
طاهر رفيق وآخرون: نريد أن نعيش
ليس إلاّ
شوقي عريف
11 نوفمبر 2006.
مع إنحدار الشمس نحو المغيب، تشهد ساحة برشلونة وسط
العاصمة حركيّة وإزدحاما شديدين تساهم فيهما حركة الحافلات والقطارات التي
يستعملها مئات المسافرين إلى وجهاتهم. ووسط هذه الضوضاء والزّحام، ومع
بداية هجوم
اللّيل على المكان، يخرج، وبكلّ حذر، من هنا وهناك باعة الوجبات الخفيفة
للإنتصاب
وكسب القوت. تعرفت على طاهر أحد الباعة الذي رحب بفكرة التحقيق حول
معاناته ومشاكل
مهنته وكأنّي به كان ينتظر هكذا فرصة للحديث عن الصعوبات التي يتعرّض لها،
فقد
تمكّنت من الإتفاق معه على موعد بسهولة. يوم الموعد إلتقيت وطاهر، حيث كان
مرفوقا
بصديقه رفيق. وتوجّهنا ثلاثتنا إلى مقهى قريب من مكان العمل، ساحة برشلونة.
وصلنا إلى المقهى. عند جلوسنا تبادل طاهر وصديقه التّحيّة
مع شخص كان يجلس في ركن يتصفّح جريدة ويدخّن نرجيلة. إقتربت من رفيق بما
فيه
الكفاية وسألته عن هُويّة الشّخص الذي حيّاه فأعلمني بأنّه عون التّراتيب.
"...إنّه من يحجز بضاعتنا إن لم ندفع...لا تغترّ بالإبتسامة..."
مكره أخاك لا بطل
"العظّامة". هكذا يُلقّب باعة الوجبات الخفيفة
المتكوّنة من البيض وقليل من معجون الفلفل (الهريسة) وزيت الزيتون. تمثّل
هذه
المهنة مورد الرّزق للعديد من العائلات، حتّى أنّ البعض ورثها عن أبيه
ليستمرّ
فيها بدوره وليعيل عائلته من عائداتها. طاهر إبن الثامنة والعشرين، لم يخف
تشرّفه
بمهنته التي ورثها عن أبيه بل ودافع عنها قائلا :" لا مجال للمقارنة بين
الوجبة
"الطازجة" التي أقدّمها أنا بسعر مناسب وتلك التي تُقدّم في
المطاعم..." ويضيف..."الحدّ الأدنى من الإستفادة مضمون...خبز وبيض وزيت
زيتون".
كان رفيق منهمكا في مراقبة النرجيلة عندما لفت إنتباهه
حديثنا أنا وطاهر عن مقابل الإنتصاب لبيع الوجبات بساحة برشلونة، فضرب على
رجله
وقال " ذلك الشخص الذي يجلس في الرّكن والذي تبادلنا معه التّحيّة عند
دخولنا، ندفع له يوميّا ما بين الدّينارين والثّلاثة دنانير (1.5 دولار –
2.3
دولار) مقابل السّماح لنا بالإنتصاب وعدم
حجز بضاعتنا".
في نفس السّياق يقول طاهر بأنّه لو كانت الأمور تقف عند
دفع الدنانير الثلاثة، لدفعها يوميّا وعن طيب خاطر إذ أنّه مكره على دفع
رشاوى تصل
قيمتها يوميا العشرين دينارا (15 دولار) أحيانا، حتّى يُسمح له بالعمل.
عن إمكانيّة الحصول على عربات مهيّأة لبيع الوجبات
الخفيفة وتراخيص للإنتصاب بشكل قانونيّ يؤكّد طاهر، على إستحالة حصوله على
ترخيص
وعربة حتّى وإن صار إلى إعتماد ذلك، إذ أنّ المتنفّذين لم يتركوا مجالا
إلا
وشاركوا الناس – حتّى الفقراء منهم – فيه. "...فالأولوية ستبقى دائما لمن
يدفع بسخاء ومن يتعاون بالكامل ودون شروط، فيقوم بدور المخبر عن بائعي
المخدّرات
ومديري شبكات الدّعارة وغيرهم من مروّجي المحضورات.." الشيء الذي يرفضه
طاهر
وزميله.
في مقابل هذا الموقف الرّافض لأيّ تعاون مع من وصفاهما
"بالمضيقين عليهما"، فقد قبل أحد باعة السّجائر بساحة برشلونة عرض
"التحوّل
إلى مخبر" مقابل التّرخيص له ببيع بضاعته فتعرّض للتأديب لقبوله الوشاية.
ونحن نتجاذب أطراف الحديث، دخل إلى المقهى رجل ثلاثينيّ حيّانا جميعا ثمّ
توجّه
نحو عون التّراتيب. إنّه أحد الأعوان الجدد، حيث يتمّ تغييرهم من وقت إلى
آخر وذلك
ضمانا لعدم قيام علاقات شخصيّة بينهم وبين طاهر وزملائه.
6 أشهر سجنا من أجل سعيي لكسب قوتي
بالإضافة إلى العمل مع صديقه طاهر، فإنّ رفيق يمتهن
الإنتصاب في شوارع وأنهج العاصمة لبيع بعض البضائع والسّلع المختلفة. عن
مصدر
البضاعة يقول رفيق بأنّها من مدن الجنوب التونسيّة المحاذية لليبيا. وعن
المتنفّذين وشطحاتهم، يذكر رفيق أنّ أحد أعوان التّراتيب عرّفه بأحدهم
فإصطحبه في سيّارته
الفارهة إلى إحدى المحافظات القريبة من تونس العاصمة "...دخلنا مستودعا
فيه
أكوام من الأجهزة الإلكترونيّة : من الهواتف الجوّالة إلى أجهزة التلفاز
وعرض عليّ
التّوسّط له لترويجها..." يقول رفيق. لكنّ بائعنا المتجوّل فقير الحال،
الذي
فهم أنّ السّلع جزء من الحجوزات التي تقوم بها مصالح الجمارك، رفض عرض
المتنفّذ
معللا ذلك بأنّه ليس مستعدّا للتواطؤ مع هؤلاء المتعالين على القانون
والذين لا
يرمش لهم جفن عند الإستيلاء على متاع الغير.
في حادثة أخرى يروي رفيق، وعيناه تتابعان خروج عون
التراتيب من المقهى، أنّه قضّى 6 أشهر سجنا وذلك جرّاء إعتدائه على عون
تابع لأحد
الأجهزة قام بإحتجاز بضاعته – التي قدّرها بثلاثمائة دينار (230 دولار) –
بعد أن
حاول إرغامه على إرشائه بخمسة دنانير (4 دولار) لقاء السّماح له بالإنتصاب.
"تدفع تعمل...لا تدفع لا تعمل". كلمات يشترك في
ترديدها الباعة المتجوّلين هنا وهناك بإختلاف إختصاصاتهم. باعة لا يُخفون
تذمّرهم
من وضع يعيشونه لا ذنب لهم فيه سوى أنهم يسعون إلى كسب قوتهم. باعة
يتمنّون أن
تشرق شمس يوم فيجدون فيه أنفسهم قد تحوّلوا من الإقتصاد الهامشيّ إلى
الإقتصاد
الرّسمي.