امريكا اللاتينية: يد اليمين الثقيلة

جينارو كاروتينوتو

موقع التمرد؛ ٢٨ اكتوبر ٢٠٠٦.

اختفاء الناس، الملفات المزورة، نشاط البوليس السري، تزوير الانتخابات، معركة في الامم المتحدة، انقلاب على وشك الحدوث في بوليفيا، تهديد حياة الزعماء السياسيين والمناضلين.   بالنسبة لربيع امريكا اللاتينية حان وقت اثبات الذات ضد الرجعية.

بالنسبة لاكثر من اشخاص قليلين يبدو ربيع امريكا اللاتينية مجرد حفلة.    الحركات الاجتماعية تحولت الى حكومات بيسر لدرجة تجعل المرء يتعجب لماذا لم يحدث ذلك من قبل.   الرؤساء الذين انتخبوهم الناس بالصدفة امثال نستور كرتشنر الارجنتيني اظهروا انفسهم ذوي مقدرة للحصول على اجماع وحصانة كاسحة.   الحركات الراديكالية - اطفال التضحيات التي توراثوها عن الاسلاف - مثل حركة معدمي الارض البرازيلية تساهم بعناية في الحياة السياسية.

حتى الانقلاب المنظم بكل مكونات الانقلاب النظامية، في الحادي عشر من ابريل ٢٠٠٢ في كراكاس، اكتسحته ديموقراطية المشاركة للثورة البوليفارية.   في مار ده بلاتا، في نهاية ٢٠٠٥، الحركات الجماهيرية وقادة الطبقات الجديدة هتفوا عاليا "لا" غير مسموعة من قبل لمنطقة التجارة الحرة للامريكيتين و"لا" لجورج بوش.   سوت كلا من البرازيل والارجنتين حساباتهما مع صندوق النقد: لم تعد البلدان في حاجة للنصيحة الجزئية التي ينصح بها الصندوق.   التكامل الاقليمي يعيد رسم القارة التي تضع نهائيا الانفتاح الاجتماعي اولا.

في منافسات اصبحت بشكل ثابت اكثر معنى، تلقى اليمين الذي انتهى زمانه ضربات ضد امتيازاته وحصاناته.   ولكن ٢٠٠٦، سنة انتخابات جوهرية، تظهر في تلك السنة علامات رجعية منهجية في شكل حرب قذرة جديدة.   لا يستطيع المرء الحديث عن خطة كوندور جديدة، ربما سيكون ذلك مستحيلا الان، ولكن العلامات الخطيرة عديدة، وبينما هي علامات متنوعة الا انها من جنس واحد وليست قليلة الشأن.

الحالة الاكثر خطرا هي حالة بوليفيا.   شائعات عن اسنة الرماح العسكرية والتدخل الاجنبي - مثل ما يشهره "الاصدقاء" في بترو برا واعداء مثل توني بلير الذي، كوكيل سياسي لبريتش بتروليم، يحيك مؤامرة مقاطعة بوليفيا بشكل مكشوف - ليقلص مساحة المناورة عند الرئيس موراليس، رغم ان اتفاقية مبيعات الغاز الموقعة مع الارجنتين هذا الاسبوع، تعمل على تخفيض هذا التوتر.   انها ليست مجرد اخطاء حكومة - مثل تلك الاخطاء في سياسة التعدين - التي تجعل المرء يخشى من انقلاب مسيرة التجربة البوليفية.

رفائيل بوينتي، نائب وزير داخلية ايفو موراليس لمدة ثمانية اشهر، كتب "حياة الرئيس نفسها هي بين ايادي العدو.   في الواقع بوليفيا لا تمتلك معلومات عن نفسها، ولكن الاجهزة السرية لعدة بلاد متنوعة، بداية من التشيليين، تنشط في هذا المجال.  قد يتعرض الرئيس لاغتيال في اي لحظة بواسطة قناص او بالسم عن طريق خيانة اي شخص قريب داخل  منزله.   حياته معرضة للخطر طول الوقت.   نتلقى تقارير مستمرة من اجهزة الاستخبارات الكوبية والفنزويلية عن ذلك، ولكنهم لا يستطيعون اصلاح ثغراتنا".   دراما بوليفيا هي ان دولة هشة لا تستطيع الا بصعوبة انتاج حكومة اقل هشاشة منها نفسها.   يخلص بوينتو وهو غارقا في همومه الى، "ربيعنا قد يكون مختصرا جدا".

من بوليفيا الى الارجنتين، الحالة مختلفة.   ولكن لمدة شهر الان كان البحث يدور عن الشخص الاول الذي اختفى في هذه الحقبة، الشخص رقم ٣٠٠٠١.   الشخص هو يورخي لوبيز، ٧٧ عاما، شاهد رئيسي في محاكمة "بسبب التطهير العرقي" التي حصل بسببها ميجويل ايتشكولاتز على حكم بالسجن مدى الحياة، وهو المثال الحي على السادية، والتشويه الجسدي البشع، وخصوصا القسوة الشاذة مع النساء الحوامل، وفي حرق الاحياء او القاء الرجال مكبلين في البحر.   باختطاف لوبيز، عشرات الالاف من الناس وكل الشهود في مئات القضايا المنظورة امام المحاكم في الارجنتين قد رأوا حياتهم تعود الى الوراء ثلاثين عاما، ويتلفتون خلف ظهورهم اثناء سيرهم، ويغيرون طريقهم اليومي ذهابا وعودة ويعودون الى العيش في خوف وهلع.

اختطاف لوبيز هام جدا لانه ليس انتقاما يائسا من ايتشكولاتز وجنسه، ولكنه تحد مباشر القي على سياسة حقوق الانسان للرئيس كيرتشنر بواسطة دولة موازية تستمر في الوجود وسط الديموقراطية.   اكثر من ٢٠٠٠ حالة تعذيب، واقاربهم وحماتهم السياسيون والاقتصاديون خرجوا في مسيرة في بيونس ايريس يسعون لايجاد نهاية للمحاكمات.   ميجويل بوناسو البرلماني والكاتب يخبرنا، "التهديدات بالاذى الجسدي، مسببة الحيرة والغواية وجهت حتى ضد الرئيس كيرتشنر.   وهذا يظهر ان كيانات المافيا وكيانات الفاشية في الدولة قائمة في الارجنتين وما زالت نشيطة، وجاهزة لعمل اي شيء".   ونفس الشيئ في اوروجواي تحت حكم تابارا فاسكويز علامات مثيلة يمكن ملاحظتها.

في البرازيل، لولا دا سيلفا سوف يكون الرئيس لفترة ولاية ثانية.   سوف ينتصر fصناديق الانتخابات ضد جيراردو الكمين، مرشح اوبوس داي واليمين الاقتصادي المتطرف، الذي ربما لهذا السبب، تصر الصحافة الاوروبية على وصف الاخير بالاشتراكي الديموقراطي.   ولكن ضد نسبة ٤٩.٨٥٪ التي كسبها لولا، باقل هامش عن الانتصار في الجولة الاولى مصحوبة بنسبة ٨٪ اخذها مرشحون اكثر يسارية، ظهر ملف مفبرك منسوب الى حزب الرئيس حزب العمال السياسي مما سبب ترجيح الكفة بشكل حاسم.   ومع وجود كل علامات دالة على عمليات اجهزة استخبارات اجنبية تعمل من وراء ستار، على الارجح استخبارات بوليفية، مع تواطؤ نظام الاعلام الجماهيري، لتدمير صورة لولا، فشخصية لولا نفسها تدعمت اكثر مما ضعفت بسبب اربع سنوات من الفضائح، بعضها كان عبقريا وبعضها كان مفبركا.

اليمين، الغير قادر الان مباشرة على الاطاحة بلولا - الذي يزود كامل المشروع التقدمي في امريكا اللاتينية بتفاصيل حيوية - هذا اليمين لديه القدرة على كشف ضعف لولا وتقليل مصداقيته.   ما زال اليمين، ولم يعد بعد مسيطرا على جهاز الدولة، ولذلك يجد نفسه ممنوعا من القيام بتزوير واسع النطاق، ما زال اليمين يدبر اجبار لولا على اجراء انتخابات لم تكن واجبة الحدوث، عن طريق استخدام غير مألوف لاجهزة الدولة التي ظلت في متناول النظام القديم.

الا ان من يزال موقفه اكثر تماسكا من لولا هو هيوجو شافيز.   وكيفما ينكشف القتال من اجل كرسي امريكا اللاتينية في مجلس امن الامم المتحدة، يصبح من الواضح ان ترشيح جواتيمالا، وهي دولة لا تتأسس على حكم القانون ولم يكلف القائمون على عمليات التطهير العرقي في اي مكان ارواح تزيد عن ٢٠٠ الف شخص وما زالوا يتمتعون بحصانتهم كاملة، يصبح هذا الترشيح هو عملية استعمار جديد عارية: حيث يقول السفير الامريكي لدى الامم المتحدة جون بولتون "انه نحن من سوف يقرر من يمثل امريكا اللاتينية في مجلس الامن".  كالمعتاد.

سواء أكانت جواتيمالا (اقرأ الولايات المتحدة) هي التي سوف تهزم فنزويلا ام لا، كل الاسباب من اجل عالم متعدد الاقطاب تولد بوضوح وكلها في صف شافيز.   تلك الاسباب تظهر ازدراء الولايات المتحدة واحتقارها لامريكا اللاتينية وجاهزيتها لاستخدام اي سلاح يأتي بين يديها في المباراة الاكثر اهمية، منافسات الثالث من ديسمبر، الانتخابات الفنزويلية التي سوف تعيد تأكيد رئاسة هيوجو شافيز.   يكشف فرانشيسكو سيستو، وزير ثقافة فنزويلا، "طبقا لكل الحسابات واستطلاعات الرأي المستقلة، مرشح المعارضة الموحدة مانويل روزاليس سوف يؤدي اداء حسنا حتى يحصل على نصف الاصوات التي يمكن لشافيز ان يعتمد عليها".   ربما يصل روزاليس لثلث اصوات الناخبين، وربما اكثر قليلا، ولكنه ما زال خاسرا.

وماذا يجنيه مرشح خاسر لليمين في فنزويلا وتلك القوى، الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي على رأسهم، الذين دبروا معا انقلاب ١١ ابريل ٢٠٠٢؟ قد يكون ذلك مفيدا في امريكا اللاتينية لاسباب عديدة.   لويس دونالدو كولوزيو مثلا كان مفيدا جدا كمرشح خاسر لحزب الاستقلال اليميني المكسيكي، وقد اغتاله ناسه في تيخوانا عام ١٩٩٤، وبالتالي افسح الطريق لارنستو زيديللو، الذي دبر في النهاية منع وصول مرشح اليسار كواوتيموك كارديناس للرئاسة.   اكثر من روزاليس واحد هم على قيد الحياة وهم مرشحون بالاكيد خاسرون ضد شافيز، ومصادر عالية المستوى متنوعة قد حذرت لاسابيع من ان روزاليس معرض للاغتيال - مع التبريك المتطرف لاستطلاعات رأي خيالية تمنحه الانتصار - وهو مخطط مثالي لاضعاف شافيز، وقد شن حملة عالمية ليصل نفسه بشكل محدد بكل المنبوذين على مستوى العالم وفاتحا الطريق امام بلقنة فنزويلا بمساعدة من كولومبيا.

من المكسيك لصاحبها فيليبي كالديرون الفاشي الجديد (من نوع مختلف بالكامل عن المدير التنفيذي لشركة كوكا كولا فنسنت فوكس) نخرج بدرس تقليدي: السيطرة على جهاز الدولة امر حاسم لتجنب التزوير الذي ظهر من جانب اليمين والذي منع اندرياس مانويل لوبيز اوبرادور من ان يصبح رئيسا ومن المحتمل ايضا اولانتا هومالا في بيرو ورافاييل كورريا في الاكوادور.   ولكن في المكسيك ايضا، جهاز الدولة هو كيان متحور.   كارمن ليدا، مدير الصحيفة اليومية لا جورنادا، يروي لنا اللحظة الحاسمة لشهرين من الاحتجاجات الجماهيرية لملايين المكسيكيين، والتي تجاهلتها بشكل علمي الصحافة الدولية والتي - في ظروف شبيهة ولكن معاكسة - فركت يداها فرحا بسبب الحشود البرتقالية في كييف: "عندما اعطى فنسنت فوكس الامر للجيش لاستخدام القمع - لكان من الممكن ان تكون تلاتيلولكو اخرى - ولقد سطع برهان ان القيادة العليا للجيش طالبت الرئيس ان يصدر الامر كتابة.   ولما لم يفعل، لأول مرة في تاريخه، رفض الجيش اطاعة الاوامر".

وهذا هو ما حدث توا في انقلاب فنزويلا في ٢٠٠٢، ان انقسم الجيش واقام الدستور: عديد من المؤشرات على ولاء قوات مسلحة اخرى بالقارة هي في متناول اليد، وقد تغير الجيش بشكل عميق عبر الشتاء النيوليبرالي بواسطة خلفيتهم الاجتماعية.   الرجعية تمضي في طريقها بامريكا اللاتينية ولسوف تكون شديدة.   ولكن ربما لا يزال ربيع امريكا اللاتينية لديه من الزهور ما هو اكثر عددا مما يستطيع الشتاء المتأخر ان يجمده.

.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية