، وبالاخص شيخوخة الروح. هذا
الاستنساخ والنسخ الكربونية لم يستخرج شيئا اصيلا من النخبة
المعتلة. حدث فقط تغييرا في الشكل. عناصر النخبة المعارضة في
مصر، بدلا من الوقوف موحدين من اجل تغيير اطار عملهم نفسه بنظرته الاحادية وقواعده العتيقة، سقطوا في خلافات
مع بعضهم البعض وانخرطوا في تناحر اخوي قاتل. واخذوا يصيحون في وجه
بعضهم البعض في تلك المساحة الضيقة التي سمح لهم بالعمل فيها.
وكانت تلك نعمة ارسلتها السماء لاسعاد النخبة الحاكمة التي لم تشعر الا
بالقليل من الضغوط المنظمة التي تدفعها في طريق الاصلاح.
في مثل هذا السياق ساعدت بعض تدابير تصحيحية متواضعة النظام
من اجل البقاء. فقد خلع النظام وزير داخلية ضبطته صحافة المعارضة
متلبسا باستخدام لغة نابية في الحوار. كما ارسل نظام الحكم الى ببعض
ضباط البوليس المحكمة لاتهامهم باستخدام التعذيب. وارسل ايضا ببعض
الموظفين الكبار الى المحاكم بتهمة الفساد. بل قام النظام باجراء
انتخابات جديدة تحت طلب المعارضة، او بسبب طارئ سياسي كما صرح مبارك بذلك
في وقته (بعد مؤتمر المعارضة الواسع الاخير الذي اقيم في الخامس من فبراير
1987). نعم لكل ذلك. ولكن ما ليس بنعم، هكذا يخبرنا النظام:
-
تغيير الدستور.
-
انتخاب رئيس
الجمهورية في انتخابات متعددة المرشحين (بدلا من الاستفتاء على مرشح واحد).
-
تداول السلطة
بين الاحزاب السياسية، او على الاقل مشاركتهم في حكومات ائتلافية.
-
تقنين وضع
الاخوان المسلمين والمنظمات الاسلامية الاخرى التي لا تستخدم العنف (على
الاقل بشكل يضع اعتبارا للمصلحة العملية لوقف الاستقطاب المستمر بينهم
وبين الدولة).
-
ضمان الحياد
والادارة الذاتية لوسائل الاعلام.
-
السماح
بالادارة القضائية الكاملة لعملية الانتخابات (وليس اشرافا جزئيا مثل الذي
حدث في انتخابات 2000).
-
اعادة بناء نخبة السلطة،
بالاحتفاظ بالجيش في ثكناته والسماح لنخبة مدنية بان تتعلم الحكم (بما
فيها انتخاب
المحافظين في
المحافظات الذين يأتي معظمهم بالتعيين من رجال الجيش).
بالنسبة للنظام المسئول في مصر تلك هي الاعمدة السبعة للجنون.
انها ليست فقط تدابير تصحيح ولكنها عملية كاملة من اعادة البناء واعادة
التشكيل. انها تدابير تنفذ من السقوف ولو تم تطبيقها فهي تعرض
النظام نفسه للخطر. فعلا، تلك هي القضية. انها طريقة للمطالبة
بنظام اخر في مصر. ولكن تلك قضية تعتمد على الضغوط الداخلية
والخارجية.
طالما ترك الموضوع للنخبة الحاكمة نفسها لتقرر مدى التغيير، سوف يظل
التغيير داخل حدود