تشخيص فرانز فانون

ديفيد اوستين

ستار تورنتو؛ ٢٦ اكتوبر ٢٠٠٦.

لم يصف فرانز فانون العنف.  فانون قام بتشخيصه.

كشاب نما بتورنتو في الثمانينات، اعتبرت دار كتب العالم الثالث بميدان القديس باتهيرست مزارا مقدسا احج اليه اسبوعيا.

في سنوات التشكيل هذه، كنت، مثلي كمثل شباب وشابات اخرين من الرواد المترددين على هذه الدار، منفتحين على كتاب ومفكرين - اودر لورد، كلود ماككاي، بل هوكس، مالكوم اكس، انجيلا ديفيز، شيخ انتا ديوب، سي ال ار جيمس – وعلى تشكيلة من الافكار مثل: فكرة الوحدة الافريفية، الاشتراكية، العالم ثالثية، مناهضة الامبريالية.  دار نشر العالم الثالث كانت مكانا للجدل الحي واحيانا الجدل الساخن.  كنا نتصور عالما جديدا ونشكله بانفسنا، وادواتنا لذلك كانت الكتب التي باركت ارفف الدار.

لشدة الحزن، لم تعد الدار موجودة.  تبخرت مع ليونارد جونستون، او ليني، كما كنا نناديه بحرارة، الذي كان مع زوجته جويندولاين، ليس فقط مالك للدار ولكن ايضا قلب وعقل تلك المؤسسة المرموقة.

لقد كان ليني هو اول من عرفني بكتاب فرانز فانون معذبو الارض.  طبيب نفساني من المارتينيك كتب الكتاب حرفيا وهو على سرير الموت معانيا من سرطان الدم.  في ذلك الوقت، كان فرانز فانون منخرطا بشكل نشط في حرب تحرير الجزائر، يعمل كسفير جبهة التحرير الوطني في غانا.  جبهة التحرير الوطنية تلك كانت المفرزة الامامية لحرب العصابات الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.  اكتسب فانون احترام جبهة التحرير اثناء منصبه كرئيس طبي لمنطقة بليدة - مستشفى جوانفيل في الجزائر اواسط الخمسينات.  غامر فانون بحياته عن طريق تنديده العلني بفظائع الاستعمار الفرنسي في الجزائر والطريقة التي عامل بها المستعمرون فدائيي جبهة التحرير الذين خضعوا للتعذيب.

بالعودة الى الوراء، يبدو مصير فانون كما لو كان مرتبطا بالجزائر من البداية.  كطالب طب متخصص في العلاج النفسي بفرنسا في الخمسينات، كان فانون يعالج الجزائريين الفقراء، مما ادى به الى التعليق الساخر التالي، "لو كان مستوى المعيشة المتاح للافريقيين الشماليين في فرنسا اعلى مما كان هذا الافريقي معتادا عليه في بلاده الاصلية، لكان هناك مجهودا طيبا يمكن عمله في بلاده، في فرنسا الاخرى تلك".

ايضا تلقى فانون تدريبا قتاليا في الجزائر كجندي في الجيش الفرنسي اثناء الحرب العالمية الثانية.  لقد كانت زيارته الاولى للجزائر حينما التقى فانون بفيروس العنصرية الذي تحاشاه في المارتينيك.  عزلت كتائب الفرنسيين البيض عن كتائب الهنود الغربيين السود، المفترض انهم مواطنون فرنسيون.  عزل الجنود الافارقة السود عن القوات الفرنسية، كما عزل الافارقة العرب، الذين كان يسخر منهم الفرنسيين ويعاملونهم كما لو كانوا مواطنين درجة ثانية على تراب ارضهم نفسه.  عاش فانون هذه التجربة في نفس اللحظة التي بدأ فيها الجيش الفرنسي مواجهة الفاشية الالمانية، بافكارها عن النقاء العرقي.  لم تضع منه المفارقة الساخرة لهذه الحالة.

دون شك شكلت الحرب فهم فانون للعنف.  دخل فانون الحرب كمراهق؛ خدمت المذابح التي لا تنتهي كمطهره نحو البلوغ والنضج.  لقد هزته بشدة حتى النخاع وطهرته من المثالية التي كان يعتنقها عندما التحق بقوات فرنسا الحرة.

مس العنف فانون بعمق في لحظة فاصلة من حياته.  لذا لم يكن مدهشا ان يتخذه موضوعا في كتاباته.  منذ كتابه المعذبون في الارض المنشور عام ١٩٦١، كان فانون يحتل مكانا في مركز عاصفة من الجدل، معظمه قام على الفصل الاول من الكتاب المعنون "عن العنف".

جانب من المشكلة يقع في حقيقة ان القراءة الحرفية لفانون تتم حين، كما يقول استاذ جامعة يورك اتو سيكياي-اتو واخرون يقولون، يجب ان تكون القراءة، على الاقل في جانب منها، قراءة بطريقة ادبية.  نثر فانون الحي والدرامي كان متأثرا بالاسلوب الادبي للشاعر ورجل الدولة المارتينيكي ايميه سيسير.  اندريه بريتون الشاعر السريالي الفرنسي وصف قصيدة سيسير عام ١٩٣٩ "العودة الى بلادي الاصلية" على انها "ليست اقل من اعظم الاثار الغنائية لكل العصور".  في القصيدة، يعلن سيسير:

زنجيتي ليست حجرا، صممه تدحرج ضد
صخب اليوم
زنجيتي ليست بقعة عمياء في المياة الميتة
في العين الميتة للارض
زنجيتي ليست برجا ولا كاتدرائية
انها تنط حية داخل لحم التراب
انها تنط حية داخل لحم السماء
انها تخرق الخضوع المصمت بصبرها المعتد

كان سيسير مدرسا لفانون في مدرسة الليسيه سكيولشر في المارتينيك، وترك استخدامه المشحون بالمشاعر للغة الفرنسية اثرا باقيا على طالبه.  في اوقات بدا ان فانون يصوغ عبارة عندما كان في الواقع الفعلي يصف حالة، كما هي موجودة عليه فعلا، او يصوغ نداءا دراميا، فقط ليتراجع عنه في قسم اخر، كما لو كان يكتب مشاهدا في مسرحية.

في العمود المكتوب في فبراير ٢٠٠٢ بالناشيونال بوست، "فرانز فانون: مفكر مسموم يرفض ان يموت"، ادعى الكاتب روبرت فولفورد "انه فانون الذي جلب الى الثقافة المعاصرة فكرة ان العنف يمكنه شفاء الذين جرحت ارواحهم"، وان فانون "قدم حجة ان العنف كان ضروريا لشعوب العالم الثالث ليس فقط كطريق للفوز بحريتهم ولكن حتى اكثر من ذلك، لان العنف سوف يعالج عقدة الدونية التي خلقتها لديهم تعاليم الرجل الابيض".

واخبرنا فولفورد ايضا ان المعذبون في الارض "ستة طبعات بالعربية"، يدس كالفضيحة علاقة بين العروبة والعنف.  ضل فولفورد طريقه بشكل اخرق، ان لم يكن بسوء نية.  انه يعمل على ديمومة صورة فانون كأحد حواريي العنف.   ولكن وضع فانون كعنوان على انه نبي للعنف هو امر مضلل تماما ومساو لوضع فولفورد كأحد انصار السلام.

كثير من الضجة تنبع من فقرات مثل الفقرات التالية: "على مستوى الافراد، العنف هو قوة مطهرة.  انها تحرر السكان الاصليين من عقدة الدونية ومن اليأس ومن الشلل".  القراءة السريعة، تبدو الفقرة انها ترويج للعنف كانطلاق من اسر الكبت.  ولكن القراءة المتأنية، لغة فانون نوعية جدا.  كلمات "على مستوى الافراد" كلمات حاسمة: يشاركنا فانون ملاحظاته الاولية كمعالج نفساني.  انه يعالج المرضى الجزائريين المنخرطين في صراع حياة او موت ضد المستوطنين الفرنسيين الذين قتلوا الرجل والمرأة الجزائرية ووذبحوهم ببربرية وعذبوهم.  للبعض منهم، العنف هو عمل تطهري.  في ظل هذه الظروف، هل ندهش من ان قوات البوليس او اي مؤسسة رسمية اخرى، في غياب قضاء غير منحاز، على استعداد للدفاع عن حقوق الجزائريين اذا ما قرر بعضا منهم ان يأخذوا الامور بأيديهم؟

في فصل من كتاب المعذبون في الارض بعنوان "الحرب الاستعمارية والخلل العقلي"، وصف فانون سلسلة من الحالات المرضية.  احد هذه الحالات يتضمن اخوين جزائريين قتلا صديقهما الاوروبي.  لقد فقد الاخوان كامل اعضاء عائلتهم على ايدي الفرنسيين ويبدو انهما قتلا الصديق ببساطة لانه كان فرنسيا.  من الطبيعي ان فانون لا يتواطأ مع هذا القتل التعسفي الذي قام به الاخوان.  ولكنه كمعالج نفساني، يسعى فانون لفهم السبب وراء ما فعله الاثنان.  وقد خلص فانون الى انه ليس عديد من مرضاه الاخرين، اصيب الاخوان "بظاهرة مرضية نفسية سببت خللا" متصل مباشرة بوضعهم كسكان مستعمرات.  بكلمات اخرى، العنف العشوائي ليس سلوكا طبيعيا.  فانون لا يكتب العنف روشتة للعلاج.  انه يشخصه ويسعى لتفسيره.

يخاف فانون خوفا شديدا من التصرفات العنيفة، ورغم تدريبه الطبي، يقال ان لديه هلعا قويا من منظر الدم.  ومع ذلك لا يمكنه تجاهل الحقيقة الجزائرية، او حقيقة اي مجتمع اخر حيث يستخدم المستعمر العنف لاخضاع وفهر فرص الحياة عند هؤلاء الذين يستعمرهم.  انه لامر محير كيف ان مثل هذه السمة المشتركة للمجتمع المستعمر هي محل هذا الجدل الحاد.  العنف والاستعمار يمضيان معا يدا بيد.  لا يستخدم العنف فقط لاخضاع الشعوب المستعمرة؛ العنف يقوم بترويض شروط وجودهم ذاته لانه يظل محتفظا به كاحتياطي، حين "يخرج السكان الاصليون عن السيطرة".

وبالضبط كما استخدم الامريكيون المدافع والبارود لطرد قيود الاستعمار البريطاني، يحتفظ ايضا المعذبون في الارض هؤلاء بنفس الحق عندما تنسد امامهم دروب الحرية الاخرى.  هذا ما كان يعنيه فانون عندما كتب "ممارسات العنف عند المستعمر... خطته للتحرر".  دائما ما يكون السياق مهما.  من يسأل اليوم عما اذا كان الفيتناميون لديهم المبرر في حمل السلاح واستخدام العنف في وجه الولايات المتحدة التي امطرت قراهم بالقنابل، وقتلت وذبحت عشرات الالاف من المدنيين الابرياء؟

ولكن هناك سببا اخر لقراءة فانون بعناية.  معظم العنف الذي يصفه فانون في كتابه المعذبون في الارض هو عنف الاقتتال الاخوي - الجزائريون يطلقون الكرب المدفون والكبت ضد احدهم الاخر، ويعود ذلك بشكل واسع الى انهم يشعرون بالعجز وقلة الحيلة لاطلاق معاناتهم نحو ظالميهم.  في اوقات تصدر عنف "الاسود ضد الاسود" عناوين الجرائد بانتظام (هل توجد جرائم عنف ابيض ضد ابيض؟)، يذكرنا فانون ان الاغتراب والفقر والتهميش هم المسئولون عن العديد من الامراض الاجتماعية والنفسية في زماننا.  وبينما هو امر مخل ومدرسي تماما ان نعزو علاقة سببية لكل المشاكل الاجتماعية، دون شك ان الاقتتال الاخوي الذي استمر في حصد عديد من الارواح في امريكا الشمالية واوروبا يتصل مباشرة بنسبة البطالة العالية وتناقص فرص العيش الكريم، والاحساس العميق بالغربة الاجتماعية التي يشعر بها كثير من الشباب.

هذه الصورة واضحة بشكل كاف في المراكز المتروبوليتانية مثل تورنتو ومونتريال، او مدن مثل لندن وجلاسكو.  حفلات العنف الوحشية في سكوتلاندا "حفلات السيوف والخناجر" بين العصابات المتصارعة للشباب البيض ادت مؤخرا بالامم المتحدة الى اعتبار اسكوتلاندا أكثر البلاد عنفا في العالم "المتقدم".  انها ايضا واحدة من افقر البلاد الاوروبية: ربع اطفال اسكتلندا يعيشون في فقر ويعتمدون على المساعدات الحكومية.

يعتقد فولفورد ان فانون "يتراجع في التاريخ"، ولكنه هذه النقطة لا تنطق عن الحق.  يستمر ذكر فانون مع المضطهدين والمحرومين في العالم.  لقد اصبح موضوعا لفيلمين على الاقل، وفيلم اخر على وشك الصدور من شركة داني جلوفر، لوفرتير فيلم.  افكاره تدرس في اقسام الفلسفة والعلوم السياسية، وبرامج الدراسات الثقافية وما بعد الاستعمار، في كل انحاء العالم.  تأثير فانون في مجال الطب النفسي وعلم النفس يتنامى، وينبئنا الفيض المتدفق من السير الذاتية لفانون وتأريخه انه بالرغم من الأثر الهائل لكتاباته في الستينات والسبعينات، فقد بدأنا الان توا في فهم عمق واتساع افكاره.

عندما يفترض فولفورد ان افكار فانون تتحاشى الموت بعناد، فهو على حق.  مثل الجرح النازف الذي يرفض الالتئام، فالمظالم التي يدينها ويرفضها فانون بقوة وحيوية ما زالت معنا حتى اليوم.  مثل ليني، الذي لعب دورا في مسح الضباب من امام اعيننا، شبح فانون ما زال يحوم حولنا، ليس على شكل رؤية شيطانية ولكن كشبح ما زال يتحدانا حتى نضع صورة لعالم افضل ممكن، وان ننذر انفسنا بشكل ملموس لنأتي بهذا العالم الى الدنيا الحقيقية.

ديفيد اوستين كاتب من مونتريال وعامل في المجتمع المحلي 

ZN  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية