حروب داخلية ام حروب بالوكالة

سبلنجر
5 ديسمبر 2006.

تعني الكلمات غالبا عكس ما تبدو عليه في الشرق الاوسط.  عندما طالب الملك عبدالله ملك الاردن بحل سريع للقضية الفلسطينية الاسرائيلية لاخماد انفجار الحروب الاهلية المتعددة في المنطقة، كان يعني عكس ذلك بالضبط: هناك شيء ما ملح في عقل العالم العربي اكثر الحاحا من نكبة الفلسطينيين.  ظهور التهديد الايراني ضد المملكة العربية السعودية يجعل من فلسطين بلدا غريبا.  سقطت المشكلة الفلسطينية الى قاع قائمة الاولويات العربية، وبات مصير الفلسطينيين وقودا لمدافع حروب الوكالة.

وتحت نفس الرمز، تحذير الملك عبدالله من الحروب الاهلية المتعددة كان يعني عكس ما يبدو عليه.  ما كانت عليه الحروب الاهلية سابقا (او الحروب الاهلية في المنظور) في العراق ولبنان وفلسطين قد اصبحت ثلاث جبهات في حرب السنة والشيعة، المتحاربون المحليون فيها هم مجرد وسطاء.  هذا يبدو جليا في لبنان، وهذا ما اصبح عليه الحال في فلسطين، خصوصا بعد لقاء رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية مع الرئيس الايراني محمود احمدينجاد في قطر السبت الماضي.

وكما لاحظ المؤرخ نيال فيرجسون في عموده الصحفي بلوس انجيليس تايمز في السابع والعشرين من نوفمبر، "بعض الحروب الاهلية لا تنتهي ابدا"، رغم انه اهمل اضافة السبب في تلك الحالة: والسبب لأن شخصا ما في الخارج يستمر في سكب الزيت على النار.  النموذج الكلاسيكي على ذلك هو الحرب الاهلية الالمانية العظمى، المسماة حرب الثلاثين عام من 1816 حتى 1848.  الالمان الكاثوليك والبروتستانت، بقوة متعادلة تقريبا، نحروا بعضهم البعض عبر جيلين لان فرنسا حولت خلسة مواردا لأي طرف بدا مرجحا انه سيجتاح الاخر.  ولقد ناضلت لسنوات قائلا ان الولايات المتحدة في الاخير سوف تتبنى مذهب الحروب الخالد الذي افاد الكاردينال ريشيليو جيدا وجعل فرنسا سيدة اوروبا لقرن من الزمان (انظر مقالي في 14 مارس، كيف تعلمت ان اتوقف عن القلق وان احب الفوضى).

كتب هاينريش هاين "هناك نوعان من الفئران: الفأر الجائع والفأر السمين".  الخط الفاصل بين الايرانيين الجوعى والسعوديين السمان قد يأخذ سوابقه من الانقسام الحضاري بين المسلمين والغرب، على الاقل في الوقت الحاضر.  وهذا هو السبب في اعادة اكتشاف الاسرائيليون لخطة السلام السعودية عام 2003.  هددت المملكة السعودية بالتدخل لصالح المنكوبين السنة في العراق، وايران (من خلال حزب الله) تسعى للاطاحة بحكومة لبنان المتحالفة مع السعودية، اضافة الى الهيمنة على جناح الرافضين الفلسطينيين.

ايران، كما حذرت في 13 سبتمبر 2005، سوف تعاني قريبا من نقص في البترول وفي الجنود (مؤشرات سكانية ومخططات ايران الامبراطورية).  قد تنهار صادراتها البترولية الى الصفر خلال عشر سنوات، طبقا لدراسات جديدة روجعت في مطبوعة بزنس ويك في 11 ديسمبر.  تبدو ظروف ايران ضاغطة اكثر مما كنت اعتقد من سنة مضت، عندما كان الاحصاء يعطي ايران قيمة 20 سنة اخرى من صادرات البترول.  بعيدا عن البترول، ايران تصدر فقط فواكه مجففة، والفستق، والسجاد والكافيار، ومؤخرا جدا، الموامس (الجهاد والعاهرات، 21 نوفمبر). 

تتلمظ ايران جوعا الى احتياطات النفط في جنوب شرق العراق، وازربيجان الجنوبية، وشمال غرب المملكة السعودية.  بمعدل 30% شباب عاطلون عن العمل، وتضخم 10%، وانتشار وبائي للدعارة وادمان المخدرات، يعتمد النسيج الاجتماعي الايراني المتهالك على مخصصات حكومية تصرفها الحكومة مستقطعة من عائدات النفط.  خلال جيل واحد، سوف يكون لدى ايران نصف عدد الرجال الحالي من الشباب في سن التجنيد العسكري، واربع مرات عدد من يحتاجون الى معاشات تقاعد الان.  وكما يتصور حاليا، تواجه ايران انهيارا اقتصاديا وسكانيا فعليا.  لو انخفضت صادرات ايران من النفط بمقدار السبع سنويا، كما نشر تقرير البزنس ويك، فهذا التصور قد يحدث قريبا وليس آجلا.  نظام حكم رجال الدين هو وحش مجروح وخطير، مؤهل للخروج والقنص خارج ممتلكاته الخاصة به.

تهديد المملكة السعودية شبه الرسمي بالتدخل في العراق يجب قراءته في ضوء ذلك.  في 28 نوفمبر، المستشار الاستراتيجي السعودي، نواف عبيد، حذر في الواشنطن بوست من "تدخل سعودي كثيف لوقف ميليشيات الشيعة التي تدعمها ايران من ذبح العراقيين السنة"، لو احتاج الامر الى ذلك.  واضاف عبيد، "من الاكيد، اشتراك السعودية في احداث العراق يحمل مخاطر عظيمة – قد يطلق شرارة حربا اقليمية".  "ولو حدث ذلك: نتائج عدم الفعل سوف تكون اسوأ كثيرا".  انا لا اعني التقليل من شأن احتفال السعوديين بسلامة اوضاع السنة، ولكن ما اعنيه ان المملكة تواجه تهديدا لوجودها ذاته.

وبفضل صنداي تايمز اللندنية عرفنا ان الامير بندر بن سلطان، اكثر المسئولين السعوديين قربا للادارة الامريكية، تقابل مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت في اوائل سبتمبر الماضي.  في اواخر اكتوبر، المسئولون الاسرائيليون، بدءا من وزير الدفاع عمير بيريتس، صرح بأن خطة السلام السعودية عام 2003 تعتبر "اساسا ممكنا للقيام بمفاوضات".  تلك الخطة تكاد تبلغ مكانة الاعتراف باسرائيل من قبل المملكة السعودية والدول العربية الاخرى في مقابل انسحاب اسرائيل الى حدود 1967.  كل ذلك حدث قبل انتخابات الولايات المتحدة وظهور مجموعة جيمس بيكر- لي هاميلتون لدراسة الحالة العراقية.

عند ميزان ذلك يجب ان يكون الاسرائيليون مسرورين من هذه التطورات.  وكما كتبت ديانا ويست في عمودها بتاون هول في الاول من ديسمبر، "تخيل: العربية السعودية السنية في مقابل ايران الشيعية – وجندي امريكي يؤمر ان يسحب ختمه [السليم سياسيا] في وسط التراشق بالنيران".  بشكل اكثر دقة، لدى ايران نفوذا كافيا بين الفلسطينيين تضمن به ان حماس سوف ترفض حكومة وحدة وطنية فلسطينية، تاركة لاسرائيل ساحة خالية بلا احد للتفاوض معه، ونسبيا يد طليقة للقيام بإغارات من وقت لاخر.  تستطيع اورشاليم ان تمد يد بالسلام نحو السعوديين ويد تبطش بحماس حليفة ايران من الناحية الاخرى.

سوف تنجح حرب استنزاف طويلة ضد ايران اذا لم تكسر ايران حلقة الحصار من حولها، وهو عمليا يعني الحصول على سلاح نووي.  لو بدا انها قريبة من تحقيق هذا الهدف، سوف تهاجم اما الولايات المتحدة وإما اسرائيل المنشآت النووية الايرانية.  لكن لو الغرب اضافة الى السعوديين كانوا على ثقة من ان الاسلحة النووية ابعد من ان تصل اليها يد ايران، استراتيجية ريشيليو للاستنزاف الدموي البطيئ قد تكون هي السلاح الفعال فقط.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية