هل هي اعادة ادارة حرب لبنان في فلسطين؟

حسن ابو نعيمة وعلي ابو نعيمة؛ الانتفاضة الالكترونية

٣ اكتوبر ٢٠٠٦.

هناك علامات ضخمة على ان الخطة التي دبرت منذ امد طويل للاطاحة بحكومة السلطة الوطنية المنتخبة ديموقراطيا والتي تقودها حماس على وشك الدخول الى مرحلتها الاكثر خطورة: انقلاب سياسي، تدعمه الميليشيات، بمساندة اقليمية واجنبية.  وقد يشعل ذلك اعمال عنف خطيرة ما بين الفلسطينيين.  وقد منحتنا العراق تحذيرات رهيبة عن الكيفية التي يصوغ بها احتلالا اجنبيا مذابح دموية اهلية، يجب القيام بكل شيء لفضح واحباط هذه المؤامرة الخطرة.

قائد استخبارات السلطة الفلسطينية، وقائد ميليشيا فتح، توفيق الطيراوي، قال في مقابلة مع الصنداي تايمز في 8 اكتوبر، "نحن الان توا في بداية حرب اهلية، لا ريب في ذلك.  هم (حماس) يجمعون السلاح ويمكن ان تنشب حرب اهلية في اي لحظة".  نقلت الصحيفة عن مصادر فلسطينية تقول ان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد نقل الى علم الولايات المتحدة والاردن ومصر انه يستعد لاتخاذ اجراء ضد حماس".  الطيراوي، مؤكدا ان حماس "تستعد للحرب ضدنا"، يتنبآ بأن "العنف سوف يبدأ من غزة وينتشر الى الضفة الغربية".  قادة حماس، بمن فيهم اسماعيل هنية رئيس الوزراء، قد صرحوا بتطمينات حازمة انهم لن يسمحوا ابدا بحرب اهلية، حتى في الاثناء التي تصرح فيها الميليشيات التي تنتمي لفتح مؤخرا بتهديدات لاغتيال قادة حماس.

دعنا نتذكر انه في انتخابات المجلس التشريعي يناير الماضي انتصرت حركة المقاومة الاسلامية حماس انتصارا مذهلا وهزمت فتح، الفصيل القومي اسميا والعلماني الذي اسسه ياسر عرفات والذي تسيد الحركة الفلسطينية المؤسسية منذ الستينات.  فتح، التي يقودها الان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، مرفوضة بشكل واسع بسبب فسادها وسوء ادارتها للسلطة الفلسطينية التي قامت نتيجة لاتفاقات اوسلو عام 1994.

بعد اسبوع من مقتل اكثر من عشرة فلسطينيين في القتال بين اتباع فتح وحماس، يمكن النظر لتصريحات الطيراوي على انها تمهد الارض لمواجهات شاملة ومدبرة مسبقا.  مصدرا امنيا فتحاويا كبيرا، من المحتمل انه الطيراوي، كان قد اخبر توا مراسل نفس الصحيفة صنداي تايمز في مايو الماضي، "الحرب الاهلية لا مفر منها" وأن "العد التنازلي لحماس قد بدأ".  هذا المصدر حذر من اننا "سوف نختار الوقت والمكان المناسبين للختام العسكري.  ولكن بعد كل ذلك لن تقوم قائمة لميليشيات حماس".

هل هذا التوقيت يقترب؟  رعاة عباس الخارجيين يشجعونه لافتراس حماس.  تحذيرات الطيراوي اعقبت زيارة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية للمنطقة والتي تضمنت احتضان عباس بشكل علني ودافئ.  في الخامس من اكتوبر، نشرت رويترز تقريرا بأن الميليشيات الموالية لعباس تتلقى السلاح والتدريب من الولايات المتحدة.  قال التقرير، "توسيع حجم الحرس الرئاسي"، ميليشيا عباس الشخصية، "بنسبة تصل الى 70٪ طبقا لخطة امريكية، قد اصبح جزءآ محوريا من سياسة امريكية منذ هزيمة حماس لفتح تحت رئاسة عباس في الانتخابات وتشكيلها للحكومة".  هذا التشجيع الواضح للجوء الى الطلقات عندما فشلت البطاقات في الخروج بالنتائج المرغوبة هو تناقض مباشر مع ابسط مبادئ الديموقراطية، بعيدا عن اللااخلاقية الصرف لهذا المسلك.  ويبدو هذا سيئا بشكل كاف، ولكنه يبدو مثل اعادة لاستراتيجية لبنان حينما اعتقدت القوى الغربية عيانا بيانا ان اسرائيل، كدولة عميلة محليا، يمكن استخدامها لتوجيه ضربة قاتلة لحزب الله.  النتائج البشرية والسياسية لتلك المغامرة، التدمير المنهجي في الصيف الماضي الذي قامت به اسرائيل ضد لبنان، يتكلم عن نفسه.  هذه المرة، سوف يقوم عباس وقواته بملء هذا الدور كعميل محلي للولايات المتحدة، وسوف تتخذ حماس هيئة حزب الله.

الناتج الوحيد لمثل هذه المواجهات لن يكون سوى حفلة مهووسة للعنف الدموي.  وتقريبا من المؤكد، سوف يقوى الدعم الذي تملكه حماس، ولكن الفلسطينيين سوف يكونوا هم فقط الخاسرين.

هناك اسباب وجيهة تجعلنا نخشى ان اللحظة قد حانت لتتحول تلك المؤامرة الى الاستخدام الصريح للقوات المسلحة، حيث ان الحملة للاطاحة بحماس قد تصاعدت عبر مراحل.  فبعد انتخابات يناير بعدة اسابيع، نشرت النيويورك تايمز تقريرا بأن المسئولين في الولايات المتحدة واسرائيل توافقوا على "اعلى مستوى" لتدبير اسقاط حماس "بتجويع" السلطة الفلسطينية.  بدأ ذلك بقطع معونة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، تحت دعوى في الظاهر لاجبار حماس على "الاعتراف باسرائيل" و"التخلي عن العنف".  (عند انتخاب حماس كانت منظمة حماس قد اعلنت توا من جانب واحد تعليق الهجمات على اسرائيل، واعلن قادتها استعدادهم القوي للوصول الى تسوية طويلة المدى).  صعدت اسرائيل هجماتها العسكرية على غزة، وقتلت وروعت الاف المدنيين، ودمرت البنية التحتية المدنية بما فيها محطة توليد الكهرباء الوحيدة.  يواجه معظم الفلسطينيين الان مصاعب لاطعام عائلاتهم.  اختطفت اسرائيل ثمانية من وزراء الحكومة الحمساوية وربع عدد الاعضاء المنتخبون للمجلس التشريعي، بينما قادة فتح يحرضون بشكل مستمر ضد حماس، ويشمل ذلك تنظيم الاضرابات والاحتجاجات بواسطة الموالين لفتح في اجهزة الخدمة المدنية للسلطة الفلسطينية الذين لم يتسلموا رواتبهم بسبب الحصار الدولي نفسه الذي يغمض قادة فتح اعينهم عنه او حتى يشجعونه خفية.

الجهود التي بذلت لعبور الازمة السياسية بتشكيل "حكومة وحدة وطنية" هي ايضا قد فشلت لأن الخاسرين في الانتخابات من فتح، والمدعومين من  القوى الاجنبية، يطالبون حماس، الفائزين بالانتخابات، ان يتخلوا عن سياساتهم ومبادئهم وان يتبنوا سياسات الطرف المهزوم.  ولكن ذلك لم يكن مجديا.  الفلسطينيون تحت الاحتلال، رغم العقوبات، غير مستعدون بالمرة كما كانوا دائما للاذعان امام الطغيان الاسرائيلي: ٦٧٪ "لا يعتقدون ان حماس يجب ان تعترف باسرائيل من اجل تلبية مطالب المانحين الدوليين" حتى رغم ان "٦٣٪ قد يؤيدون اعترافا فلسطينيا باسرائيل كدولة للشعب اليهودي بعد ابرام اتفاقية سلام وتأسيس دولة فلسطينية"، هذا ما اكتشفه استطلاعا للرأي  اجراه المركز الفلسطيني لابحاث الاستطلاعات في سبتمبر.

وبينما تتصاعد الحوادث والتحريض من اتباع كلا الفصيلين، يبحث عباس اتخاذ وسائل تعسفية اخرى قد تصل الى انقلاب: طرد وزارة حماس، تشكيل حكومة "طوارئ"، حل المجلس التشريعي الذي تسيطر عليه حماس لافساح الطريق لانتخابات عامة جديدة يمكن تأجيلها لاجل غير مسمى او على الاقل حتى يصبح ترتيب نصر انتخابي لفتح امرا مضمونا.

الخطر الذي يواجه الفلسطينيين خطر ماحق.  ولكن دعنا نكون واضحين: انه ليس خطر الحرب الاهلية.  من بين ملايين الفلسطينيين العاديين، سواء من كانوا يعيشون تحت الاحتلال الاسرائيلي الوحشي، او يعيشون كمواطنين درجة ثانية داخل "الدولة اليهودية"، او في المنفى الاجباري، لا يوجد خلاف عظيم لدرجة تدفع بهم الى انقلاب الاخ على اخوه والعائلة ضد العائلة في حرب اهلية.  على العكس، الفلسطينيون موحدون في فهم سبب معاناتهم -- الاستعمار الاسرائيلي المسلح والمسنود والممول بواسطة القوى الغربية.  الخطر هو خطر انقلاب مسلح لصالح تلك القوى بواسطة اقلية صغيرة، ولكنها تستطيع جر الفلسطينيين الى قتال شرس فيما بينهم يصعب التفكير في عواقبه وتدبرها.

ربما يكون اخطر خطأ في الحسابات قد ترتكبه حماس هو التقليل من حساب العزم والتصميم على نسف نتائج الانتخابات الديموقراطية ومعارضتها لو ان نتائج هذه الانتخابات لن تلبي وتتناسب مع مصالح اسرائيل والقوى العالمية.  الحقيقة هي ان السلطة الفلسطينية لم تكن ولن تكون حكومة للشعب الفلسطيني.  تتلقى السلطة الفلسطينية الدعم من الغرب فقط الى المدى الذي تخدم فيه مباشرة وحصريا مصالحهم ومصالح اسرائيل.  لقد تم تخطيط السلطة الفلسطينية من اجل حماية الاحتلال الاسرائيلي في مواجهة ضحاياه؛ ولن يسمح لاحد ان ينقلب به الى هيئة تمثيلية تحارب من اجل حقوق ومصالح الفلسطينيين.  حتى نتجنب الشرك المميت الذي نصبوه لحماس وللشعب الفلسطيني، على حماس ان تبيع نفسها او ان تفلت بنفسها.

لقد قامت حماس بالعمل الصحيح عندما تخلت عن حملتها للهجمات التفجيرية الانتحارية ضد المدنيين الاسرائيليين، ورعايتها لهدنة مستمرة من جانب واحد واحتضانها العمل السياسي.  عليها الان ان تتخلى عن جهودها للتمسك بحطام مؤسسات اوسلو التي لا حيلة ولا مصداقية لها.  بدلا من ذلك، يجب ان تحول حماس شعبيتها الملموسة، ومهاراتها التنظيمية وشرعيتها المتزايدة الى حملة مكتملة الاركان من المقاومة المدنية، وان تحشد مع القطاعات الاخرى من المجتمع الفلسطيني والعالمي ضد كل اوجه الاستعمار والعنصرية الاسرائيلية.  ذلك هو الشيء الوحيد الذي لم تجربه حماس بعد، وذلك يحمل افضل امل للخروج من النفق المظلم.

حسن ابو نعيمة هو سفير الاردن السابق في بلاد عدة من الاتحاد الاوروبي وفي الامم المتحدة في نيويورك.  علي ابو نعيمة هو مؤسس مشارك لموقع الانتفاضة الالكترونية ومؤلف كتاب بلد واحد، مقترح جريء لانهاء المأزق الاسرائيلي الفلسطيني.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية