قوى كبرى اخرى والعراق

ستيفان شالوم

30 نوفمبر 2006.

شالوم: بالعودة الى فبراير 2003، عندما كانت قوى انصار الحرب في الولايات المتحدة تتخلص من كل نبيذها الفرنسي وتعيد تسمية المحمرات الفرنسية لأن فرنسا لم تكن تتعاون معهم في مجلس الامن، كثير من الناس في الحركة المناهضة للحرب كانوا يهللون نوعا ما لفرنسا والمانيا والروسيا، وحكومات اخرى عارضت الحرب.  الى اي درجة يمكن الاعتداد بمواقف تلك الحكومات؟

شومسكي: درجة الاعتداد بمواقف تلك الحكومات تقريبا صفر.  العاقل من النشطاء المناهضين للحرب لا يتحالف مع حكومات.  شيء ما هام في مواقفهم تلك – بالاسم، كان هناك سبب واحد وراء ادانتهم بمرارة شديد بواسطة النخب الامريكية: كانوا يتمتعون بشروط دنيا من الديموقراطية.  مهما كان اي سبب – لوم ذاتي صرف، في الحقيقة – لقد كانت هذه الحكومات تتصرف بالطريقة المفترض ان تسلكها اي حكومة ديموقراطية.  باختصار، كانوا يستجيبون لارادة الاغلبية الكاسحة من سكانهم.  موقف الحركة المناهضة للحرب ينبغي ان تكون انه من الجميل ان تلك الحكومات تنصت لصوت سكانها، مهما كانت اسباب ذلك، ولكننا بالتأكيد لن نتحالف معها، او نمنحها اي ثقة.  ما حدث هنا كان اثار العجب تماما، ولكن تم تجاهله بشكل اساسي.  انا لا استطيع تذكر اي استعراض للكراهية والازدراء للديموقراطية على درجة من التطرف مثل ما حدث في تلك الشهور بالولايات المتحدة، وبدرجة مساوية جدا عبر الطيف بأكمله.  لقد كانت هناك ما اسماه رامسفيلد "اوروبا العجوز" و"اوروبا الجديدة".  طبقا لتعريفه، تم تمييز الحكومات الاوروبية بمعيار حاسم جدا: تتكون اوروبا العجوز من البلاد التي اتخذت فيها الحكومات نفس الموقف الذي اتخذته اغلبية ساحقة من قطاعات السكان؛ اوروبا الجديدة – "امل الديموقراطية" – هي الحكومات التي لم تلق بالا لنسب اكبر من سكانها.   بعض هذه الحكومات كانت تقريبا مضحكة، مثل ما دعي رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني الى البيت الابيض كممثل للامل في الديموقراطية.  انت لا تعرف هل تضحك ام تبكي.  ولكن اسوأ حالة كانت حالة خوسيه ماريا اثنار، رئيس الوزراء الاسباني.  كم هلل بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير لأثنار بوصفه أمل للديموقراطية التي جلبها لقمتهم في جزر الازور، حيث اعلنوا بشكل اساسي قرار الحرب قبل الغزو باسبوعين.  اثنار انضم الى اعلان الحرب هذا مباشرة بعد استطلاع رأي في اسبانيا اظهر ان تلك الحرب يدعمها 2% من السكان، لذا هو الامل العظيم في الديموقراطية [1].  كان مستعدا لاتباع اوامر كراوفورد، تكساس، باثنين في المائة من السكان المؤيدين له.  ماذا يخبرك ذلك عن الاتجاهات الديموقراطية؟

بعض هذه الاتجاهات يصبح سرياليا.  الحكومة التركية، لدهشة جميع الناس، ومن ضمنهم انا شخصيا، عندما تماشت مع 95% من سكانها ورفضت السماح للولايات المتحدة ان تقوم بهجومها من داخل تركيا، ادينت الحكومة التركية بمرارة لنقص مؤهلاتها الديموقراطية – كانت تلك هي العبارة التي استخدمت – لانها سارت مع 95% من الرأي العام.  الحمامة الكبيرة، وزير الخارجية كولن باول، اعلن فورا انه من المحتم ان نفرض عقوبات على تركيا [2].  اقصى تطرف كان مساعد وزير الدفاع السابق بول وولفوويتز.  انه الشخص الذي يعرف في الولايات المتحدة، والى اقصى حد علمي، وسائل الاعلام الاوروبية كقوة رائدة في ترويج الديموقراطية – "رئيس اركان المثاليين"، كما اطلقت عليه الواشنطن بوست [3].  وبخ وولفوويتز الجيش التركي لعدم التدخل من اجل اجبار الحكومة لتجاهل 95% من السكان؛ ولقد امرهم اساسا بالاعتذار للولايات المتحدة" [4].  ومن المفترض ان تلك هي الديموقراطية.  ومضت تلك المسخرة، دون تعليق.  حقيقة ان شخص يستطيع التحدث عن ترقية الديموقراطية، بعد هذا العرض، هو امر يصيب المرء بالدهشة.

وهذا ما يجب ان تؤكد عليه الحركة المناهضة للحرب.  ولو كان هناك زوج من الحكومات لاسباب تتعلق بدوافع ذاتية مفرطة صادف انهم اتفقوا مع اغلبية السكان واتخذوا موقفا صحيحا، جميل، ولكن هذا هو منتهى الامر، ولا مزيد مما يمكن ان يقال عن هذه الحكومات.  غدا سوف يتخذون مواقف عكسية، لانهم يتصرفون انطلاقا من دوافع انانية مفرطة – مصالح السلطة – على اي حال.

اشقر: نعوم على حق تماما في التشديد على اهمية هذه السمة في زماننا.  هناك اتجاه عام على مستوى وسائل الاعلام السيارة لمديح هؤلاء السياسيون الحكام الذين يحكمون دون اي اعتبار لاستطلاعات الرأي العام؛ انهم يعتبرون ذلك فضيلة عظيمة.  ولكن خلف ذلك تكمن الفكرة الشديدة النخبوية، مزروعة ايضا في نفس مفهوم "الديموقراطية التمثيلية" في حد ذاته، "اي، بمجرد انتخابك، النائب حر في صنع ما يريده، حتى ولو ضد الارادة الجماعية لمن انتخبوه.  ولكني يجب ان اقول انه في حالة الحكومات الثلاث التي ذكرناها – فرنسا والمانيا وروسيا – لم يكن نابعا بالتأكيد من اي اعتبار للديموقراطية انهم كانوا ضد الحرب.  لا اريد ان اتتم كلامي بالحكومة الروسية.  ولكن حتى الحكومة الفرنسية او الالمانية لم تتردد اي منهما في اتباع اكثر السياسات النيوليبرالية كراهية على المستوى الشعبي واعتداءا على المكاسب الاجتماعية.  في قضية العراق، دوافعهم كانت بالتحديد لم تكن اي مبادئ ديموقراطية: كانوا يراهنون على اعتبارات اكثر كثيرا على الارض.

العراق بلد يلتقي على ارضه صدام مباشر بين المصالح، وبمعنى اقتصادي اولي جدا، بين الولايات المتحدة وبريطانيا، من ناحية، وبين فرنسا وروسيا – ويستطيع المرء ان يضيف اليهما الصين – من ناحية اخرى.  كان الاتحاد السوفيتي وفرنسا شركاء اساسيين لصدام حسين لسنوات عديدة، يزودونه بالسلاح.  فرنسا، خصوصا، كانت المساند الرئيسي التي تدعم صدام حسين بالسلاح في حربه ضد ايران.  ورغم التواطؤ الروسي والمشاركة الفرنسية في حرب 1991 على العراق، حاول ان يستمر صدام حسين في شراكته التقليدية مع فرنسا ومع روسيا، اثناء سنوات المقاطعة الامريكية، لترجيح كفته في مواجهة الثقل الامريكي والبريطاني في مجلس الامن.  منحت الشركات الفرنسية والروسية امتيازات نفطية هامة كانت مشروطة برفع المقاطعة.  وهذا هوالسبب في ان باريس وموسكو غيرت اتجاههما في نفس النقطة، في محاولة لايجاد مخرج من اجل رفع الحصار، وتم قطع الطريق على محاولاتهما بواسطة واشنطن ولندن.  الرفض الامريكي والبريطاني لرفع الحصار – اي، السماح برفع الحصار اذ وعندما يقرر مفتشو الامم المتحدة ان العراق قد تم نزع سلاحه – شعرت به عن حق كل من باريس وموسكو كرفض للسماح لهما بالحصول على ميزة الامتيازات البترولية التي سبق وأن منحت لهما.  ولقد رأت كلا من موسكو وباريس كثيرا في تصميم واشنطن ولندن على غزو العراق كرغبة من الاخيرتين في اختطاف الجائزة منهما.  فعليا واحد من اولى الاجراءات المعلنة بعد الغزو كان اعتبار كل التعاقدات الممنوحة بواسطة صدام حسين على انها لم تكن او غير ملزمة.  لذلك كان هذا هو السبب الاكبر في معارضة باريس وموسكو لهذه الحرب.  لو كانت ادارة بوش اعطت لهم شريحة رقيقة من الكعكة، انا متأكد انهم كانوا سوف ينضمون لها.  ولكن ادارة بوش كانت على درجة من العجرفة بحيث لم ترغب في منحهم اي شيء يحتفل به، وهذا هو السبب في انهم احتفظوا بمعاداتهم للحرب حتى النهاية.

في الحالة الالمانية، لم تكن هناك مصالح اقتصادية مباشرة محل مراهنة.  على الاحسن، لو كان المرء كريما مع المستشار الالماني جيرهارد شرودر، يستطيع المرء ان يخلع عليه بعض الاهتمام بالاعتبارات الجيوبوليتيكية العليا – على سبيل المثال، لنقول ان لديه بعض الاهتمام حول حقيقة ان الولايات المتحدة يجب الا كل موازين اوروبا – ويستطيع المرء ان يربط ذلك ايضا بالعلاقة الوطيدة جدا التي كان ينميها مع بوتن، والصفقات التي كانت تبرم من اجل خط انابيب الغاز من روسيا الى المانيا عبر بحر البلطيق.  ولكن ذلك سوف يكون تقييما كريما لدوافع شرويدر.  ولو اراد المرء ان يكون اقل كرما، يستطيع المرء فقط ان يشدد على ان هناك جرعة كبيرة، ليست من الديموقراطية، لكن من الانتهازية الانتخابية، خلف موقفه، لان التحضير لغزو العراق قد بدأ في وقت كان المستشار الالماني يعتبر في اغلب التقديرات خاسرا في الانتخابات القادمة، بسبب برنامج الاجتماعي النيوليبرالي، الذي سبب تردد الناخبون التقليديون للاشتراكية الديموقراطية في منح دعمهم له، ولذلك، القضية الجماهيرية الوحيدة التي يستطيع العثور عليها كانت المعارضة للحرب، في وقت كانت الاستطلاعات تظهر فعلا ان الاغلبية العظمى من الرأي العام الالماني معارضة للحرب.

حكام مثل شيراك وبوتن وشرويدر يجب الا ينظر اليهم ابدا كحلفاء من قبل الحركة المناهضة للحرب، خصوصا انهم انفسهم صقور صناع حروب عندما تعرض مصالحهم للخطر.  القوات الروسية تشن حرب شبه تطهير عرقي مرعبة في الشيشان.  الحكومة الفرنسية ما زالت تعتبر نفسها قوة استعمارية في افريقيا، وتتصرف بهذا المعنى.  دون ذكر حقيقة ان كلا من فرنسا والمانيا متورطتان في افغانستان، بالاشتراك مع القوات الامريكية.  يجب ان نضيف الى ذلك انه رغم عدم دعم باريس ولا برلين لغزو العراق سياسيا، عندما نتحدث فنيا فقد قاما بكل ما يستطيعانه لتيسير هذا الغزو.  الالمان، طبعا، بترك البنية التحتية للعسكرية الامريكية القاطنة على اراضيها السيادية تستخدم لهذا الغرض [5]، والفرنسيون بفتح مجالهم الجوي امام الطائرات الحربية الامريكية.  لذا لا يجب ان تستغفلنا مثل هذه الحكومات.  الحركة المناهضة للحرب، على الاقل القطاعات الاكثر ديناميكية، تتصل بشدة مع حركة العدالة الكوكبية، وانا اعتقد ان تلك هي تركيبة طيبة جدا لانهما واجهتان لنفس الحقيقة.  معارضة للحروب الامبراطورية وللنيوليبرالية.

شومسكي: يمكنني اضافة تعليقا موازيا عن الاتجاهات الامريكية.  انا لا اعتقد انها مجرد عجرفة؛ الولايات المتحدة لها مصلحة حقيقية في تدمير فرنسا والمانيا، لانهما المركز الصناعي والتجاري والمالي لاوروبا.  البقية هي نوع من الاطراف.  لدى الولايات المتحدة من زمن حتى الان قلق عميق يعود الى خلال الاربعينات بأن اوروبا قد تكتشف مسارا مستقلا لنفسها.  وهذا احد الاسباب في قلقهم العميق تجاه الرئيس الفرنسي شارل ديجول، ونداءه من اجل اوروبا من الاطلنطي الى الاورال.  والقوى التي قد تدفع اوروبا في هذا الطريق هي "اوروبا العجوز".  وهذا احد الاسباب التي تجعل الولايات المتحدة تفضل توسيع الاتحاد الاوروبي ليشمل الدول السابقة التابعة للاتحاد السوفيتي، والتي تفترض في سعادة انها تسيطر عليها.  وهذا هو واحد من الاسباب ايضا الذي يفسر ان صناع السياسة الامريكيين يدعمون دخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي – ليس بسبب انهم يحبون تركيا ولكن لان تلك هي طريقة اخرى لتذويب نفوذ القطاعات الاقوى في اوروبا وضمان، كما يأملون، ان اوروبا سوف تظل تحت السيطرة الامريكية.  ومهما كانت المواقف التي اتخذتها المانيا وفرنسا في الحرب على العراق، سوف يظل هذا دائما.

وهذا ايضا ما حدث في 1990 عندما وافق الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف على السماح بتوحد المانيا، هذه الوحدة من وجهة النظر الروسية كانت تهديدا هائلا.  وليس مثل الولايات المتحدة، روسيا لديها هموم امنية حقيقية.  المانيا وحدها دمرت عمليا روسيا مرتين في النصف الاول من القرن العشرين.  لهذا المانيا الموحدة يتم دمجها في تحالف عسكري غربي كان تهديد هائلا.  لذا وافق جورباتشوف على توحيد المانيا، ولكن بشرط وحيد: يأخذ وعدا حازما من بوش الاب ان الناتو لن يتوسع ناحية الشرق.  خلال عامين، مع ذلك، نكص كلينتون التزامه ورجع عنه، ووسع الناتو الى الشرق، الى حدود روسيا مباشرة.  ردت روسيا، كما تتوقعون، بالبدء في زيادة طاقتها العسكرية الهجومية.  كانت روسيا تضغط بشدة وقوة من اجل الغاء الاسلحة النووية، وقد اعلنت – بينما لم يعلن الناتو ولا الولايات المتحدة شيئا – انها لن تكون الدولة الاولى التي تستخدم السلاح النووي.  بعد نكوص كلينتون عن وعده الخاص بالناتو، تراجعت روسيا عن تحركاتها واتجهت نحو اتجاهات اكثر عسكرية، واتخذت وضعا هجوميا، وامتدت اكثر في ظل بوش الاب.  تلك هي تطورات هامة جدا وهي جزء من الخلفية للهستيريا حول اوروبا القديمة واوروبا الجديدة.  اوروبا الجديدة هامة بالنسبة للولايات المتحدة كطريقة لتدمير الاستقلال الاوروبي.

اشقر: انا اتفق تماما.  يجب ان نشدد ايضا على حقيقة انه في اوروبا الجديدة الرأي العام كان ضد الحرب بأغلبية كاسحة، حتى اكثر من الاغلبية التي كان عليها في اوروبا القديمة!

شومسكي: المكان الوحيد الذي وصلت فيه المشاعر المناصرة للحرب نسبة 10% كان في رومانيا [6].

اشقر: لذا حكومات اوروبا الجديدة هي التي احتقرت آراء سكانها باكثر ما يمكن.

شومسكي: ولكنها حكومات خاضعة ومطيعة للولايات المتحدة عندما تقوم بتذويب الاستقلال الاوروبي.

ملاحظات
 1. Agence France Presse, "Majority of Spanish Against War on Iraq," February 22, 2003. According to this article, 2.3 percent supported a war waged by the United States and its allies without UN authorization (the actual war that was waged), 11.8 percent opposed war unless there was UN authorization, and 84.7 percent opposed war in all circumstances. 
2. Richard Boudreaux and John Hendren, "U.S. Drops Its Bid to Base Troops in Turkey," Los Angeles Times, March 15, 2003, p. A5.
3. David Ignatius, "A War of Choice, and One Who Chose It," Washington Post, November 2, 2003, p. B1.
4. Mark Lacey, "Turkey Rejects Criticism by U.S. Official over Iraq," New York Times, May 8, 2003, p. A15. Wolfowitz said: "Let's have a Turkey that steps up and says: 'We made a mistake. We should have known how bad things were in Iraq, but we know now. Let's figure out how we can be as helpful as possible to the Americans.'" Wolfowitz "singled out the Turkish military for criticism. 'I think for whatever reason, they did not play the strong leadership role that we would have expected.'" For Turkish poll data, see Philip P. Pan, "Turkey Plans for 62,000 U.S. Troops," Washington Post, February 26, 2003, p. A17.
5. This is apart from the allegations that German intelligence helped the American military during its invasion. See, for example, Richard Bernstein, "2 German Roles: Opposing War and Aiding U.S.," New York Times, March 3, 2006, p. A12.
6. See Gallup International, Iraq Poll, conducted 2003, available online at http://www.gallup-international.com/ContentFiles/survey.asp?id=10. 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية