الى اي دولة تنتمي دارفور؟

هارون تيسفايا

٢٠ اغسطس ٢٠٠٦.

السودان امة تواجه ثلاث تحديات سياسية مستعصية، حيث السلام هو المحال، والحلول السياسية لصراعات الدولة - المجتمع اساطير خرافية.  في جنوب البلاد، حارب الناس تحت قيادة جيش التحرير الشعبي السوداني الحكومة المركزية لعشرين عاما ونيف وقضى في هذه العملية مليونا من البشر.  في الشرق، هناك تمردا تحت درجة الغليان يغذيه سياسيون وعناصر من الجيش تم تجريدها من رتبها تعيش مبعثرة بين البجا وحول كسالا.  في الغرب، اصبحت منطقة دارفور ذات شهرة بانها بلاد حرب الارض المحروقة، وبلاد الاغتصاب والمصائب والدمار واللاجئين.

المعاناة اليومية لشعب دارفور تركت الافريقيين اضافة الى المجتمع الدولي يتلفتون هنا وهناك بحثا عن "حل" لهذه المشكلة المستعصية.  وحيث ان حدود دارفور تأتي مع حدود تشاد وافريقيا الوسطى، ادت الازمة الى عبور اهل دارفور الحدود ليصبحوا لاجئين هناك.  لقد فروا من اجل الحفاظ على حياتهم، في محاولة للهرب من الجنجويد المتوحشين (الميليشيا العربية) والقصف الجوي لسلاح الجو التابع للحكومة المركزية.  انهم يعيشون في مدن خيام في ارض خلاء في وسط الصحراء الكبرى.

في التاريخ البالغ القدم، كانت السودان هي مقاطعة مروي.  وسرت تسميتها بلاد السود في عام ٧٠٠ بعد الميلاد عندما دخل الاسلام المنطقة.  مواطنو مروي القديمة وزعماءهم كانوا افارقة سود ويلاحظ المؤرخون ان مملكتهم كانت قوية لدرجة انها حاولت غزو اراضي المصريين.  عندما بدأ جنود النبي، العرب المسلمون، اخضاع السودانيين المسيحيين، قاوم الدارفوريون اوليا وتم غزو بلادهم.  كانت الاسر الملكية المصرية حتى الخامسة والعشرون قد اخضعت معظم المناطق الشمالية فيما بات يعرف باسم السودان، وقام العرب المسلمون بغزو والسيطرة على جنوب السودان ودارفور.

الاهوال والفظائع التي ارتكبها الغزاة في عملية اسلمة المسيحيين واتباع الاديان الافريقية التقليدية قاربت حد التطهير العرقي، وصادرت العنصرية الفظة للمحتل وادخال تجارة العبيد في المنطقة مصير العديد من اهل دارفور.  فتح النظام الجديد الطريق للاستغلال الجنسي للنساء وعمالة الاطفال.  لذلك لن تكون مبالغة حين نقول ان انتفاضة دارفور اليوم هي تمرد مناهض للعبودية يجري في القرن الواحد وعشرين.

في الجنوب، جيش تحرير السودان الشعبي تحت قيادة المرحوم جون جارانج، حارب حكومة الخرطوم دون الوصول الى نتيجة لمدة ثلاث عقود تقريبا وحصل في الاخير على صوت مسموع.  اليوم انشأ هذا الجيش استقلالا بالامر الواقع.  اتفاقية مشاكو الموقعة بين  حكومة الخرطوم وجيش التحرير الشعبي السوداني في كينيا، تمنح منصب نائب الرئيس في الحكومة السودانية لرئيس جيش التحرير الشعبي السوداني.   اضافة الى ذلك، تضمن الاتفاقية، على الاقل على المستوى النظري، مشروعا متوازنا وعادلا للتنمية الاقتصادية وصيغة للمشاركة في الثروة.  تؤكد الاتفاقية ايضا الحكم الذاتي لمدة ست سنوات، بعدها يجري استفتاء في الجنوب يطرح اما البقاء داخل السودان او اختيار الاستقلال بحكم الامر  الواقع.  اجبر جيش التحرير الشعبي السوداني حكومة الخرطوم على تقديم تنازلات رئيسية لانهاء النزاع وقد استسلمت الخرطوم لذلك، مجبرة بسبب الضغوط الدولية.

ومع ذلك، رغم استباب السلام في الجنوب، غصن الزيتون لم يمنح لدارفور.  ما زال سكان دارفور يعانون بسبب الغارات المجنونة التي تشنها الميليشيات العربية التي ترعاها الدولة وتشنها طائرات الهليكوبتر الحكومية المسلحة بالبنادق الالية.  هذه الغارات حصدت بشكل واسع ارواح ٣٠٠ الف من السكان وازاحت حوالي ٢.٥ مليون اصبحوا لاجئين.  تقدر اعداد من اصابهم هذا الارهاب بنحو ٤ مليون وما يقرب من مليون منهم لا تصل اليهم يد المساعدات الانسانية.

بدأت انتفاضة دارفور عام ١٩٨٧.  هذا العام مهم بسبب كونه عام المجاعة في المنطقة وايضا كان العام الذي بدأ فيه العرب المسلمين في تنظيم واستفزاز اهل دارفور، بالاسم الفلاحين الفور والزغاوة والمصاليت.  بدأت الحكومة سريعا في تنظيم الجنجويد، الميليشيا العربية الراكبة التي نظمت عملياتها في تحالف مع الحكومة لدفع الجماعات الاثنية الافريقية بشكل واسع الى خارج المنطقة.  تلك كانت فترة التناقض العرقي المتنامي.  بدأت الحرب الاهلية في تشاد المجاورة في امتداد لهيبها عبر الحدود قادمة ومعها ايديولوجية التفوق العرقي المجنونة التي تبناها بعض العرب مما ساعد على تشكيل الجنجويد.

خلق الجنجويد كان نتيجة مباشرة للتكوين العرقي للجيش النظامي السوداني.  لعقود طويلة كان الجيش السوداني مشكلا من كردفان والنوبة وبعض اهل دارفور.  حيث ان الخدمة العسكرية لم تجذب بالضبط النخب العربية التي كانت تسكن وادي النيل والتي هيمنت على العملية السياسية، ولان القوات الدارفورية لم تعتبر قوات يمكن الركون اليها في قتال اهلها، وصلت الحكومة الى فكرة امتلاك قوة عسكرية مشبعة بالحقد العنصري وهو الامر الذي طبع بطابعه التمرد في دارفور.  وقد وجدت الحكومة تلك القوة بين اهل المراعي الشماليين الذين كانوا في معاناة بسبب تصحر مراعيهم.  ورغم المزاعم التي تدعي ان الحكومة قد جندت الجنجويد من بين القبائل "العربية" في تشاد، الا ان معظم المجندين هم المهاجرين او احفادهم من غرب افريقيا الذين، لسبب او لاخر، تمت اسلمتهم.

على اية حال، الاستفزازات التي قام بها الجنجويد سريعا تحولت الى هجمات مباشرة تستخدم اسلحة حديثة تم تزويدهم بها سرا بواسطة الحكومة المركزية السودانية تحت رئاسة صادق المهدي.  تلك الهجمات والسياسة المكشوفة للحكومة لنزع سلاح اهل دارفور قادت الى هياج وسخط عام والى انشاء ميليشيا الفور للدفاع الذاتي، التي اعيد تسميتها جيش تحرير السودان.  وعندما رفض العرب الرعاة دفع دية الدم بسبب الاهوال التي ارتكبوها ضد الفلاحين الزغاوة، انضمت الزغاوة الى جيش تحرير السودان.

طبقا لميني اركوي ميناوي، قائد جيش تحرير السودان ومدرس لغة انجليزية سابق، مانيفستو جيش التحرير السوداني يعطي كغرض له تأسيس امة يستطيع ان يعيش فيها شعوب متنوعة داخل اطار حقهم في تقرير مصيرهم، يعيشون في مساواة سياسية، حيث لا يكون هناك تمييز قائم على اساس العرق ولا تمييز في توزيع المنافع الاقتصادية.  ومع ذلك، قبل التمكن من تحقيق تلك الاهداف السامية، انشق جيش التحرير السوداني الى جماعتين.  جماعة الاغلبية فضلت ميني اركوي ميناوي والجماعة الاخرى ذهبت تحت قيادة عبد الواحد محمد النور، وهو من الفور.

جماعة مسلحة اخرى تعمل في دارفور هي حركة العدل والمساواة، تختلف بداياتها واجندتها قليلا عن بدايات واجندة جيش تحرير السودان.  في ١٩٨٩، اطاح الجنرال عمر البشير بحكومة الصادق المهدي في  انقلاب عسكري.  نجح الانقلاب جزئيا بسبب ان احد السياسيين المهمين والاكاديمي الاسلامي، خريج السوربون الحاصل على الدكتوراة منها، الدكتور الشيخ حسن الترابي، كان قائدا اساسيا من وراء ستار خلف الانقلاب والحكومة الجديدة.  في ١٩٩١، اصبح الترابي السكرتير العام للجبهة الوطنية الاسلامية، التي يسرت بناء شبكة من المنظمات الاسلامية ومن المسئولين المحليين في اقاصي دارفور.  في ١٩٩٩، تسبب الترابي في ازمة لحكومة السودان عندما طالب بحصول البرلمان على بعض صلاحيات الرئيس المطلقة.  ادت هذه الحالة الى ازمة، والى حل البرلمان، والى طرد الاف من اعضاء الجبهة الاسلامية الوطنية من ا لمناصب الحكومية، والى اعلان حالة الطوارئ.  خلال هذه الفترة، المسئولون الافارقة السود الذين ترعاهم الجبهة الاسلامية ومنظمين داخلها بواسطة الترابي في دارفور فقدوا سبل معيشتهم بين عشية وضحاها.  في ٢٠٠٣، شكل هؤلاء الناس حركة العدالة والمساواة، التي قادها الدكتور خليل ابراهيم محمد، احد انصار الترابي.  الدكتور خليل محمد هو مؤلف الكتاب الاسود: خلل ميزان السلطة والثروة في السودان، وهو مانيفستو مجرم قانونا يدعي ان عرب وادي النيل قد هيمنوا على الحكومة على حساب الاغلبية من السودانيين.  فعليا بشكل تاريخي، الحكام من الاستعماريون البريطانيون الذين الحقوا دارفور بالسودان في ١٩١٧، وفروا التعليم فقط لابناء رؤساء العشائر، حتى لا يبقى هناك من يتحدى سلطة حكمهم.  وكان من نتيجة ذلك ان المنطقة في ١٩٣٥ لم يكن بها الا مدرسة ابتدائية واحدة فقط.  لم تكن هناك عيادة طبية لرعاية الامهات الحوامل حتى الاربعينات، وعندما حصلت السودان على استقلالها من بريطانيا في ١٩٥٦ كان لدى دارفور بضعة مستشفيات والقليل جدا من البنى التحتية وعانت من سياسة اهمال خبيث من النخبة الوطنية، مما يثير سؤال هل لدارفور مستقبل مع السودان.   وهكذا، عندما بدأ التمرد في دارفور، كانت حركة العدل والمساواة حليفا طبيعيا وتعاونت وحداتها مع قوات جيش تحرير السودان في المرحلة الاستهلالية.  ورغم ان حكومة الخرطوم حاولت بشكل اولي عقد سلام منفصل مع جيش تحرير السودان، فإن جيش تحرير السودان طالبت ان كلا من جيش التحرير وحركة العدل والمساواة يصبحا جزءا من عملية السلام.

منتصف عام ٢٠٠٤، اقحمت مأساة دارفور نفسها على الساحة الدولية.  وفي تباين حاد مع رد فعل الولايات المتحدة رسميا على مذابح رواندا في ظل ادارة كلينتون، وصف وزير الخارجية الامريكي كولن باول الحالة في دارفور "تطهيرا عرقيا".  واتهم الحكومة السودانية باستخدام المجاعة والاغتصاب الجماعي كاسلحة في الحرب.  ولكن مثل هذا الغضب كان للاستهلاك الدولي.  فوق كل ذلك، السودان منتج كبير للنفط وقد اصبحت حليفا حاسما للولايات المتحدة في حربها ضد الارهاب.  وهكذا فلا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الاوروبي دفعت الامم المتحدة لفرض عقوبات دولية.  ولكن النكتة الساخرة هي ان جنوب دارفور ايضا يحتوي على احتياطات نفط غير مستغل يجذب مصالح دولية متنوعة الى المنطقة من بلاد مثل الصين وبريطانيا والولايات المتحدة وبعض امم القرن الافريقي التي تمتلك كل منها اجندتها الخاصة.

في ٥ مايو ٢٠٠٦، استطاع الاتحاد الافريقي ان يجعل بعض المتمردين ينضمون الى حكومة الخرطوم لتوقيع اتفاقية السلام في دارفور في ابوجا، بنيجيريا.  ولكن اتفاقية السلام هذه بدت انها فعليا جعلت الامن اكثر سوءا لانها قضت على قدرة اهل دارفور في الدفاع عن انفسهم ضد الجنجويد، وهو الامر الحاسم في امن المدنيين في المنطقة.  جماعة متمردة واحدة من الجماعات الكبرى في دارفور المنخرطة في  الحرب الاهلية المستمرة منذ ٤٠ شهر هي فقط التي وقعت اتفاقية ابوجا مع الحكومة السودانية في الخرطوم.  هذه الجماعة هي جيش تحرير السودان الفصيل الذي يترأسه ميناوي.  هذا الفصيل اعلن انه سوف يحترم وقف اطلاق النار الذي تفرضه الاتفاقية وحرك قواته المحاربة الرئيسية شمالا، حيث يحارب ميناوي من اجل السيطرة على جماعته العرقية الخاصة به، الزغاوة.

فصيل جيش تحرير السودان التابع لميني اركوي ميناوي، بانتهاء عملياته الهجومية التي اعتادت رد الجنجويد الى مسافة ابعد، ترك امن الناس يتدهور لدرجة اصبحت عندها قوات جيش تحرير السودان المحلية جيشا مهلهلا دون معدات.  معظم محاربيها هم اطفال مسلحون بهراوات.  ولم تفعل الخرطوم كثيرا لنزع سلاح الجنجويد، التي ما زالت ترهب الناس مثلما فعلت مع اهل مصاليت في قراهم ومزارعهم.  نادرا ما تقوم قوات الاتحاد الافريقي التي ارسلت لدارفور بدوريات مسلحة يمكن ان تشكل مانعا لهذا العنف، مدعية انهم غير مخولين بالقيام بمثل هذه الدوريات ولكن المتوقع منهم فقط كتابة تقارير عن انتهاكات وقف اطلاق النار.

في نفس الوقت، يقوم ميناوي وقواته التي وقعت اتفاقية سلام دارفور بحكم ارهابي مروع على قرى شمال دارفور في محاولة لقتال فصيل جيش تحرير السودان المنافس الذي يقوده عبد الواحد محمد النور واخرين الذين رفضوا اتفاقية السلام.  يتركز العنف ضد المدنيين؛ ويستهدف القتال الشباب.  الصراع القذر سيئ الصيت ساهم في ازاحة عشرات الالاف من الناس.

في اغسطس ٢٠٠٦، ثلاث جماعات دارفورية متمردة كانت قد رفضت توقيع صفقة السلام التي رعاها الاتحاد الافريقي التقت في اسمرة، باريتريا، وشكلت تحالفا جديدا لمحاربة حكومة الخرطوم.  اطلقوا على انفسهم اسم جبهة العفو الوطني.  تتشكل الجبهة من حركة العدل والمساواة، فصيل مقاوم من جيش تحرير السودان الاصلية، والتحالف الفدرالي الديموقراطي السوداني.  ترفض جبهة العفو الوطني اتفاقية سلام دارفور، المعروفة باسم "وثيقة ابوجا"، وتطالب "الجبهة لن تتعامل فقط مع قضايا دارفور ولكن كل القضايا في السودان".  من المتوقع ايضا ان تجدد الجبهة نداءاتها للسودان من اجل احلال قوات الاتحاد الافريقي ببعثة حفظ السلام تابعة للامم المتحدة.  في نفس الوقت، الاتحاد الافريقي، الذي هدد بفرض عقوبات ضد الجماعات التي لن تقبل اتفاق السلام، سوف يتدبر امر هذه التطورات الاخيرة اثناء قمته القادمة في غمبيا بينما يهرول سعيا من اجل "حل افريقي" لهذه الاشكالية المحيرة: لأي مكان ترتبط دارفور؟

هارون تسفايا، مؤلف كتاب السلطة السياسية والفدرالية الاثنية: الكفاح من اجل الديموقراطية في اثيوبيا (لانهام، MD : مطبعة جامعة امريكا، ٢٠٠٢)

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية