
حركة فلاحين بلا ارض: البناء الصعب
لعالم جديد
راؤول
زيبيتشي
4 اكتوبر 2006.
"تحطيم اسوار المزرعة الشاسعة
لم يكن في مثل صعوبة الحرب ضد ما جلبته الشركات المتعدية الجنسية من
تكنولوجيا"، هذا ما
كان يرويه هيولي بينما جلس في المطبخ يصب ماءا ساخنا على الشراب الذي كنا
نتشارك
فيه بينما ابنه يجول في المنزل. يقول
هيولي ان فلاحين حركة العمال الريفيين بلا ارض حلموا لسنين طويلة باستعادة
اراضيهم، ويعود ذلك لايمانهم ان الارض سوف تحل مشاكلهم: الطعام لاطفالهم،
وحياة
كريمة من خلال عمل شاق في مزرعة، تعليم وصحة واسكان.
رغم ذلك، يثبت الواقع انه اكثر صعوبة بكثير،
لان المفاجآت التي تنتظرهم لم يكن ليتخيلوها ابدا.
هيولي
زانج جزء من اسرة من 376 اسرة تشكل مستوطنة ابناء سيبيه، مقاطعة مساحتها
6000
هكتار في فياماو، تبعد 40 كيلومتر عن بورتو اليجري، عاصمة الولاية
الجنوبية ريو
جراند دو سول. تأسست المستوطنة في فبراير
1999، وهي مقسمة الى اربعة قطاعات حيث تنقسم الارض فيما يسميه الفلاحون
بلا ارض
قرى زراعية (اجرو فيلا): البيوت تقع في مكان ما مجمعة معا في مساحة بدلا
من بناء
بيت على رأس كل قطعة ارض لسكن اسرة فلاح.
هذا
الترتيب يضمن ان البيوت، المبنية بشكل متين من الخشب او الطوب، لديها
امداداتها من
الكهرباء ومياة الشرب، ينال فلاح هذه المستوطنات حياة يومية تشبه حياة
ساكن
المدينة المتوسط. يمتلك هيولي في بيته موقد
غاز اضافة الى موقد يعمل بالخشب، وثلاجة، وتليفزيون، وحاسب الي. هناك درب يصل المنطقة السكنية الى اقرب مدينة،
فياماو، اضافة الى مجموعات سكنية انفرادية، تبلغ مساحة كل منها حوالي 17
هكتار في
المتوسط.
تقع
المستوطنة تالية لارض محميات طبيعية مساحتها 2500 هكتار تسمى بانيادو دوس
باخيكوس،
موطن الاف من انواع الطيور والسمك والثدييات.
تروى المنطقة بالمسطحات المائية المحيطة بها، مما يجعلها
مناسبة فقط لزراعة
الارز، رغم انه بالقرب من منزل كل مستوطن مساحة كافية لزراعة الخضروات
واشجار
الفاكهة، ويربي كل واحد تقريبا الدجاج وبقرة لحليب اللبن او اثنتين. ويسمح ذلك بدرجة ما من الاكتفاء الذاتي فيما
يتعلق بالغذاء.
داخل
تلك المستوطنات تقوم منظمة العمال الزراعيين بلا ارض بتشغيل احد مراكزها
التدريبية، والتي تسع لسكن 120 شخص، بصف من حجرات النوم، وحمامات مشتركة،
ومعمل
كمبيوتر متصل بالانترنت، وقاعة طعام.
اثناء شهر اغسطس، بعض من 80 ناشطا من حوالي ستة بلدان
شاركوا في ندوة تقام
سنويا بواسطة وكالة التنسيق الفلاحية الامريكية اللاتينية (CLOC). القرية ذات الـ 1800 نسمة لديها مدرسة مسجل بها
230 طفل.
الارض
والارز
قبل
استقرار اعضاء منظمة العمال الزراعيين بلا ارض في مكانهم الحالي، عاشوا
حوالي
اربعة سنوات على حواف الطرق البرية السريعة في البرازيل في مساكن حقيرة من
الخيش
الاسود، يكابدون البرد القارس اثناء الشتاء ويختنقون من درجات حرارة الصيف. مفاوضاتهم مع السلطات منحتهم سبل للحصول على
الارض التي يعيشون عليها الان، وهي اكبر قطعة ارض استوطنوا عليها في
الولاية. عزم العمال الزراعيين على خلق عالم
جديد من اجل
انفسهم، وليس فقط من اجل الحصول على قطعة ارض لزراعتها، كانت علامة هذا
العزم هو انهم
قرروا خلق قرية زراعية. كثير من
المستوطنات شيدت منزلا على رأس كل قطعة ارض، وهو اختيار يخلق تقريبا مشاكل
سياسية
واجتماعية لا يمكن التغلب عليها. ليس فقط
تقريبا لاستحالة توصيل المياة والكهرباء لكل السكان (بسبب المسافات
الشاسعة بين
البيوت)، ولكن فكرة ان تعيش في مجتمع تقريبا ليس محل سؤال، وهكذا تعلو
فردية
الفلاحين وتعرقل اي محاولة لخلق انواع مختلفة من المجتمعات.
اي
زائر يستطيع تدبير الوصول الى ارجوفيلا، ببيوتها الجميلة البسيطة، وقطع
الارض
المزروعة المتناثرة، وتنسيق الزهور الملونة، والحيوانات المنزلية ترعى في
الشمس
صائحة، يستطيع هذا الزائر ان يرى منشأة زراعية يمضي فيها كل شيء بنعومة
وسلاسة. وليس هناك اي مزيد لا ينبع من
الحقيقة. مستوطنة ابناء سيبيه تواجه نصيبها
من المشاكل،
على الاغلب المشاكل التي تنبع من الازمة الكوكبية للمزارع الصغير الذي
ينافس
التوسع القوي للبزنس الزراعي الذي تقف الكوربوريشن المتعدد الجنسيات خلفه.
احد
المشاكل الاولية تتبدى بداية من بداية اختيار خلق قرية ريفية نفسه. غالبا، قطع الاراضي الفردية ينتهي بها المطاف
لان تكون بعيدة عن المناطق السكنية، احيانا تبعد حوالي 10 الى 13 كيلومتر. "يتسبب هذا في ان تترك بعض العائلات
الزراعة كلها وبدلا من ذلك تمنح اراضيها للانتفاع بواسطة مستوطنات اخرى"،
هذا
ما يقوله هيولي، والذي لم يخجل من الاسئلة.
من اجل مواجهة هذه المشكلة التي تواجه القرية الريفية،
طوال السنوات
القليلة الماضية حركة الفلاحين بلا ارض نفذت تخطيطا جديدا للمستوطنات. تم تجميع وحدات تتشكل من 15 الى 20 عائلة معا
وتم تخطيط الارض على شكل مثلثات رؤوسها تلتقي معا في منطقة مركزية. بهذه الطريقة اصبحت المنازل كلها قريبة من
بعضها البعض وقريبة من قطع الاراضي نسبيا.
وهذا بالطبع يقلل من كثافة سكان المستوطنات من معدل 100
عائلة الذي اصطلح
على تسميته "نواة اسكان"، الى معدل لا يزيد عن 20 عائلة كمجموع.
ولكن
ربما المشكلة الاخطر هي اعتمادهم على الشركات المتعددة الجنسيات التي تفرض
اسلوبا
في الزراعة يقوم على الاستخدام الكثيف للمبيدات الزراعية.
"مونسانتو تجلب لنا عبوات التكنولوجيا،
ومبيدات الاعشاب والمبيدات الحشرية، بكلمات اخرى المواد السمية، ثم بعدها
يوردون
لنا الارز. على مجرى الزمن، نتحول من
الاعتماد على نخبة مالكي الاراضي الى الاعتماد على الشركات المتعددة
الجنسيات التي
تمتلك التكنولوجيا. نستطيع فقط الخروج
بنتيجة انه رغم مجهوداتنا، لم نتحرك للامام بعد، واننا كافحنا لسنين لنصبح
في حالة
تبعية جديدة، وفي لحظة نقوم بتسميم عائلاتنا وشعبنا الذين يستهلكون الارز
الذي
نزرعه"، هذا ما يقوله هيولي.
كفاح
بلا نهاية
من
اجل تجاوز هذه العوائق، اختار المستوطنون الزراعة البيئية.
في المستوطنة، يزرع 1600 هكتار زراعة
"بالطرق المتعارف عليها" (اي، بالمبيدات الحشرية)، ولكن بعد جدل داخلي
شديد، قرر المجتمع المحلي ان يكون لديه نواة صغيرة من الزراعة العائلية
العضوية
للارز. في العام الماضي، زرعت 29 عائلة
120 هكتار (تقريبا نصف ميل مربع) دون كيماويات وشكلوا جمعية لمنتجي الارز
والسمك. ولأنهم يشتغلون حيث توجد وفرة من
المياة، كانوا قادرين على انتاج السمك، على تنويع انتاجهم.
في تلك السنة، انتجوا 6000 جوالا من الارز
العضوي وبيع الانتاج لغذاء المدارس في مدينة فياماو، التي يحكمها حزب
العمال. هذا العام، 35 عائلة تشاركت،
ويأملون في زراعة
150 هكتار وانتاج 10000 جوال.
لقد
اكتشفوا ان زراعة الارز العضوي ليس فقط مربحا، ولكن انتاجيته في الهكتار
تبلغ
بالضبط ضعف انتاجية الارز المزروع بالكيماويات.
لقد استرجعوا ونفذوا تقليد الفلاح القديم باعداد الارض عن
طريق البط. "البط يأكل كل العشب تماما،
وينظف الارض
احسن كثيرا مما يستطيعه مبيد الاعشاب الكيماوي، اضافة الى ان البط يترك
الارض
مسمدة ببرازه. نترك البط هناك لمدة شهور
ليقوم بكل مراحل الاعداد. بعدها، عندما
يحين اوان زرع الارز، نحملهم خارج الارض وإما نبيعهم او نأكلهم"، هكذا قص
علينا هيولي الرواية مع ابتسامة عريضة.
الزراعة بطريقة عضوية تعطيهم بذورهم واحتياجاتهم الخاصة،
لذا حتى ينتجون هم
لا يعتمدون على السوق، واضافة الى ذلك هم يحسنون من صحة كلا من المنتجين
والمستهلكين.
ومع
ذلك، هم يواجهون مشكلة التراخيص. في
البرازيل هناك ثلاث انشطة اعمال فقط تستطيع ترخيص الاصل العضوي، وكلهم
متصلين
بالشركات المتعددة الجنسيات. "مرة
اخرى نخوض مع نفس العدو"، يستمر هيولي في كلامه. ولكن
ما يغضبهم اكثر ما يكون الغضب هو ان
"مانح الترخيص" يزور المستوطنة مرة واحدة فقط في العام، ويفرض عليهم
الاف الدولارات، ولا يتحرى عملية الزراعة نفسها، وهي الحقيقة التي تسمح
لأي منتج
"عضوي" ان يستخدم الكيماويات ويستمر في استلام بطاقة انه عضوي. لمواجهة هذه المشكلة الغير متوقعة، تتعامل
الحركة مع امكاني خلق فريق "ترخيص مجتمعي"، والذي سوف يسمح لهم بتفادي
التعامل مع الشركات المتعددة الجنسيات.
اضافة
لذلك، المستوطنون يشتكون من ان الدولة والحكومات الفدرالية لا توفر تمويلا
ائتمانيا للانتاج الزراعي البيئي.
باختصار، انهم يواجهون سلسلة كاملة من المشاكل، وفي كل مرة
يتغلبون على
احدى حلقاتها، يدخلون في مشكلة جديدة في النهاية هي نفسها: سيطرة الشركات
الكبرى
المتعددة الجنسيات على التكنولوجيا الزراعية التي تسمح لهم باستغلال
الفلاحين. تطوير التكنولوجيا الجديدة
والسيطرة عليها بواسطة الشركات المتعددة الجنسيات جعلت من الممكن ممارسة
انواع
جديدة من الظلم. بينما لم يعد ينقص
الفلاحين وسائل الانتاج، والسيطرة على نسق عملهم، واساليب عملهم، هيمنة
الشركات
المتعددة الجنسيات تتخذ نوعا "غير مادي"، تتمركز في السيطرة على المعرفة
وعلى السوق من اجل تعظيم تراكم ارباحها.
يفسر هيولي كيف ان سعر الارز يستمر في الهبوط، حتى ان 1600
هكتار ارز لا
تكفي حتى لبقاء الفلاحين المستقرين بعيدا عن الارض.
قبل
ان اغادر المستوطنة، سألناه عن مصدر دخل فلاحين ابناء سيبيه.
هناك ثلاثة مصادر: حدائق الخضروات العائلية،
الارز، والعمل في البلديات المجاورة، حيث تستخدم النسوة كعاملات نظافة
والرجال
كعمال بناء. "ما هي النسب التي
تشكلها مصادر الدخل هذه من انواع العمل هذه؟" كان هذا سؤالنا اليه. هيولي لم يستطع ان يتفادى نظرة الحزن:
"لسوء الحظ، معظم دخلنا يأتي من العمل في النظافة وفي البناء. ذلك هو السبيل الى ذلك".
الكفاح
من اجل الارض انقلب الى امر اكثر تعقيدا مما يستطيع اي شخص ان يتصوره. ربما النصر الاكبر لهؤلاء المحرومين من الارض
هو ان الفلاحين يمكثون في مستوطناتهم بدلا من الانضمام الى حزام المدن
العشوائية
للفقر الذي نراه حول مدن البرازيل الكبيرة.
الباقي هو الكفاح الدائم والذي لا ينتهي.
انه اكثر تعقيدا من الكفاح من اجل الارض، حيث ان الرأسمال
قد اظهر قدرته
على تحويل نفسه للسيطرة على اليات الهيمنة، في تلك الحالة محسوسا بشكل
اقل، ويكاد
يكون غير مرئيا. سوف يستغرق ذلك تدريبا
وتعليما دائما، الذي اصبح ادوات لا غنى عنها في الكفاح.
راؤل
زيبيتشي هو عضو هيئة تحرير الصحيفة الاسبوعية بريكا دا مونتفيديو، وهو
استاذ وباحث
في الحركات الاجتماعية في مؤسسة مالتفيرسيداد فرنسيسكانا دا امريكا لاتينا
ومستشار
للعديد من المنظمات القاعدية. هو مساهم
شهري في www.americaspolicy.org