القروض المتناهية الصغر، قضايا كبرى

والدن بيللو

ذي نيشن، ٢١ اكتوبر ٢٠٠٦.

منح جائزة نوبل لمحمد يونس، الذي يعتبر ابو القروض المتناهية الصغر، تأتي في وقت اصبحت فيه مثل هذه الاشياء عقيدة دينية للعديد من الاقوياء والاغنياء والمشاهير.  تتكلم هيلاري كلينتون بانتظام عن ذهابها الى بنجلاديش، موطن يونس، وعن "الالهام الذي غمرها بسبب قوة هذه القروض في تمكين حتى افقر النساء من بدء بزنس خاص بهن، يرفع مستوى عائلاتهن -- ومستوى مجتمعاتهن الصغيرة -- فوق حد الفقر".

مثل كلينتون الليبرالي، بول وولفوويتز من المحافظين الجدد، ورئيس البنك الدولي الان، امتلك ايضا عقيدة دينية، بعد رحلة قام بها مؤخرا للولاية الهندية اندرا براديش.  بحماسة من غيًر دينه حديثا، يتحدث بول وولفوويتز عن "القوة التحويلية" للقروض المتناهية الصغر: "اعتقدت انها ربما تكون مجرد مشروعا واحدا ناجحا في قرية واحدة، ولكن عندما ذهبت الى القرية التالية كانت هي نفس القصة.  في هذا المساء، التقيت مع اكثر من قيادة من قيادات النساء في جماعات المساعدة الذاتية، وادركت ان هذا البرنامج يفتح الفرص امام النساء الفقيرات وعائلاتهن في ولاية كاملة سكانها ٧٥ مليون مواطن".

ليس هناك شك ان يونس، عالم الاقتصاد البنجلاديشي، خرج بفكرة رابحة غيرت حياة ملايين عديدة من النساء الفقيرات، وربما لهذا وحده، هو يستحق جائزة نوبل.  ولكن يونس -- على الاقل يونس الشاب، الذي لم يكن يمتلك دعم المؤسسات الكوكبية عندما بدأ فكرته -- لم ير في بنكه جارمين علاجا شافيا لكل الامراض.  اخرون، مثل البنك الدولي، والامم المتحدة، ارتفعا به الى هذه المكانة (والبعض يقول، انهم اقنعوا يونس بذلك)، وتقدم فكرة القروض متناهية الصغر كمقاربة غير مؤلمة نسبيا للتنمية.  من خلال الياتها للمسئولية الجماعية عن سداد القروض بواسطة فريق من النساء المستدينات، قد سمحت القروض متناهية الصغر فعلا من انقاذهن من الفقر المدقع.  الا انه، الاقل فقرا بشكل رئيسي وليس الفقراء هم الذين استفادوا من هذه الفكرة، ولا يستطيع الكثيرون ان يقولوا ان هؤلاء الناس قد ابتعدوا بشكل دائم عن خطر الفقر المدقع.  وبالمثل، لن يدعي الكثيرون ان درجة الاكتفاء الذاتي والقدرة على ارسال الاطفال للمدارس التي توفرها القروض الصغيرة هي مؤشرات على تقدم الناس الى صفوف الطبقات المتوسطة ورفاهيتها.  وكما تلاحظ الصحافية الاقتصادية جينا نيف، "بعد ٨ سنوات من الاستدانة، ٥٥٪ من اسر جارمين ما زالوا غير قادرين على الوفاء باحتياجاتهم الغذائية الاساسية -- عديد من النساء يستخدمن قروضهن لشراء الطعام اكثر من استثمارها في بزنس".

فعليا، احد الذين درسوا هذه الظاهرة بالتفصيل، توماس ديتشر، يقول ان فكرة سماح القروض الصغيرة لمن يحصل عليها على الارتقاء من الفقر الى امتلاكه لعمل هي فكرة متضخمة.  فهو يرسم معالم القروض المتناهية الصغر: "يلوح ان الزبائن من اصحاب الخبرة الاكثر عمقا بدأوا في استخدام مواردهم الخاصة، ورغم عدم تقدمهم كثيرا جدا -- انهم لا يستطيعون تحقيق ذلك لان السوق هو سوق محدود ومقيد جدا -- فهم لديهم ما يكفيهم من العائد للشراء والبيع، ومن المحتمل انهم يستطيعون ذلك سواء بالقروض متناهية الصغر ام دونها.  بالنسبة لهم القروض غالبا ما يتم تحويلها الى الاستهلاك، حيث انهم يستطيعون استعمال قيمة القرض الكبيرة نسبيا، وهي رفاهية لا يتحصلون على مبالغ متوفرة مثلها فيما يتحصلون عليه من كسب عيشهم".  ويستخلص ديتشر: "بالتحديد، لم تحقق القروض المتناهية الصغر ما يدعيه الغالبية من المتحمسين لما تستطيع فكرة القروض المتناهية الصغر من تحقيقه -- تلعب دور الرأسمال المستهدف لزيادة عوائد نشاط اقتصادي جاري".

لذا فالتناقض الظاهري الكبير لفكرة القروض المتناهية الصغر، كما يضعها ديتشر، "هو ان افقر الناس يمكنهم تحقيق فائدة ضئيلة ما بهذه القروض، والافراد الذين يستطيعون الاستفادة منها باكثر ما يمكن هم هؤلاء الناس الذين لا يحتاجونها فعلا، ولكن مبالغ اكبر (وعلى فترات سداد اطول) بشروط ائتمان مختلفة".

بكلمات اخرى، القروض متناهية الصغر هي اداة عظمى كاستراتيجية للحفاظ على البقاء، ولكنها ليست مفتاحا للتنمية، التي لا تتضمن فقط استثمارا توجهه الدولة، وينفق فيه كميات كبيرة من الرأسمال المكثف لبناء صناعات ولكنها ايضا هجوما على هياكل التفاوت وانعدام المساواة مثل ملكية الارض المركزة التي تحرم بشكل منهجي الفقير من الموارد للهروب من الفقر.  مخططات القروض المتناهية الصغر تنتهي بالتعايش مع هذه الهياكل المتمترسة، وتخدم كشبكة امان من اجل الناس المستبعدين والمهمشين بهذه الهياكل نفسها، ولكنها لا تحول حياتهم.  لا، يا بول وولفوويتز، القروض الصغيرة ليست مفتاحا لانهاء الفقر بين الخمسة وسبعين مليون هندي في اوتار براديش.  انت تحلم.

ربما احد الاسباب لوجود مثل هذا الحماس للقروض المتناهية الصغر في دوائر المؤسسة هذه الايام هو انه آلية تقوم على اساس السوق التي تمتعت ببعض النجاح في حين تحطمت كل البرامج الاخرى التي قامت على اساس السوق.  برامج الاصلاح الهيكلي التي تروج لتحرير التجارة، وكسر اللوائح المنظمة لها والخصخصة تسببت في مزيد من الفقر وعدم المساواة لمعظم الاجزاء النامية في العالم طوال ربع القرن المنصرم، وجعلت من الركود الاقتصادي وضعا دائما.  عديد من المؤسسات التي دفعت وما تزال تدفع في اتجاه هذه البرامج الكبرى الفاشلة (احيانا تحت عنواين جديدة مثل "اوراق استراتيجية محاربة الفقر")، مثل البنك الدولي، هي غالبا نفس المؤسسات التي تدفع في اتجاه برامج القروض المتناهية الصغر.  وبرؤية اعرض، يمكن رؤية القروض المتناهية الصغر كشبكة امان لملايين الناس الذين زعزع استقرارهم بالفشل الاقتصادي الاكبر الذي تسببت فيه سياسات الاصلاح الهيكلي.  تحققت هناك مكاسب لتخفيف الفقر مثلما حدث في الصين واماكن اخرى قليلة، حيث، على عكس الاسطورة التي يصدقونها، السياسات الاقتصادية الكبرى التي توجهها الحكومة، وليست القروض المتناهية الصغر، كانت محورية في انقاذ حوالي ١٢٠ مليون صيني من تحت حد الفقر.

لذا من المحتمل ان افضل طريقة نكرم بها محمد يونس هو ان نقول، نعم، هو يستحق جائزة نوبل لتقديمه المساعدة للعديد من النساء لتحميهم من غائلة الفقر.  المادحون له ينزعون مصداقية هذا الشرف العظيم وينخرطون في مبالغات عندما يدعون انه قد ابتكر شكلا حميميا جديدا من الرأسمالية -- الرأسمالية الاجتماعية، او "البزنس الاجتماعي" -- الذي سوف يكون رصاصة سحرية لانهاء وجود الفقر وترقية التنمية. 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية