رؤى جوفاء لمستقبل فلسطين

سوف يحتاج السلام لاكثر من ديفيد جروسمان – او يوري افنيري

جوناثان كوك

17 نوفمبر 2006.

خطاب ديفيد جروسمان الذي ذاع صيته في التجمع السنوي لذكرى اسحق رابين في اوائل هذا الشهر كان دعوة للتفكير في بعض الانتقادات الطيبة الموجهة "لكلماته عن السلام" ليقوم بها منتقديه.

جروسمان، واحد من المع كتاب اسرائيل والشخصية البارزة في حركة السلام الاسرائيلية الرئيسية، السلام الان، يجسد بشخصيته وجه الصهيونية الرؤوم المعذب الذي يريد العديد من الاعتذاريين في البلد – في اسرائيل وفي الخارج، الثابتين على المبدأ والمهتزين على السواء – يريدون باستماته الايمان باستمراره وبقاءه، رغم شواهد مذابح قانا وبيت حانون والمذابح الاخرى التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي ضد المدنيين العرب.  يجعل جروسمان من الممكن ان نعتقد، ولو للحظة، ان اريل شارون وايهود اولمرت ليسوا هم الرافعين الحقيقيين لراية الصهيونية، وانهم مجرد انحراف مؤقت عن مسارها الحقيقي.

في الحقيقة، فعلا، يستمد جروسمان من نفس المعين الايديولوجي مثله مثل مؤسسي اسرائيل ومحاربيها الاعظم.  فهو يجسد نفس القيم المكروبة للصهيونية العمالية التي كسبت الشرعية الدولية للصهيونية بالضبط كما نفذت واحدا من اعمال التطهير العرقي الكبرى في التاريخ: خلع بعض من 750 الف فلسطيني، او 80% من السكان الاصليين، وطردهم خارج حدود الدولة اليهودية التي أنشأت حديثا.

(حتى اكثر المؤرخين الانتقاديين عادة ما يمرون مرور الكرام عبر حقيقة ان نسبة السكان الفلسطينيين المطرودين من اراضيهم الاصلية بواسطة الجيش الاسرائيلي كانت في الواقع اعلى بكثير من ذلك.  العديد من الفلسطينيين الذين اجبروا على الخروج اثناء حرب 48 انتهى بهم الحال الى العودة للداخل عبر حدود اسرائيل سواء طبقا لشروط اتفاق الهدنة عام 1948 مع الاردن وضمهم الى اسرائيل، هم ومعهم ايضا مناطق سكانية صغيرة لكنها ذات كثافة سكانية عالية في الضفة الغربية المعروفة باسم المثلث الصغير، او بسبب قدرتهم على تدبير التسلل مرة اخرى عبر ثغرات كثيرة في الحدود مع لبنان وسوريا في الاشهر التي اعقبت الحرب واختباءم داخل عدد قليل من القرى الفلسطينية داخل اسرائيل ولم تكن اسرائيل قد هدمتها بعد).

لو قمنا بإزالة هالة القداسة التي توجته بها وسائل الاعلام الليبرالية العالمية لن يختلف جروسمان كثيرا عن رجال الدولة الصهاينة البارزين، هؤلاء الذين استعرضوا بشكل مصطنع طهارة ايديهم او اوراق اعتماد انهم حمائم سلام، بينما هم، اولا، ينزعون ملكية الفلسطينيين لمعظم اراضي وطنهم؛ ثم ينزعون ملكية البقية الباقية لهم؛ ثم يشددون على ان الاعمال الاصيلة للتطهير العرقي لن تتوقف؛ واليوم هم يعكفون على التطهير العرقي البطيئ للفلسطينيين، من خلال استراتيجية مركبة لتدميرهم ماديا وجسديا وتشتيتهم كشعب.

ديفيد بن جوريون، مثلا، كان الرأس المدبر لعمليات التطهير العرقي للفلسطينيين في 1948 قبل الحزن الشديد في العلن على احتلال الضفة الغربية وغزة – حتى ولو كان هذا الحزن والكمد سببه التأثير السكاني المدمر الذي سوف يلحق بدولة اسرائيل نتيجة لذلك.

جولدا مائير رفضت الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني حينما كانت تفتتح مشروع المستوطنات في المناطق المحتلة، ولكنها اعترفت باحزان واسى الجنود اليهود وهم مجبرون على "اطلاق الرصاص والبكاء" وهم يدافعون عن هذه المستوطنات.  او كما قالتها: "نستطيع ان نغفر لكم (الفلسطينيون) لانكم تقتلون ابناءنا.  ولكننا لن نسامحكم ابدا لانكم تجعلوننا نقوم بقتل ابناءكم".

اسحق رابين، اكثر مصادر الالهام المباشر لجروسمان، ربما يكون قد بادر ببدء "عملية سلام" في اوسلو (حتى لو كان في يومنا هذا المتفائل حتى النهاية يؤمن ان السلام كان حقا هدفها)، ولكن رابين كجندي وسياسي غض الطرف شخصيا عن التطهير العرقي في المدن الفلسطينية مثل اللد في 1948؛ وامر بدخول الدبابات في البلدات العربية داخل اسرائيل اثناء احتجاجات يوم الارض في 1976، مما ادى الى مقتل نصف دستة من الفلسطينيين المدنيين الغير مسلحين؛ وامر في 1988 جيشه بسحق الانتفاضة الاولى عن طريق "كسر عظام" الفلسطينيين، بمن فيهم النساء والاطفال، الذين القوا الحجارة على القوات المحتلة.

مثلهم، جروسمان يتواطأ مع جرائم الحرب الاصلية هذه عندما يفضل التمسك بما لدى اسرائيل، او حتى التوسع فيه بشكل اكبر، بدلا من مواجهة الحقيقة المؤلمة على نحو فريد بمسئوليته عن مصير الفلسطينيين، ومن ضمنهم مئات الالاف من اللاجئين وملايين من احفادهم.

في كل يوم ينكر جروسمان على الفلسطينيين حق العودة، حتى بينما هو من المؤيدين لقانون العودة بالنسبة لليهود، ويقدم الاعذار ويدعم استمرار تصرفات التطهير العرقي التي استولت على املاك اللاجئين الفلسطينيين منذ اكثر من نصف قرن مضى.

وفي كل يوم يبيع فيه رسالة السلام للاسرائيليين الذين يتطلعون اليه كمرشد اخلاقي يفشل في منح الفلسطينيين حلا عادلا – ويتخذ من ذلك مقياسا اخلاقيا لتفوق بقاء اسرائيل كدولة يهودية – ثم يقوم هو بتشويه معنى السلام.

ناشط اسرائيلي اخر من اجل السلام، يوري افنيري، يقوم بتشخيص المشكلة التي يطرحها جروسمان وشيعته بقصر نظر حاد في مقالة حديثة.  ورغم ان جروسمان يريد السلام في المجرد، كما يلاحظ افنيري، فانه لا يقدم حلولا في كيف يمكن ضمان ذلك باشياء ملموسة وليس مجرد تلميحات حول ما هي التضحيات التي يجب عليه او على الاسرائيليين تقديمها لاحراز هذا السلام.  "السلام" الذي يطلبه خاو من المحتوى، مجرد ماكينة خطابية.

فبدلا من اقتراح ماذا يتوجب على اسرائيل ان تتحدث عنه مع القادة المنتخبون للفلسطينيين، يجادل جروسمان ان اسرائيل يجب ان تتحدث من فوق رؤوسهم الى "المعتدلين"، أي الفلسطينيون الذين يستطيع قادة اسرائيل عمل بزنس معهم.  الهدف هو ايجاد فلسطينيين، أي فلسطينيين، يوافقون على "سلام" اسرائيل.  عملية اوسلو في ثياب جديدة.

حديث جروسمان يبدو كإيماءة نحو حل فقط لأن قادة اسرائيل الحاليين لا يريدون الحديث مع أي شخص من الجانب الفلسطيني، سواء "معتدل" ام "متطرف".  الوسيط الوحيد هو واشنطن، وهي الشخص الذي يتخذ موقفا سلبيا في ذلك.

لو كانت كلمات جروسمان "جوفاء" بقدر كلمات يهود اولمرت، لايعطينا افنيري أي معلومات وافية لاسباب مراوغة جروسمان.  في الحقيقة، جروسمان لا يستطيع التعامل في الحلول لانه تقريبا لا يوجد هيئة في اسرائيل تحمل مثل هذا النوع من خطط السلام التي قد تبرهن على انها مقبولة للمعتدلين الفلسطينيين الذين يريد جروسمان من حكومته ان تتحدث معهم.

ولم يضع جروسمان شروط رؤيته للسلام لربما يتضح للجميع ان المشكلة ليست بسبب عناد الفلسطينيين.

ورغم ان استطلاعات الرأي التي تجري بانتظام تظهر ان غالبية الاسرائيليين يدعمون وجود دولة فلسطينية، فهذه الاستطلاعات تجري بواسطة اناس لا يعينون على وجه الخصوص لجمهور عيناتهم ما سوف تؤدي اليه من تبعات خلق الدولة المطروحة في اسئلتهم.  وبنفس المقدار لا يطلب القائمون على هذه الاستطلاعات من من يردون على اسئلتهم من الاسرائيليين أي معلومات حول أي نوع يتخيلونه لهذه الدولة الفلسطينية.  وذلك يجعل من طبيعة الدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها اولئك الاسرائيليون امر خاليا من أي محتوى كما هي الكلمة الموحية "السلام" تماما.

بعد كل شيء، في نظر معظم الاسرائيليين، اهل غزة هم الذين يستمتعون الان بثمار انتهاء الاحتلال الاسرائيلي. وفي نظر اولمرت، بخطة "تباينه" المقترحة – الانسحاب المحدود جدا من الضفة الغربية – ذلك سوف يؤدي الى تأسيس قواعد دولة للفلسطينيين هناك ايضا.

عندما نسأل الاسرائيليين حول رأيهم في خطة سلام اكثر تفصيلا، تكون اجاباتهم سلبية بشكل كاسح.  في 2003، مثلا، 78% من اليهود الاسرائيليين قالوا انهم يفضلون حل الدولتين، ولكن عندما سألوهم اذا ما كانوا يؤيدون مبادرة جنيف – والتي تضع تصورات دولة فلسطينية في حدود ضيقة جدا على اقل من الضفة الغربية وغزة – فقط ربعهم قالوا انهم يؤيدونها.  بالكاذ اكثر من نصف الناخبين المفترض انهم ناخبون يساريون لحزب العمل وقفوا وراء مبادرة جنيف.

هذا المستوى المنخفض من التأييد لدولة فلسطينية قابلة للحياة بالكاد يتباين مع المستويات العالية بشكل دائم لدعم اليهود الاسرائيليين لحل ملموس ولكنه مختلف جدا وهو الصدام: "الترحيل"، او التطهير العرقي.  في استطلاعات الرأي، 60% من اليهود الاسرائيليين يفضلون بانتظام تهجير المواطنين العرب خارج حدود الدولة اليهودية تلك التي لم تحدد بعد.

لذا عندما يحذرنا جروسمان من ان "سلاما بلا اختيار" هو امر حتمي وأن "سوف تقسم الارض، وسوف تنشأ دولة فلسطينية"، يجب الا نحلق مع اماني كاذبة.  دولة جروسمان تكاد تكون بالتأكيد "جوفاء" مثل افكار مستمعيه عن السلام.

رفض جروسمان مواجهة فقدان تعاطف الجمهور الاسرائيلي مع الفلسطينيين، او تحدي تلك المشاعر بطرح حل يتطلب من الاسرائيليين تقديم تضحيات حقيقية من اجل السلام، هذا الرفض يستحق ان ندينه.  هو والمرشدون الروحيون الاخرون في تيار حركة السلام الاسرائيلية الرئيسي، كتاب مثل آموس عوز وايه بي يهوشوا، فشلوا في اداء واجبهم لصياغة رؤية تطرح امام انظار الاسرائيليين لمستقبل عادل وسلام دائم.

لذا ما هو المخرج من المأزق الذي خلقه تقديس اشخاص مثل جروسمان؟  وما هي السبل الاخرى المفتوحة امام امثالنا الذين يرفضون الايمان بأن جروسمان يوشك على الاندفاع نحو نفس الهاوية يرتجف امامها أي ناشط من اجل السلام عاقل؟  هل نستطيع التطلع الى اعضاء اخرين من اليسار الاسرائيلي للاستلهام منه؟

يبرز يوري افنيري امامنا مرة اخرى.  انه يزعم ان هناك فقط معسكران للسلام في اسرائيل: معسكر صهيوني، يقوم على الاجماع الوطني الضارب بجذوره في حركة السلام الان بزعامة ديفيد جروسمان؛ وما يسميه افنيري "معسكر سلام راديكالي" يقوده .... حسنا، هو نفسه وجماعته المكونة من عدة الاف قليلة من الاسرائيليين المعروفين باسم جوش شالوم.

بهذا الكلام، ربما يتعرض المرء لغواية استنتاج مفاده ان افنيري يضع كتلته للسلام في شريحة غير صهيونية او حتى مناهضة للصهيونية.  ومع ذلك، ليس هناك افضل من الحقيقة.  افنيري ومعظم وليس كل مؤيديه في اسرائيل يقفون في المعسكر الصهيوني بقوة.

الحد الادنى الذي لا رجوع عنه في أي سلام بالنسبة لافنيري هو الوجود المستمر لاسرائيل ونجاحها كدولة يهودية.  وهذا يحد بصرامة من افكاره حول نوع السلام الذي يجب ان يسعى اليه ناشط السلام الاسرائيلي "الراديكالي".

مثل جروسمان، افنيري يدعم حل الدولتان لان، في رأي كليهما، مستقبل الدولة اليهودية لن يكون مضمونا دون دولة فلسطينية تعيش جوارها.  وهذا هو السبب الذي يجد افنيري نفسه متفقا مع 90% من خطاب جروسمان.  ولو ان لليهود ان يزدهروا كاغلبية سكانية (وديموقراطية) في دولتهم، من ثم يجب ان يكون لغير اليهود دولة ايضا، دولة يستطيعون ان يمارسوا فيها حقوق سيادتهم الخاصة بشكل منفصل، وبالتالي، يتخلون عن أي مزاعم لهم خاصة بالدولة اليهودية.

ومع ذلك، افنيري، على عكس جروسمان، لا يؤيد فقط دولة فلسطينية في المجرد ولكن دولة فلسطينية "عادلة" في الملموس، وهي تعني بالنسبة له اخلاء كل المستوطنين والانسحاب التام للجيش الاسرائيلي الى خطوط 1967.  خطة افنيري للسلام سوف تعيد القدس الشرقية وكامل الضفة الغربية وعزة للفلسطينيين.

الفرق بين جروسمان وافنيري حول هذه النقطة يمكن ان يفسرها فهمهما المختلف لما هو مطلوب لضمان بقاء الدولة اليهودية.  يؤمن افنيري ان السلام الدائم سوف يتحقق فقط اذا ما لبت الدولة الفلسطينية الطموحات الدنيا للشعب الفلسطيني.  في رأيه، يمكن اقناع الفلسطينيين في ظل قيادة سليمة بالتسوية مقابل 22% من ارضهم التاريخية – وبهذا الشكل سوف يتم انقاذ الدولة اليهودية.

في حدود موقف افنيري في حد ذاته لا شيء خطأ.  هذا الموقف يشجعه على ان يضطلع بدور رائد وذي تأثير جيد في حركة السلام الاسرائيلية لعقود طويلة.  وقد عبر افنيري بشجاعة خطوط المواجهات القومية لزيارة القيادة الفلسطينية المحاصرة في الوقت الذي تهيب فيه اسرائيليون اخرون من فعل ذلك.  وقد اتخذ موقفا شجاعا ضد حائط الفصل، مواجها الجنود الاسرائيليين مع نشطاء السلام الفلسطينيين والاسرائيليين والاجانب.  ومن خلال عمله الصحفي سلط افنيري الاضواء على القضية الفلسطينية وقام بتعليم الاسرائيليين، والفلسطينيين والمراقبين الخارجيين دروسا عن الصراع.  لكل هذه الاسباب، افنيري يجب ان يكون موضع مديح كصانع سلام على نحو فريد.

ولكن هناك خطرا جديا لانه مع اساءة فهم حركات التضامن مع الفلسطينيين لدوافع افنيري، ربما تستمر هذه الحركات بالاستنارة بآراء افنيري فيما يتجاوز الحد الذي يساهم به في ايجاد حل سلمي او مستقبل عادل للفلسطينيين.  في الواقع، تلك اللحظة ربما تكون علينا.

اثناء سنوات اوسلو، تشوق افنيري بشدة لرؤية اسرائيل تتم اتفاقية السلام المفترضة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.  وكما كان يدافع عن ذلك الموقف في الاغلب، اعتقد افنيري ان عرفات وحده هو الذي يستطيع توحيد الفلسطينيين واقناعهم بتسوية حل الدولتان على الطاولة: اسرئيل الكبيرة بجوار فلسطين صغيرة.

في الحقيقة، موقف افنيري لم يكن بعيدا لهذه الدرجة عن موقف حشد اوسلو-رابين وبيريز ويوسي بيلين الغير راديكالي بشكل واضح.  اربعتهم اعتبر عرفات رجلا فلسطينيا قويا يستطيع تأمين مستقبل اسرائيل: كان امل رابين ان عرفات سوف يسيطر على الفلسطينيين داخل جيتوهاتهم لمصلحة اسرائيل؛ بينما امل افنيري ان عرفات سوف يبني امة، ديموقراطية او غير، يمكنها احتواء الطموحات الفلسطينية من اجل الحصول على منطقة خاصة بهم ومن اجل حل عادل لمشكلة اللاجئين.

 الان، ومع ذهاب عرفات، فقد افنيري وجوش شالوم الحل الجاهز للصراع الذي كان بين ايديهم.  اليوم، ما زالوا يدعمون حل الدولتين ويدعمون فكرة التعامل مع حماس.  لم يحيدوا ايضا عن مواقفهم التي تبنوها منذ زمن طويل حول القضايا الرئيسية – القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئون – حتى ولو لم يعد لديهم الصمغ، عرفات، الذي من المفترض انه سوف يلصق كل هذه الاجزاء معا.

لكن دون وجود عرفات كرجلهم القوي، لا تمتلك جوش شالوم أي فكرة عن كيفية التعامل مع قضية تناحر الفصائل والخطر الكامن بالحرب الاهلية التي تلعب اسرائيل في العملية السياسية الفلسطينية من اجل اطلاقها من عقالها.

كما انهم لن يكون لديهم أي استجابة اذا ما المد في الشارع الفلسطيني انقلب ضد شبح الدولتان الذي تقدمه اوسلو.  لو تطلع الفلسطينيون الى سبل اخرى للخروج من المأزق الحالي، كما قد شرعوا فيه فعلا، سوف يصبح افنيري سريعا عقبة امام السلام بدلا من كونه المدافع الكبير عنها.

في الواقع، كل مثل هذه التطورات غير مؤكدة بالكامل.  القليل من الذين يراقبون الصراع وعلى معرفة يؤمنون ان حل الدولتان القائم على حدود 1967 لم يعد ممكن تنفيذه بعد، مع الاخذ في الاعتبار تطويق مستوطنيها للقدس والضفة الغربية وقد بلغ عددهم الان نصف مليون.  حتى الامريكيين قد اقروا علانية بأن معظم المستوطنات لا يمكن تفكيكها.  هي فقط مسألة وقت قبل ان يستطيع الفلسطينيون اجراء نفس الحسابات.

ماذا سوف يصنع افنيري، والمخلصين في جوش شالوم ازاء هذا الحدث؟  كيف سيستجيبون اذا ما بدأ الفلسطينيون احتضان فكرة دولة واحدة تضم كلا من الفلسطينيين والاسرائيليين، مثلا؟

الحل هو ان احباء السلام "الراديكاليين" سوف يحتاجون سريعا الى العثور على حل اخر يحمي دولتهم اليهودية.  لكن لا توجد بدائل كثيرة جدا متاحة:

- هناك حل "استمر بالاحتلال بغض النظر عن" لبنيامين نيتنياهو والليكود؛

- هناك حل "اعزل الفلسطينيين داخل جيتوهات وتعشم انهم في هذه الحالة سوف يرحلون عنها من تلقاء انفسهم"، في صيغتها (الخشنة) عند كاديما وصيغتها (الناعمة) عند العمل؛

- هناك حل "اطردهم جميعهم" لافيجدور ليبرمان، وزير اولمرت الجديد للتهديدات الاستراتيجية.

وبشكل متناقض ظاهريا، قد تكون تنويعة من الاختيار الاخير هي الاكثر جاذبية في اعين احباء السلام المتحررين من الاوهام في جوش شالوم.  لليبرمان مواقفه المتطرفة ومواقفه المعتدلة، معتمدا على من هو جمهور المستمعين له والحقائق الجارية.  ليبرمان يقول للبعض انه يريد طرد كل الفلسطينيين من اسرائيل الكبرى حتى تصبح وطنا لليهود فقط.  ولكنه يقول للاخرين، خصوصا في المجال الدبلوماسي، انه يقترح صيغة تبادل سكاني وجغرافي بين اسرائيل والفلسطينيين سوف تخلق "انفصالا بين الامم".  سوف تحصل اسرائيل على اراضي المستوطنات في مقابل اعطاء بعض مساحات صغيرة من اسرائيل، مثل المثلث الصغير، ذو الكثافة السكانية الفلسطينية العالية.

طبعة اكثر كرما من مثل هذا التبادل – رغم انتهاكها للقانون الدولي – سوف تحقق نتيجة مماثلة لمحاولات جوش شالوم من اجل خلق دولة فلسطينية قابلة للحياة بجوار اسرائيل.  حتى ولو ان افنيري شخصيا ليس من المرجح ان يقع فريسة هذا المسار بهذا النوع من الشرك، هناك خطر حقيقي ان الاخرين في معسكر السلام "الراديكالي" سوف يفضلون هذا النوع من الحل فوق التضحية بأي ثمن بالتزاماتهم نحو دولة لليهود.

ولكن لسوء البخت، ومهما كانت مزاعم افنيري، معسكره للسلام ليس هو البديل الوحيد للعار الذي يكلل حركة السلام الان.  لم يعد افنيري بعد يقف على حافة الهاوية اكثر من جروسمان.  الهاوية الوحيدة التي يتطلع فيها افنيري هي سقوط دولة اليهود.

اليهود الصهاينة الاخرون، في اسرائيل والخارج، يمسكون بنفس النوع من القضايا بطريقة افنيري ولكنهم بدأوا في التحرك في اتجاه مختلف، بعيدا عن حل الدولتين المأسوف عليه ونحو حل دولة ثنائية القومية.  قليل من المفكرين البارزين امثال توني جوت، وميرون بينفنيستي، وجيف هالبر بدأوا علانية في وضع انتماءاتهم نحو الصهيونية محل تساؤل والتفكير في ما اذا كانت الصهيونية جزءا من المشكلة اكثر من الحل ام لا.

انهم لا يقومون بذلك بمفردهم.  جماعات صغيرة من الاسرائيليين، اصغر من جوش شالوم، تتخلى عن الصهيونية وتتآلف حول افكار جديدة حول يمكن لليهود والفلسطينيين العيش معا بشكل سلمي، منضمين في دولة واحدة.  من هذه الجماعات الصغيرة جماعة تعايش، وجماعة اناركيون ضد الجدار، وزوكروت وعناصر داخل اللجنة الاسرائيلية ضد ازالة المساكن وجماعة جوش شالوم نفسها.

يأمل افنيري ان يكون معسكره للسلام عجلة صغيرة تستطيع دفع عجلات اكبر من المنظمات مثل السلام الان في اتجاه جديد وبذلك يتحول الرأي العام الاسرائيلي نحو حل دولتان حقيقي.  مع التسليم بالحقائق على الارض، يبدو ذلك غير مرجح بشكل عال.  ولكن في احد الايام، العجلات التي هي حاليا اصغر من جوش شالوم قد تبدأ في دفع اسرائيل نحو اتجاه مطلوب من اجل السلام.

 جوناثان كوك هو كاتب وصحفي في نظاريت باسرائيل. كتابه الدم والدين: كشف قناع الدولة اليهودية والديموقراطية، عن دار نشر بلوتو.  موقعه: www.jkcook.net 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية