المال والخوف في دبي

مايك ديفيز

نيولفت رفيو؛ نوفمبر/ديسمبر ٢٠٠٦.

بينما تبدأ الطائرة النفاثة في الهبوط، تلتصق انت بنافذتك.  يصيبك مشهد ما دونك بالدهشة: ارخبيل مساحته ٢٤ ميل مربع من الجزر ذات الالوان الساحلية في شكل لوحة للعالم انتهوا من تركيبها توا.  تظهر جلية اشكال لاهرامات الجيزة وكلوزيوم روما غارقة في المياة الخضراء قليلة العمق ما بين اشكال لقارات العالم.  وعلى البعد، ثلاث مجموعات لجزر اخرى كبيرة، مصممة كاشجار نخيل داخل اهلة اقاموا عليها منتجعات فاخرة، ومتنزهات للهو والتسلية والاف النزل فوق جسور اقيمت على الماء.  تلك "النخلات" توصل عبر جسور الى شاطئ للاستحمام على شاكلة شواطئ ميامي تحفه فنادق هائلة الحجم، وناطحات سحاب لشقق سكنية ومراسي لليخوت.

وبينما تهبط الطائرة ببطء نحو الارض الام الصحراوية، فإنك تشهق امام ما تراه عيناك من مشهد لا يصدق.  فمن بين الغابة المعدنية لناطحات السحاب ترى برج بابل جديد يخرق السماء.  برجا مستحيلا بارتفاع نصف ميل: اعلى من مبنى الامباير ستيت لو وضع اثنان منه فوق بعضهما البعض.  ولسوف تستمر في فرك عينيك ذهولا للاعاجيب حينما تهبط الطائرة وتجد في استقبالك بهو التسوق بالمطار حيث تتكدس سلع الغواية: حقائب جوتشي، وساعات الكارتييه وقضبان الذهب الخالص زنة واحد كيلو جرام.  ينتظرك سائق الفندق بسيارة رولز رويس فضية من موديل السيراف.  كان الاصدقاء قد نصحوني بفندق ارماني ان في البرج المكون من ١٧٠ طابقا، او بفندق السبع نجوم ببهوه الهائل لدرجة تسمح بوضع تمثال الحرية بالكامل داخله، وخدمة متميزة ومنفردة لدرجة ان بكل غرفة خادم شخصي مخصص لك؛ ولكن بدلا من ذلك اخترت انت ان تشبع خيال اساطير الطفولة.  فانت دائما ما كنت تحلم بأن تلعب دور كابتن نيمو في رواية عشرين الف فرسخ تحت الماء.

فندقك على شكل سمكة الجيلي، هيدروبوليس، هو، في الواقع، يقع على عمق ٦٦ قدم تحت سطح ماء الخليج.  يحتوي على ٢٢٠ جناح فاخر بجدران من الزجاج القوي توفر رؤية رائعة لحوريات البحر السابحة حولك و"العاب المياة النارية" المشهورة: استعراض مذهل "لفقاقيع المياة، وتيارات الرمال الحلزونية والاضاءة الموزعة باعتناء.  اي قلق اولي قد يثور داخلك حول امان منتجعك القابع في قاع البحر تتطرده فورا ابتسامة مضيفك على الباب.  لهذا المبنى نظام امان متعدد يعمل الواحد تلو الاخر حين الفشل وهو يتضمن الحماية ضد الغواصات الارهابية اضافة الى الحماية ضد هجوم الصواريخ او الطائرات الجوية.

ورغم ان لديك مواعيد مهمة لعقد صفقات البزنس مع زبائن من حيدر آباد او تايبيه، فأنت قد وصلت مبكرا عن مواعيدك بيوم حتى تسمح لنفسك بالاستمتاع بأحد المغامرات المشهورة في ملاهي "كوكب لا يهدأ".  بعد ليلة نوم ناعم تحت الماء، تركب قطارا مونوريل الى الحديقة الجوراسية.  اول ما تلتقي بعض البرونتو ساور المسالمة التي تقتات على العشب.  يتلوها لقاء مع سرب من الفيلوسرابتور تلك الوحوش التي تتحرك الكترونيا فتهاجمك - وقد وضع تصميماتها خبراء من متحف التاريخ الطبيعي البريطاني - وحركتها طبيعية مثل الوحوش الحية للدرجة التي تجعلك تصرخ صرخات وحشية من الرعب ومن اللذة.  وقد ارتفع معدل الادرينالين في جسمك، تمضي فترة ما بعد الظهيرة فوق قضبان التزلج على جبل الثلج المقام داخل بناء (خارج البيوت درجة الحرارة تصل الى ١٠٥ فهرنهيت).  في الجوار هناك اوسع مول تجاري في العالم - مذبح قرابين مهرجان التسوق الشهير في المدينة، والذي يجذب ملايين المستهلكين المهووسين كل عام في يناير - ولكنك تؤجل تلك الغواية.  بدلا من ذلك، تدلف الى مطبخ تايلاندي فاحش السعر.  تحملق الشقراء الروسية ممتلئة القوام فيك بشبق مصاصي الدماء عند البار، وتتعجب متسائلا هل الخطيئة المحلية لا تقاوم مثلها مثل التسوق...

الخيال الاسطوري يسبح في الجو

مرحبا بك في الجنة الغريبة.  ولكن اين انت الان؟  هل هذه هي رواية مارجريت اتوود الجديدة، الحلقة التالية التي لم تصدر بعد لفيليب كيه دايك التالية للممسك بحد الموسى او لدونالد ترامب فوق الحمض؟  لا، انها الدولة المدينة على الخليج الفارسي، دبي في عام ٢٠١٠.  بعد شنغهاي (بتعداد حالي ١٥ مليون نسمة)، تأتي دبي (تعداد سكان ١.٥ مليون نسمة) كأكبر موقع بناء وتشييد على الكوكب: عالم الاحلام الناهض للاستهلاك الفج وما يفخر به السكان المحليون "طراز الحياة الفائقة".  ورغم مناخها الجهنمي (حوالي ١٢٠ فهرنهيت في ايام الصيف، تقوم الفنادق الافخم بتبريد حمامات السباحة فيها) وموقعها المتاخم لمناطق الحروب، تتنبأ دبي بكل الثقة ان غابتها الغناء ذات الستمائة ناطحة سحاب ومول تجاري سوف تجذب ١٥ مليون سائح من وراء البحار كل عام بحلول عام ٢٠١٠، ثلاثة امثال زائري نيويورك.  قدمت خطوط طيران الامارات طلبا متضخما بقيمة ٣٧ بليون دولار لطائرات بوينج واير باص جديدة لنقل الركاب السياح الى ومن المركز الجديد الدولي للطيران في دبي، وهو المطار الواسع في جبل علي.  فعلا، بفضل الادمان القاتل للبترول العربي، لكوكب يحتضر من المفترض ان تصبح قرية الصيادين وكر المهربين السابقة هذه واحدة من عواصم العالم في القرن الواحد وعشرين.  ولتفضيل اللؤلؤ الحر على الاحجار الاصطناعية، قد تفوقت دبي توا على عروس الصحراء الاخرى لرغبات الرأسمال، لاس فيجاس، كلتاهما اصبحتا مقياسا صرفا على استعراض الثراء والنهم المتضخم لاستهلاك المياة والسلطة. 

عشرات من المشاريع العملاقة الاجنبية - بما فيها "جزيرة العالم" الاصطناعية (حيث يقال ان رود ستيوارت قد انفق ٣٣ مليون دولار لشراء الجزيرة التي على شكل "بريطانيا" فيها)، واطول مبنى في العالم (برج دبي، الذي صممه سكيدمور، اوينجز اند ميريل)، والفندق الفخم تحت سطح الماء، والديناصورات اكلة اللحوم، ومنتجع القبة السماوية والهايبر مول - كلها مشاريع تحت الانشاء او على وشك الانتهاء. الفندق السبعة نجوم، برج العرب المبني بشكل الشراع الثلاثي للقوارب - شديد الشبه بفنادق سلسلة افلام جيمس بوند - هو توا يحظى بشهرة عالمية بايجار ٥ الاف دولار للغرفة في الليلة ببانوراما ١٠٠ ميل وضيوفه الدائمين من الاسر العربية المالكة، ونجوم غناء الروك الانجليز والبليونيرات الروس.  والديناصورات، طبقا لاقوال المدير المالي لمتحف التاريخ الطبيعي، "سوف تأخذ ختم الاعتماد الكامل من المتحف الملكي في لندن، وسوف تظهر للعلن ان العلم والتربية يمكن ان يصبحا متعة"؛ وجالبين للربح، حيث ان "المدخل الوحيد لحديقة الديناصورات سوف يكون عبر مول التسوق التجاري".

المشروع الاكبر، دبي لاند، يمثل مرحلة جديدة في عالم الخيال الذي يصيب المرء بالدوار.  هي حرفيا "عالم العوالم الاصطناعية"، سوف تكون بضعف حجم ديزني وورلد مستخدمة ٣٠٠ الف عامل يقومون بدورهم بخدمة ١٥ مليون زائر سنويا (ينفق كل شخص منهم حوالي ١٠٠ دولار في اليوم، دون تكاليف الاقامة).  مثل دائرة معارف سيريالية، تتضمن اجزائها الخمس واربعين الكبرى استنساخ لحدائق بابل المعلقة، وتاج محل، والاهرام اضافة الى جبل ثلجي بمصاعد التزلج والدببة القطبية، ومركز "للرياضات الخطرة"، وقرية نوبية، وعالم السياحة الايكولوجية، وينابيع المياة العلاجية الاندلسية للاستشفاء، وملاعب جولف، وحلبات للسباق، وعالم العمالقة، وعوالم الخيال، واكبر حديقة حيوان في الشرق الاوسط، وعديد من الفنادق الخمسة نجوم، وجاليري للفن الحديث، ومول ارابيا التجاري.

العملقة

في ظل اميرها المستبد المستنير ومديرها التنفيذي الاول، الشيخ محمد ال مكتوم البالغ ٥٨ عاما من العمر، اصبحت دبي الايقونة الكوكبية الجديدة لنزعة التحول لحياة الحضر بناء على التصورات المسبقة.  الملياردير المتعدد الشيخ مو - كما هو معروف لدى ابناء دبي في المهجر - يضع هدفا مباشرا وان لم يكن متواضعا: "اريد ان اصبح رقم واحد في العالم".  رغم انه من الهواة المتحمسين لاقتناء الخيول الاصيلة (صاحب اكبر اصطبل خيول في العالم) واليخوت الفخمة ("بروجكت بلاتينم" وطوله ٥٢٥ قدم، ولديه غواصة خاصة ومنصة طيران خاصة)، فشهوته للاستهلاك فوق العادة، هي البنيان التاريخي.  فعليا، يبدو الامير مؤمنا بكتاب سكوت وفنتوري المقدس لما فوق الحقيقة، التعلم من لاس فيجاس، بنفس الطريقة التي يؤمن بها المسلمون المتقون بكتاب القرآن.  احد انجازاته التي يفاخر بها كاكثر شيء حققه، كما يخبر زواره غالبا، هو انه ادخل فكرة المجتمعات المفتوحة الى الجزيرة العربية، ارض البدو الرحل والخيام.

بفضل هذا الحماس الغير محدود للاسمنت المسلح والصلب، اصبحت تلك الصحراء الساحلية مثل لوحة الدوائر الالكترونية تدعو الشركات الهندسية متعدية الجنسيات ورجال تجارة التجزئة لوضع محطات لهم عالية التكنولوجيا، ومناطق للتسلية واللهو، وجزر اصطناعية، و"جبال ثلجية" ذات قباب سماوية، وضواحي عروض الترومان، ومدن داخل مدن - مهما كانت ذات احجام كبيرة يمكن رؤيتها من الفضاء وقد اخترقتها هياكل معمارية متضخمة.  والنتيجة ليست هجينا ولكن على شاكلة شيمرا الوحش الاسطوري المخيفة التي تخرج من فمها السنة اللهب: تزاوج دنس لكل الطرز المعمارية الخيالية لبارنوم وايفل وديزني وسيبلبرج وجون جيردي وستيف واين وسكيدمور اوينج اند ميريل.  ورغم مقارنتها بتنوع مع لاس فيجاس ومانهاتن واورلاندو وموناكو وسنغافورة، فالمشيخة تشبه اكثر لحاصل جمع كل هؤلاء مختلطا بالاساطير: طراز هلوسة من فن الباستيك يجمع الضخم والشرير والقبيح.

مثل ضغائث الاحلام هذه ولكن في شكل مكعبات الليجو، بالطبع، يمكن رؤيتها في عشرات المدن الملهمة هذه الايام (بمن فيهم جيران دبي الغيورين، الواحات البترولية الثرية في الدوحة والبحرين)، لكن لدى آل مكتوم معايير متميزة ولا يمكن تقليدها: كل شيئ يجب ان يكون "عالمي المستوى"، اي رقم واحد في موسوعة جينيس للارقام القياسية.  لذا تبني دبي اوسع حديقة ملاهي في العالم، اكبر مول تجاري في العالم (وداخله اكبر بحيرة اصطناعية)، واطول مبنى في العالم واوسع مطار دولي واكبر جزيرة اصطناعية، واول فندق تحت الماء وهكذا (انظر ادناه).  ورغم ان مثل هذه العملقة المعمارية تذكرنا على نحو شرير بالبرت سبير ورؤيته الراعية لبرلين الامبراطورية، الامر يحمل بعض المنطق.  آل مكتوم وقد تعلم من دروس لاس فيجاس، يفهم انه لو ارادت دبي ان تصبح جنة المستهلكين المرفهين في الشرق الاوسط وجنوب اسيا (تعريفها الرسمي "موطن سوق" ١.٦ بليون)، يجب ان تعمل بلا توقف من اجل تحقيق اقصى الحدود المرئية والبيئية.  فكما يقول روان موور على سبيل الافتراض، لو ان تجميعا هائلا ومثيرا للنفس من غرائب الخيال يصيب المرء بالدوار، فإن آل مكتوم يريدون اصابتنا بالاغماء. 

من وجهة نظر المادحين، الشكل الكاريكاتوري للمستقبل الذي تمثله المدينة هو تسويق ذكي للاسم التجاري لها كسوق عالمي.  مثلما قال احد الخبراء لصحيفة الفاينانشال تايمز، "لو انه ليس هناك برج دبي، ولا بالم، ولا جزيرة العالم، هل كان سوف يتحدث اي شخص عن دبي اليوم؟ يجب الا تنظر الى مثل هذه المشروعات على انها مشروعات حمقاء في حد ذاتها".  واصحابها يحبونها عندما يختارها معماريون وخبراء هندسة مدن، مثل جورج كاتودريتيس، كأعلى مثال للرقي الفني:

دبي هي قالب المدينة الجديدة فيما بعد العولمة، التي تفتح الشهية لمختلف انواع الاشباع اكثر منها حلا للمشاكل... اذا كانت روما "المدينة الخالدة" ومانهاتن في نيويورك اعلى نقطة في تطور حياة الحضر في القرن العشرين، من ثم ربما نعتبر دبي النموذج الناهض للقرن الواحد وعشرين: الواحة البدوية الاصطناعية معروضة كمدن منعزلة تمتد فوق البر والبحر.

في سعيها المتسارع ابدا وابدا الى غزو موسوعات الارقام القياسية للاعمال المعمارية، بالمزيد، امام دبي منافس واحد فقط: الصين - البلد الذي لديه الان ٣٠٠ الف مليونير وهناك تكهنات أن يصبح البلد اكبر سوق لسلع الرفاهية في العالم (من جوتشي الى مرسيدس) خلال سنوات قليلة.  مبتدأين من الاقطاعية ومن الماوية الفلاحية، بالترتيب، كلاهما وصل الى مرحلة من الرأسمالية المتضخمة عبر ما يسميه تروتسكي "ديالكتيك التنمية الغير متساوية والمركبة".  كما يكتب باروخ كناي-باز في كتابه الرائع تدقيق افكار تروتسكي:

بالحاق اشكال جديدة لا يتعامل المجتمع المتخلف مع بداياته، ولا مع مراحل ارتقاءها، ولكنه يأخذ المنتج النهائي نفسه.  بل في الواقع يمضي هذا المجتمع الى مسافات ابعد؛ انه لا يستنسخ المنتج كما هو عليه فعلا في بلاد منشأه ولكن ينسخ "نمطه الامثل"، ويصبح قادرا على صنع ذلك للسبب نفسه وهو انه في موقف ضم وإلحاق بدلا من صنعه عبر عمليات تنمية.  وهذا يفسر لماذا تبدو الاشكال الجديدة في المجتمع المتخلف اكثر اتقانا منها في المجتمع المتقدم حيث انها اشكال تقريبية فقط "للمثال" لانها تحققت قطعة قطعة ومع اطار عام من الاحتمالات التاريخية.

في حالة دبي والصين، كل المراحل الوسيطة المنهكة من الارتقاء التجاري تم تكبيرها او اختصرت لتحتضن المركب "المكتمل" للتسوق، والملاهي والطرز المعمارية بمقاييس فرعونية.

مثل هذه المراهنة على الكبرياء الوطني - عرب في مقابل صينيين - مثل هذا السعي المحموم من اجل تحققهما كقطب ضخم ليس بالطبع، امرا غير مسبوق؛ تذكروا التنافس الشهير بين بريطانيا والمانيا الامبراطورية لبناء السفن الحربية من طراز اوائل القرن العشرين.  ولكن هل هذه هي استراتيجية للتنمية مستدامة اقتصاديا؟  الاجابة المدرسية على ذلك هي انه من المحتمل لا.  العملقة المعمارية هي عرض متعمد اللامعقولية لاقتصاديات حمى المضاربة المهووسة، وكل ازدهار معاصر قد خلف وراءه ناطحات سحاب متغطرسة، الامباير ستيت او مركز التجارة العالمي السابق، كشواهد قبور على عصر الازدهار هذا.  يشير الساخرون عن حق الى ان اسواق العقارات المتضخمة الحجم في دبي وفي حضر الصين هي بالوعات الارباح الكوكبية الزائدة عن الحد - ارباح البترول والصادرات المصنعة، بالترتيب - وهي التي تضاعفت كالاهرامات الضخمة بسبب عجز البلاد الغنية عن تخفيض استهلاكها من النفط و، في حالة الولايات المتحدة، عجزها عن موازنة حساباتها الجارية.  لو ان دورات البزنس في الماضي تصلح مرشدا بأي معنى، سوف تكون النهاية مفجعة وحزينة جدا.  الا ان، مثل ملك الجزيرة الطافية بشكل ملغز لابوتا في قصة رحلات جاليفر، يؤمن آل مكتوم بأنه قد اكتشف سر الطيران الخالد بلا اجنحة.

مغناطيس دبي، طبعا، هو "ذروة البترول" وفي كل مرة تدفع ٥٠ دولار لتملأ خزان وقود سيارتك فإنك تروي واحة الشيخ آل مكتوم.   اسعار الوقود قد تضخمت حاليا بسبب الطلب الشديد للصناعة الصينية عليه اضافة الى المخاوف المتنامية من الحرب والارهاب في رقعة البترول العالمية.  طبقا لوول ستريت جورنال، "سوف يجب على المستهلكين دفع ١.٢ ترليون دولار اكثر في ٢٠٠٤ وفي ٢٠٠٥ معا ثمنا لمنتجات البترول زيادة عما دفعوه لنفس الكمية في ٢٠٠٣.   كما في السبعينات، انتقال ضخم ومدمر للثروة حدث بين الامم المستهلكة والامم المنتجة للنفط.

على ان ما يبدو في الافق توا، اكثر من ذلك، هو قمة هيوبرت، اعلى نقطة عندما لا تشبع اي احتياطات نفط جديدة اي طلب كوكبي عليه، وبعدها سوف تصبح اسعار النفط في السماء بشكل حقيقي.  في بعض السيناريوهات الاقتصادية الطوباوية، سقوط الثمرة هذا سوف يصبح تمويلا استثماريا لتحويل الاقتصاد الكوكبي نحو الطاقة المتجددة بينما يقلل من ناتج غازات الصوبة الخضراء لترتفع الكفاءة البيئية لانظمة الحياة الحضرية.  في رأسمالية العالم الحقيقي، مع ذلك، هذا التحول قد اصبح دعما ماليا لاشكال الرفاهية الكارثية التي تأتي دبي لتصبح علامة عليها.

ميامي الخليج الفارسي

طبقا لمداحي آل مكتوم، وصلت دبي الى مكانتها المباركة اولا بفضل رؤية الشيخ مكتوم التجارية التي ورثها من ابيه، الشيخ راشد، الذي "نذر نفسه وموارده لتحويل امارته الى حاضنة عالمية المستوى تنتعش فيها المشاريع الحرة".  في الواقع، نهوض دبي الذي لا يقاوم، مثل النهوض الذي عليه ابوها وامها: الامارات العربية المتحدة، يدين بالكثير لسلسلة متتابعة من الحوادث الجيوبوليتيكية بالصدفة.  الميزة المتقدمة الرئيسية لدبي، وبشكل متناقض، قد كانت هي ثروتها الطبيعية المتواضعة، والتي استنفذت سريعا الان، من النفط تحت سطح البحر.  دبي، باراضيها القارية الضئيلة، التي تفتقد ثروات الكويت او ابو ظبي الجيولوجية، هربت من الفقر بواسطة استراتيجية سنغافورية لتتحول بها الى مركز تجاري ومالي وترفيهي للخليج.  انها "مدينة الشبكات" ما بعد الحداثة - كما سمى بريخت "ماهاجوني" - حيث تخترقها الارباح الباهظة لتجارة النفط الدولية ثم يعاد استثمارها في الثروة الطبيعية التي لا تنفد في الجزيرة العربية: الرمال.  (فعليا، المشاريع العملاقة في دبي تقاس بشكل نمطي باحجام الرمال التي تم تحريكها: بليون قدم مكعب من الرمال في حالة "جزيرة العالم").  لو ان اللكمة الخاطفة للمشاريع العملاقة، التي تمثلها مثلا دبي لاند، نجحت كما هو مخطط لها، سوف تستمد دبي كل ناتجها المحلي الاجمالي من انشطة غير بترولية مثل السياحة والمعاملات المالية بحلول عام ٢٠١٠.

برنامج طموحات دبي العجيبة هو تاريخها الطويل كوكر للمهربين، وتجار الذهب والقراصنة.  اعطت معاهدة في اواخر العصر الفيكتوري السيطرة للندن على الشئون الخارجية لدبي، وابعدت العثمانيين وجامعي الضرائب خارج المنطقة، ولكن على نحو اخر سمحت هذه المعاهدة للعائلة الملكية لآل مكتوم باستغلال ملكيتهم للميناء الطبيعي والوحيد بمياهه العميقة على طول ٤٠٠ ميل مما كان يعرف وقتها بساحل "القراصنة".  صيد اللؤلؤ والتهريب كان النشاط المعيشي الرئيسي حتى بدأت الثروة البترولية توليد الطلب على المهارة التجارية لدبي وخدمات ميناءها.  حتى عام ١٩٥٦، عندما شيد اول مبنى من الاسمنت المسلح، كان جميع السكان يعيشون في بيوت "الباراستري" التقليدية المصنوعة من جزوع النخيل وسعفه، يجلبون المياة من الابار المشاعية ويخطون خلف ماعزهم في الدروب الضيقة.

بعد انسحاب بريطانيا من شرق السويس في ١٩٦٨، انضم الشيخ راشد مع حاكم ابو ظبي، الشيخ زايد، لانشاء الامارات العربية المتحدة في ١٩٧١، الفدرالية الاقطاعية التي جمعها معا الخوف المشترك من الماركسيين في عمان، وفيما بعد، الاسلاميين في ايران.  امتلكت ابو ظبي النصيب الاكبر من الثروة البترولية للامارات العربية المتحدة (تقريبا ما يساوي واحد على اثناعشر من احتياطات الهيدروكربون العالمي المؤكدة) ولكن دبي كانت الميناء الاكثر منطقية والمركز التجاري.  عندما تأكد ان "فرع" المياة العميقة الاصلي للمدينة اصغر من التعامل مع التجارة البينية، استخدمت قيادة الامارات العربية بعض من اموالها من "الصدمة البترولية" الاولى للمساعدة في تمويل دبي على بناء اكبر ميناء اصطناعي في العالم، والذي اكتمل بناءه في ١٩٧٦.

بعد ثورة الخوميني في ١٩٧٩، اصبحت دبي ايضا ميامي الخليج الفارسي، لتصبح ملاذا لمجتمع المنفيين الايرانيين الواسع، وقد تخصص الكثير منهم في تهريب الذهب، والسجائر دون ضرائب والخمور الى بلادهم الطهرائية، والى الهند.  مؤخرا جدا، دبي تحت عيون الرصد الايراني المحتمل جذبت اعداد كبيرة من الاثرياء الايرانيين الذين استخدموا المدينة - مثل هونج كونج اكثر منها ميامي - كقاعدة للتجارة واسلوب الحياة المزدوجة.  التقديرات تذهب الى انهم يسيطرون على ما يصل الى ٣٠٪ من التنمية العقارية الحالية في دبي.  دبي في الثمانينات وفي اوائل التسعينات، وهي تبني على  مثل هذه العلاقات السرية، اصبحت مركز غسيل الاموال الاول في الخليج اضافة الى كونها مكان اختباء بعض اكثر عتاة الارهابيين ورجال العصابات في المنطقة. وطبقا لوصف الوول ستريت جورنال مؤخرا للحياة السرية في المدينة:

اسواق الذهب والجواهر في المدنية، وبيوت المقايضة والصرافة الغير رسمية شكلت عالم مبهم من البزنس يقوم على علاقات وولاءات عصابية.  تجار السوق السوداء، ووسطاء السلاح، وممولو الارهابيين، والذين يقومون بعمليات غسيل الاموال يستغلون ميزة مناخ العمل الحر، حتى لو كان الجسم الاساسي والكبير للبزنس شرعيا.

في اوائل ٢٠٠٦، استشاط الكونجرس الامريكي غضبا على اقتراب شركة دبي بورت وورلد من الاستيلاء على الشركة الشرقية للملاحة البخارية وشبه الجزيرة ومقرها لندن، والتي تقوم بتشغيل الارصفة البحرية بين نيويورك وميامي.  ورغم دعم ادارة بوش، اجبرت دبي على الانسحاب من الصفقة بعد عاصفة نارية من الاتهامات على برامج محطات الكابل الاخبارية والاحاديث الاذاعية حول المخاطر المفترضة لتسليم السيطرة على المواني التجارية الامريكية لحكومة من الشرق الاوسط.  كثير من الجدل والخلاف اشعله بلا شك مشاعر الكراهية ضد العرب الصرف الواضحة (عمليات تشغيل مواني الولايات المتحدة تقوم بها توا وبمقياس واسع شركات مملوكة للاجانب)، ولكن "العلاقات الارهابية" لدبي، وهو امتداد ينمو بوصفها سويسرا الخليج، مسجلة جيدا في وثائق.

بالفعل، ومنذ ٩/١١ كومة ضخمة من ملفات التحقيق استكشفت دور دبي "كمركز تحويلات مالي للجماعات الاسلامية الجهادية"، خصوصا جماعة القاعدة وطاليبان: "كل الطرق تؤدي الى دبي عندما يصل الامر الى اموال (الارهابيين)"، هكذا يزعم مسئول كبير في الخزانة الامريكية.  نشرت التقارير ان بن لادن قام بتحويلات لمبالغ ضخمة من خلال البنك الاسلامي في دبي الذي تملكه الحكومة، بينما استخدمت طالبان اسواق الذهب الغير منظم في المدينة لتحويل اموال ضرائبها على الافيون، المدفوعة في شكل سبائك ذهبية، الى دولارات مغسولة.  في كتابه الاكثر مبيعا "حرب الاشباح"، ستيف كول يزعم انه بعد التفجيرات الكارثية التي قامت بها القاعدة ضد السفارات الامريكية في نيروبي ودار السلام، خطة وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية التي استهدفت ضرب بن لادن بصواريخ كروز عندما كان في رحلة صيد الصقور بجنوب افغانستان توجب الغاؤها نتيجة ان احد الامراء الملكيين من الامارات كان في صحبته.  يضيف كول ن الاستخبارات المركزية الامريكية "ايضا وجهت اتهاما الى ان طائرات السي ١٣٠ المتجهة من دبي بأنها حملت اسلحة الى طالبان".

زيادة على ذلك، وفر آل مكتوم تقريبا لعقد من الزمان لجوءا فاخرا لزعيم عصابات آل كابوني مومباي، رجل العصابات التاريخي داوود ابراهيم.  وجوده في المشيخة اثناء الثمانينات يكاد ان يكون سرا غير مفضوح.  سوكيتو ميهتا كتب ان "دبي ناسبت داوود؛ فقد اعاد خلق مومباي في حفلات فاحشة الثراء، استقدم اليها اعداد كبيرة من قمم نجوم السينما ونجوم لعبة الكريكت في مومباي كضيوف، وقد اتخذ من النجمة السينمائية المبتدئة، مانداكيني، عشيقة له".  في اوائل عام ١٩٩٣، طبقا للحكومة الهندية، داوود، بالتعاون مع رجال المخابرات الباكستانية، استخدم دبي كقاعدة لتنظيم العمليات سيئة الصيت المعروفة باسم "يوم الجمعة الاسود" في مومباي التي راح ضحيتها ٢٥٧ روحا.  ورغم ان الهند طلبت فورا من دبي تسليمها داوود، سمحت دبي له بالهروب الى كراتشي، حيث انه مازال يعيش هناك في مأمن بواسطة الحكومة الباكستانية؛ من المعروف ان منظمته الاجرامية، "شركة - دي"، ما زال نشاطها مستمرا في المشيخة حتى الان.

منطقة حرب

الان دبي عند واشنطن بدرجات عالية تتمتع بوصفها شريك في الحرب على الارهاب وبوصفها على وجه الخصوص قاعدة للتجسس على ايران؛ ولكن من المحتمل ان آل مكتوم مثلهم مثل باقي الحكام الاماراتيين، ما زالوا يحتفظون بقناة اتصال مفتوحة مع الاسلاميين المتشددين. فلو رغبت القاعدة ذلك، مثلا، فمن المفترض انها تستطيع تحويل برج العرب وناطحات سحاب دبي الاخرى المميزة لها الى جحيم سماوي.  الا ان دبي حتى الان واحدة من المدن القليلة في المنطقة التي تفادت تماما انفجارات السيارات الملغومة والهجمات على السياح الاجانب: وهي شهادة بليغة، كما يفترض المرء، على الدور المستمر لتلك الدولة المدينة كمركز غسيل اموال ومخبأ عالي المستوى، مثل طنجة في الاربعينات وماكاو في الستينات. سوق دبي السوداء المنتعش هو سياسة تأمين ضد السيارات الملغومة واختطاف الطائرات.

باساليب وطرق عجيبة ومعقدة، تكسب دبي عيشها فعليا من الخوف.  مجمع موانيها الضخم في جبل علي، مثلا، قد كسب ارباحا فوق الحصر من التجارة التي تولدت نتيجة الغزو الامريكي للعراق، بينما مهبط الطائرات رقم ٢ في مطار دبي المزدحم دائما بموظفي هاليبرتون، وافراد شركات المرتزقة الخاصة، والجنود الامريكيين في طريقهم الى بغداد او كابول، هذا المهبط موصوف بأنه "اكثر مهبط تجاري ازدحاما في العالم مخصص من اجل حروب امريكا في الشرق الاوسط".  تطورات ما بعد ٩/١١ قد حولت انماط الاستثمار الكوكبي لما فيه فائدة دبي.  وهكذا بعد هجمات القاعدة على امريكا، الدول البترولية المسلمة، وقد نالها اذى المسيحيين الغاضبين في واشنطون والقضايا التي رفعها الناجون من مركز التجارة العالمي، لم تعد تعتبر الولايات المتحدة اكثر البلاد امانا لاستيداع بترودولاراتهم.  من المقدر ان السعوديين الملتاعين بمفردهم قد اعادوا لوطنهم على الاقل الثلث من محافظهم المالية عبر البحار المقدرة بتريليون دولار.  ورغم ان الاعصاب اهدأ الان، استفادت دبي بشكل هائل من ميل مشايخ البترول المستمر في الاستثمار داخل اكثر من خارج المنطقة.  وكما اكد ادوارد تشانسلور، "على غير منوال الانتعاشة البترولية في اواخر السبعينات، نسبيا القليل من الفوائض البترولية العربية تم استثمارها بشكل مباشر في ارصدة امريكية او تم ايداعها في النظام البنكي العالمي.  هذه المرة الكثير من اموال البترول مكثت في وطنها حيث ما يجري الان هو جنون المضاربة الكلاسيكي".

في ٢٠٠٤، من المعتقد ان السعوديين (التقديرات تقول ان نصف مليون سعودي يزورون دبي على الاقل مرة واحدة في العام) قد حرثوا على الاقل ٧ بليون دولار في ممتلكات آل مكتوم الكبرى.  السعوديون، معا مع مستثمرين من ابو ظبي، الكويت، ايران، وحتى قطر التي تهوى المحاكاة، يضخون اموالهم في التمويل البنكي لخيلاء دبي لاند (رسميا يقوم بليونير دبي جالادري اخوان بتطويرها) وفي المشروعات الاسطورية الهائلة الاخرى.  رغم ان الاقتصاديون يشددون على الدور الدافع لاستثمار الاسهم والسندات في الازدهار الاقتصادي الحالي في الخليج، تغمر المنطقة الان ائتمانات بنكية رخيصة بفضل زيادة ٦٠٪ في قاعدة الودائع المحلية وسلاسة السياسات النقدية السهلة للاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة (عملات الامارات الخليجية كلها مرتبطة بالدولار).

كثير من هذه الاموال، بالطبع، ترقص على انغام قديمة.  تشرح البزنس ويك الامر بأن "اغلبية ممتلكات دبي الجديدة تكتسب من اجل اغراض المضاربة، مع ثبات اصول صغيرة فقط.  انهم يقلبونها باسلوب ميامي بشكل معاصر".   ولكن ما يتم "تقليبه" غالبا، كما يتنبأ بعض الاقتصاديين، قد ينقلب في النهاية.  دبي هل سوف تسقط في يوم من الايام من السماء على ام رأسها عندما تنفجر فقاعة ازدهار السوق العقاري هذه، ام سوف تحتفظ ذروة القمة البترولية بهذه المملكة الصحراوية القزم طافية فوق تناقضات الاقتصاد العالمي؟  يظل آل مكتوم جبلا شامخا من الثقة بالنفس: "اود ان اخبر الرأسماليين ان دبي لا تحتاج الى المستثمرين؛ المستثمرون هم الذين يحتاجون الى دبي.  ولسوف اخبركم ان المخاطر تكمن ليس في عدم استخدامكم النقود، ولكن في ترككم لها تتراكم فوق بعضها البعض". (٣٢)

ملك دبي الفيلسوف (احد مشاريع الجزر الاصطناعية الضخمة بالقرب من الشاطئ سوف تقام عليها لافتة تحمل كلماته بالعربية) يدرك جيدا ان الخوف ايضا هو المكون الاكثر ديناميكية لعوائد البترول الذي حول كثبانه الرملية الى مولات تجارية وناطحات سحاب.  في كل مرة يفجر فيها ثوار متمردون خط انابيب في دلتا نهر النيجر، ويقود احد الشهداء الانتحاريين سيارته الملغومة ضد مجمع سكني بالرياض، او تصلصل الحراب والسيوف في واشنطن وتل ابيب ضد طهران، يزداد سعر البترول نتيجة جرعة زائدة من القلق في كل اسواق المستقبل ذات الاهمية الكبيرة.  اقتصاديات الخليج، بكلمات اخرى، لا تجني فوائد انتاج البترول وفقط، ولكنها ايضا تجني فوائد الخوف من انقطاعه. طبقا لدراسة ميدانية اجراها خبراء من دورية بزنس ويك، دفع العالم لدول الخليج الفارسي البترولية زيادة قدرها ١٢٠ بليون دولار او ما يقرب في العام الماضي بسبب ان القيمة في الاسعار كانت تعود الى الخوف من انقطاعات الامداد بالبترول الغير متوقعة.  بعض المتهكمين يقولون ان منتجي البترول يرحبون بهذا الخوف لانه يرفع من عوائدهم".  احد خبراء الطاقة الكبار من الذين تستشيرهم المجلة دائما، يقول ان "الخوف هو نعمة من السماء لمنتجي البترول".

ولكنه نعمة سوف ينفقها اثرياء البترول في واحة هادئة محاطة باسوار عالية.  دبي، بسيادتها التي تحميها في الاخير حاملات الطائرات النووية الفائقة القوة التي تتخذ مرافئها عادة في جبل علي، اضافة الى البروتوكولات السرية مهما كانت (والتي يتم ترتيبها اثناء رحلات صيد الصقور في افغانستان؟) التي تحكم علاقات الاماراتيين بالارهاب الاسلامي، دبي هي جنة الامان الشخصي، من القوانين السويسرية النسق التي تحكم سرية المعاملات المالية الى جيوش الحراسة والامان الشخصي الذين يحمون منتجعات الرفاهية هناك.  بشكل معتاد ومعروف يطلب الحرس الشخصي من السياح الابتعاد بحسم اذا ما حاول السياح اختلاس النظر الى برج العرب وجزره الخاصة.  ضيوف الفندق، طبعا، يصلون في سيارات الرولز رويس.

نادي شاطئ ميلتون فريدمان

دبي، بكلمات اخرى، مجتمع كبير مغلق، انها المنطقة الخضراء في اتم صورها.  ولكنها حتى اكثر من سنغافورة وتكساس، انها المثال الحي على القيم النيوليبرالية للرأسمالية المعاصرة: مجتمع تم تخطيطه وتصميمه بواسطة قسم الاقتصاد في جامعة شيكاغو.  دبي، فعلا، حققت ما تصبو اليه احلام الرجعيين الامريكيين - واحة المشروع الحر دون اي ضرائب على الدخل، او نقابات، او احزاب معارضة (لا توجد هناك انتخابات).  بشكل مناسب تماما هي جنة الاستهلاك، اجازتها الوطنية الغير رسمية، اضافة الى شهرتها الكوكبية، هو مهرجانها الشهير للتسوق، حفل رائع لمدة شهر تحت رعاية ٢٥ مول تجاري بالمدينة يبدأ في ١٢ يناير ويجذب ٤ مليون زائر من المتسوقين الكبار، بشكل اولي من الشرق الاوسط وجنوب اسيا.

استبدادا اقطاعيا - اسرة مكتوم المالكة تمتلك مساحة ارض دبي - في نفس الوقت تهندمت الاسرة الملكية بآخر كلمة في علم ادارة الكوربوريشن التنويري، والمجال السياسي قد انهار رسميا الى مجال ادارة الاعمال.  "الشعب يشير الى امير التاج في دبي بوصفه المدير التنفيذي الاكبر لدبي.  ويعود ذلك، بنحو فريد، الى انه يدير الحكومة كما لو كانت مشروعا خاصا لصالح القطاع الخاص، وليس لصالح الدولة"، هذا قول سعيد المنطفق، رئيس سلطة التنمية والاستثمار في دبي.  اكثر من ذلك، لو ان البلاد هي مشروع بزنس واحد، كما يحافظ آل مكتوم على ذلك، من ثم وجود "حكومة تمثيلية" هو امر خارج عن السياق: فوق كل شيئ، جنرال الكتريك، واكسون ليسوا ديموقراطيات ولا احد - ما عدا متطرفي الاشتراكيين - يتوقع منهم ان يكونوا كذلك.

طبقا لذلك، لا تكاد تتميز الدولة بفارق عن المشروع الخاص.  مدراء دبي الكبار - كلهم من الرعية، ويعملون بالاجر حسب الوساطة عند البيروقراطيين - يحتلون في نفس الوقت مناصب حكومية استراتيجية ويديرون شركة تنمية عقارية كبرى يسيطر عليها آل مكتوم.  "الحكومة"، فعليا، هي فريق ادارة شركة مساهمة يقوده ثلاث لاعبون كبار يتنافسون فيما بينهم على من يكسب اعلى العوائد لآل مكتوم.  يكتب ويليام واليس، "في مثل هذا النظام، مفهوم تصادم المصالح نادرا ما تصادفه لان البلاد لديها صاحب ارض واحد، وعدد كبير من المنابع الريعية والايجارية كلها تصب في جيب مستفيد اوحد، وتستطيع دبي ان تستغني عن معظم ضرائب المبيعات والجمارك وضرائب الدخل التي لا غنى عنها لأي حكومة في اماكن اخرى.  الحد الادنى من العبء الضريبي، في المقابل، يرفع مبيعات او ايجارات جزر دبي الذهبية.  تدعم ابو ظبي الغنية بالبترول، في نفس الوقت، وظائف الدولة الباقية، بما فيها العلاقات الخارجية والدفاع، التي تم ادراجها تحت وصاية الادارة الفدرالية للامارات - التي هي في حد ذاتها شقة مفروشة لمصالح الشيوخ الحاكمين واقاربهم.

وبنفس الروحية، تنبع الحريات الشخصية في دبي بشكل صارم من خطط البزنس، وليس من الدستور، واقل كثيرا من كونها "حقوق غير قابلة للاستلاب".  آل مكتوم ومسئولونه التنفذيون يقومون بمسئولية التحكيم بين السلطة القائمة على اساس النسب والشريعة الاسلامية، من ناحية، وبين ثقافة البزنس الغربي وخلاعة صناعة الترفيه من ناحية اخرى.  حلهم العبقري لهذه المشكلة هو نظام ما يمكن تسميته "باقة من حزم الحريات" التي تقوم على انفصال مكاني صارم للوظائف الاقتصادية والطبقات الاجتماعية المحددة عرقيا بدقة.  لتفهم كيف يعمل هذا القانون في الممارسة العملية، من الضروري ان تستطلع استراتيجية التنمية الشاملة في دبي.

رغم ان التنمية السياحية وتجاوزاتها تولد معظم "وجع الدماغ" حول دبي، لدى المدينة-الدولة طموحات غير اعتيادية للاستيلاء على قدر من القيمة المضافة قدر استطاعتها من خلال سلسلة من مناطق التجارة الحرة المتخصصة وتجمعات التكنولوجيا العالية.  كتب احد المعلقين في شبكة ايه بي سي الاخبارية، "احد السبل التي بها اعادت هذه البلدة التجارية بناء نفسها كمدينة ضخمة هو ان تكون طرفا في كل شيء مثل حوض المطبخ جامع لكل شيء كحافز للشركات من اجل استثمار واعادة بناء مواقعها في دبي.  هناك مناطق تجارية حرة حيث يسمح بنشاط ١٠٠٪ من الملكية الاجنبية، دون اي ضرائب على الافراد او الشركات او جمارك على الواردات او الصادرات مهما كانت".  الان تقوم في المنطقة التجارية الحرة الاصلية في مقاطعة ميناء جبل علي الاف عديدة من المشاريع التجارية والصناعية المقيمة، وهي القاعدة الكبرى للكوربوريشن الامريكي الذي يبيع في اسواق السعودية والخليج.

ومع ذلك، من المتوقع ان يتوالد معظم النمو المستقبلي داخل ارخبيل من "التجمعات" المتخصصة.  اكبر هذه المدن-داخل-مدن هي مدينة الانترنت، التي هي توا مركز تكنولوجيا المعلومات الرئيسي في العالم العربي، بتوابع محلية لشركات دل، وهيوليت باكارد، وميكروسوفت واخرين؛ ومدينة الاعلام، بيت قناة العربية الفضائية والمنظمات الدولية الاخبارية؛ والمركز المالي الدولي لدبي، الذي يأمل آل مكتوم ان يصير مؤشره اكبر بورصة تداول اسهم وسندات بين اوروبا وشرق اسيا في الوقت الذي يندفع المستثمرون الاجانب فيه الى فتح صنابير خزان الخليج الواسع الممتلئ بمكاسب النفط.  اضافة الى كل هذه الجيوب المتضخمة، كل منها بعشرات الالاف من العاملين، تستضيف دبي ايضا او تخطط لأن تبني مدينة اغاثة انسانية، كقاعدة لتخفيف الكوارث؛ ومنطقة تجارية حرة مكرسة لمبيعات السيارات المستعملة؛ ومركز دبي للسلع والمعادن؛ "مدينة شطرنج" كمقر مركزي لجمعية الشطرنج الدولية ومصممة كرقعة هائلة للشطرنج ببرجين اثنين كملكين، كل منهما يعلو ٦٤ طابقا؛ وقرية صحية تتكلف ٦ بليون دولار، بالتعاون مع مدرسة طب هارفارد، التي سوف تمنح الطبقات الثرية في منطقة الخليج اخر مستوى متقدم للتكنولوجيا الطبية الامريكية.

بالطبع، المدن الاخرى في المنطقة لديها مناطقها التجارية الحرة وتجمعاتها للتكنولوجيا الفائقة، ولكن دبي فقط تسمح لكل جيب من هذه الجيوب عندها ان تعمل في ظل قباب تنظيمية وقانونية تلبي متطلبات الرأسمال الاجنبي والمهنيون الاجانب.  "يحفرون خزائن ارباحهم الفاحشة بقوانينهم المعينة الخاصة بهم"، كما تزعم الفاينانشال تايمز، "هذا العرف يقع في القلب من استراتيجية دبي  للتنمية".  وهكذا الرقابة على الصحف، الصارمة في كل مكان اخر من دبي، في حكم المعلقة داخل مدينة الاعلام، بينما الانترنت (التي يخضع محتوى مواقعها للرقابة في كل مكان اخر من دبي) مطلقة السراح بلا اي قيود داخل مدينة الانترنت.  سمحت الامارات العربية المتحدة لدبي ان تنشئ "نظاما مستقلا منفصلا بالكامل للتجارة على النسق الغربي في مقاطعتها المالية التي يعمل البزنس داخلها بالدولار، وباللغة الانجليزية".  دبي استوردت حتى، رغم ان ذلك لم يخلو من الجدل والاختلاف الذي تفجر من  جراء ذلك، محكمين ماليين وقضاة متقاعدين لبناء الثقة في ان مؤشر بورصتها يلعب بنفس احكام وقواعد زيورخ ولندن ونيويورك.  وفي نفس الوقت، من اجل الترويج لبيع منتجعات الجميرة بالم والجزر الخاصة التي تتكون منها "جزيرة العالم"، اعلن آل مكتوم في ٢٠٠٢ "ثورة التملك الحر"، الفريدة من نوعها في المنطقة، التي تسمح للاجانب بشراء مقتنيات الرفاهية مباشرة وليس فقط عن طريق حق الانتفاع لمدة ٩٩ عاما.

اضافة الى نظام الجيوب هذا الذي يتسم بحرية كبيرة للاعلام وحرية البزنس، تشتهر دبي ايضا بأنها متسامحة ازاء الخطايا الغربية، باستثناء مخدرات اللذة.  على عكس السعودية او حتى مدينة الكويت، تتدفق المشروبات الروحية القوية بحرية في فنادق المدينة وخمارات الاجانب، ولا يقف احد متساءلا امام ثياب النساء العارية او البيكيني ذي الاشرطة الرفيعة على الشواطئ.  دبي - كما تنصح كل الكتب السياحية - هي ايضا بانكوك الشرق الاوسط"، بآلاف المومسات الايرانيات والهنديات والارمنيات والروس تحت سيطرة المافيا والعصابات المتعدية الجنسيات المتنوعة.  الفتيات الروسيات في البارات هي الواجهة الفخمة لتجارة الجنس الشريرة القائمة على الاختطاف والعبودية والعنف السادي.  آل مكتوم ونظامه العصري المتقن، طبعا، ينكر اي تواطؤ مع صناعة الليالي الحمراء المزدهرة هذه، رغم ان العالمين ببواطن الامور يعرفون ان العاهرات هي امر ضروري للاحتفاظ بالفنادق الخمسة نجوم ممتلئة برجال الاعمال العرب والاوروبيين.  عندما يمجد الغرباء "انفتاح" دبي الفريد من نوعه، فهي حرية الشراب والفسوق - وليست حرية تنظيم النقابات او نشر الاراء الانتقادية - التي يمتدحونها عادة.

اغلبية لابد منها ولكن غير مرئية

بلغت دبي مع جيرانها من الامارات، اعلى قمة في فنون كتم صوت العمال.  في بلد قام بإلغاء الرق عام ١٩٦٣، النقابات ومعظم الاضرابات وكل المحرضين عليها خارج القانون، و٩٩٪ من قوة العمل في القطاع الخاص يمكن تحويلهم فورا الى غرباء لا يحملون المواطنة وقابلين للترحيل خارج البلاد.  حقا، يجب ان يسيل لعاب عتاة المفكرين في المشروع الامريكي ومعاهد كاتو عندما يتدبرون نظام الطبقات والرتب في دبي.

على قمة الهرم الاجتماعي، طبعا، يتربع آل مكتوم وابناء عمومتهم الذين يمتلكون حبات الرمل الغالية الوفيرة الارباح في المشيخة.  تاليا لهم، ١٥٪ من السكان الاصليين (العديد منهم اصلا من عرب جنوب ايران) يشكلون طبقة مرفهة، الدشداشة البيضاء التقليدية هي زيهم المميز لهم.  خضوعهم للاسرة المالكة مقابله مخصصات الدخل، والتعليم المجاني، والمساكن المدعومة والوظائف الحكومية.  درجة واحدة الى الاسفل تجد المرتزقة المدللون: اكثر من ١٠٠ الف مغترب بريطاني (هناك ١٠٠ الف بريطاني اخرون يمتلكون بيتا ثانيا او شقة سكنية في دبي)، بالتوازي مع مدراء ومهنيين اوروبيين، ولبنانيين، وايرانيين، وهنود اخرين، يمتلكون مميزات كاملة من السكن المريح مكيف الهواء وشهرين اجازة عبر البحار كل صيف.  البريطانيون، بقيادة ديفيد بيكهام (الذي يمتلك شاطئا) ورود ستيوارت (الذي يمتلك جزيرة)، ربما هما اكبر مشجعين في جنة آل مكتوم، والكثير منهم يتمتع في المجتمع المخملي العالمي الذي يتذكر المجد العظيم للجين والتونيك في رافليز واللهو الطفولي البرئ في اكواخ البوص بسيملا.  دبي خبيرة في استدعاء ذكريات الحنين للعصر الاستعماري.

المدينة الدولة هي ايضا صورة مصغرة للحكم البريطاني الاستعماري في الهند في جانب من جوانبه المهمة وسيئة الصيت.  الجمهور الاعظم من السكان هم العمال الاسيويون الجنوبيون الذين يعملون بموجب عقود، مقيدين قانونيا بصاحب عمل واحد وخاضعين لاشكال رقابة اجتماعية شمولية.  تجد في طرز حياة الرفاهية في دبي حضورا لاعداد ضخمة من الخادمات الفلبينيات، والسري لانكيات، والهنديات، بينما الازدهار العقاري (الذي يعمل به حوالي ربع قوة العمل كاملا) محمول على عاتق جيش من الباكستانيين والهنود لقاء اجور زهيدة، اوسع فيالقهم من كيرالا، يعملون في ورديات من ١٢ ساعة، لمدة ستة ايام ونصف في الاسبوع، في لهيب الصحراء الذي يذيب الاسفلت.

دبي، مثل جاراتها، تنتهك لوائح وقوانين منظمة العمل الدولية وترفض تبني اتفاقية العمال المهاجرين الدولية.  اتهمت هيومان رايتس ووتش في ٢٠٠٣ الامارات بأنها تبني رفاهيتها على "العمل القسري".  فعليا، كما اكدت صحيفة الاندبندنت مؤخرا، "يشابه سوق العمل بشدة نظام العمل العبودي القديم الذي جلبه لدبي ساداتها الاستعماريون السابقون، البريطانيون".  واستمر حديث الصحيفة اللندنية، "مثل اجدادهم الفقراء الاولين، اليوم العمال الاسيويون مرغمون على توقيع عقود عبوديتهم الفعلية لمدة سنوات عندما يصلون الى الامارات العربية المتحدة.  تختفي حقوقهم في المطار حيث يصادر وكيل التشغيل جوازات سفرهم والفيزا ليستطيع السيطرة عليهم". 

اضافة الى الاستغلال المركب، اقنان دبي - مثل البروليتاريا في كتاب فريتز لانج "ميتروبوليس" - يجب ان تتوقع انهم ايضا غير مرئيين عموما.  الصحافة المحلية (تحتل الامارات العربية المتحدة المرتبة الـ ١٣٧ في مؤشر حرية الصحافة على مستوى العالم) محظور عليها تغطية العمال المهاجرين، واشكال الاستغلال في ظروف العمل، والدعارة.  وعلى نفس المنوال، "محظور على العمال الاسيويين ارتياد المولات التجارية الفخمة من اجل التسوق، وملاعب الجولف الجديدة والمطاعم الانيقة".  ولا تغطية معسكرات العمل الكئيبة في ضواحي المدينة - حيث يزدحم العمال ٦، واحيانا ٨ واحيانا ١٢ في الغرفة، دون اي تكييف هواء او مراحيض سليمة - جزء من الصورة السياحية الرسمية للمدينة: فخامة، دون فقر او احياء عشوائية.  حتى وزير العمل في الامارات العربية المتحدة، في زيارة له مؤخرا شعر بالصدمة من القذارة التي لا تكاد تحتمل في معسكر عمل ناء تديره شركة مقاولات ضخمة.  الا انه عندما حاول العمال تشكيل نقابة لأخذ مستحقات قديمة لهم ولتحسين ظروف معيشتهم، تم القبض عليهم فورا.

شرطة دبي قد تغمض عينا عن واردات ذهب ومجوهرات مهربة، او حلقات دعارة، او شخصيات غامضة تشتري ٢٥ فيلا سكنية مرة واحدة عدا ونقدا، ولكنهم متيقظون ساهرون في ترحيل العمال الباكستانيين الشاكين من غش اصحاب العمل الغير شرفاء لهم في اجورهم المستحقة، او في اعتقال خادمات فلبينيات بتهمة "الزنا" بينما الجريمة هي اغتصاب تلك الخادمات بواسطة رب الاسرة اللائي يعملن عندها.  لتجنب البركان الكاسح لقلاقل شيعية كالتي تثير قلق البحرين والعربية السعودية ايضا، فضلت دبي وجيرانها في الامارات العربية المتحدة الاعتماد على قوة عمل غير عربية مستجلبه من الهند الغربية والباكستان وسري لانكا والبنجلاديش والنيبال والفلبين.  ولكن في الوقت الذي يتحول فيه الاسيويون الى اغلبية مستقرة يتزايد عددها، عكست الامارات العربية المتحدة المسار وتبنت "سياسة متعددة الثقافات" - "طلب منا الا نستعين بمزيد من العمالة الاسيوية"، هذا ما فسره احد المقاولين - لتدعيم السيطرة على قوة العمل بتذويب التركزات القومية الموجودة بمزيد من العمال العرب.

ومع ذلك، التمييز ضد الاسيويين فشل في جلب ما يكفي من العرب الذين يقبلون بالعمل بهذه الاجور المتدنية (١٠٠ الى ١٥٠ دولار في الشهر) التي تدفع لعمال البناء من اجل الوفاء بمتطلبات بناء ناطحات السحاب والمشاريع المعمارية الضخمة التي لم تكتمل بعد.  فعلا، الازدهار العقاري، بسجله المريع من الاهمال وانعدام الامن لابسط احتياجات العمال الاساسية، كان حاضنا لاول تمرد عمالي في دبي.  في ٢٠٠٤ وحدها، قدرت هيومان رايتس ووتش ٨٨٠ حالة وفاة لعمال البناء اثناء العمل، ومعظم الحوادث الخطيرة القاتلة لم يبلغ اصحاب العمل عنها او لم تقوم الحكومة بالتحقيق فيها رسميا".  في نفس الوقت الذي لا تؤمن فيه شركات البناء الضخمة او المقاولون من الباطن ابسط ضروريات الصرف الصحي او الماء الكافي الصالح للشرب للعمال في مناطق العمل النائية. وقد زاد سخط العمال ايضا لقطعهم مسافات اطول لمواقع العمل، وبسبب الطغيان الصغير (عادة ما يكون مصحوبا بانحياز ديني او عنصري) الذي يمارسه رؤساءهم الصغار في العمل، وبسبب جواسيس وحراس الشركة في معسكراتهم، وقيد الديون من اجل حصولهم على عقود عمل، وفشل الحكومة في معاقبة المقاولين الذين يفرون ليلا مغادرين لدبي عن طريق الجو او يعلنون افلاسهم دون دفع ما عليهم من اجور متبقية لعمالهم.  وكما اخبر احد العمال الممرورين من كيرالا صحيفة النيويورك تايمز، "ارغب في ان يدرك الاغنياء من هو الذي بنى تلك الابراج.  اود لو انهم قدموا الى هنا ليروا كم هي حزينة حياتنا هذه".

جاءت اول نبضة تمرد في خريف ٢٠٠٤ عندما قام عدة الاف من العمال الاسيويين بمسيرة شجاعة على طريق الشيخ زايد السريع ذي الثماني حارات مرورية متوجهين الى وزارة العمل، ليقابلهم فقط بوليس مكافحة الشغب والمسئولون الذين هددوهم بالترحيل الجماعي.  استمرت المظاهرات الاصغر والاضرابات الاصغر احتجاجا على الاجور التي لم تدفع وظروف العمل الغير آمنة، خلال عام ٢٠٠٥، مستلهمة هبة واسعة للعمال البنجلاديشيين في الكويت اثناء ربيع ذلك العام.  في سبتمبر، تظاهر ما يقدر عددهم بنحو سبعة الاف عامل لمدة ثلاث ساعات، وهو اكبر عمل احتجاجي في تاريخ دبي.  ثم، في ٢٢ مارس ٢٠٠٦، رجال امن وقحون اشعلوا شغبا في موقع برج دبي الشاسع.

بعض من ٢٥٠٠ عامل منهكين في غاية التعب انتظروا بعد نهاية ورديتهم لمدة طويلة وصول الحافلات المتأخرة عن موعدها حتى تعود بهم الى محال اقامتهم في الصحراء، عندما بدأ الحرس في التحرش بهم.  اغتاظ العمال، والعديد منهم هنود مسلمون، واكتسحوا الحرس وضربوهم، ثم هاجموا مقر ادارة شركة المقاولات: احرقوا سيارات الشركة، ونهبوا المكاتب وحطموها، ودمروا الحواسب الالية ومزقوا الملفات.  في الصباح التالي، تحدى جيش العمال الشرطة ورفضوا العودة للعمل بالموقع، حيث رفضوا العمل حتى ترفع شركة النابودة لاينج اوروركي اجورهم وتحسن اوضاع عملهم.  انضم ايضا الاف من عمال البناء في مهبط المطار الجديد الى الاضراب العشوائي.  ورغم ان بعض التنازلات الصغيرة مع التهديدات التنينية اجبرت معظم العمال على العودة للعمل في برج العرب والمطار، ما زالت المظالم التي يعانون منها تختمر.  في يوليو، مئات من العمال في مشروع المزارع العربية على طريق الامارات قاموا بأعمال شغب احتجاجا على النقص المزمن في مياة الطهي والاستحمام في معسكرهم.  نظم عمال اخرين لقاءات لنقابة سرية وهددوا كما تواتر باحتلال الفنادق والمولات التجارية.

الصوت المنفلت للعمال يتردد صداه في صحراء الامارات العربية المتحدة ربما اكثر من اي مكان اخر.  في نهاية اليوم، تعول دبي بالضبط على العمالة الرخيصة بنفس القدر الكبير الذي تعول به على النفط الغالي، وآل مكتوم، مثل ابناء عمومتهم في باقي الامارات، يدركون على نحو دقيق وبارع انهم يحكمون مملكة قائمة على ظهور عمالة جنوب اسيوية.  انفق الكثير للدعاية لصورة دبي كجنة آمنة لرأس المال لدرجة ان حتى الاضرابات البسيطة قد يكون لها اثرا مضاعفا على ثقة المستثمرين.  شركة دبي تضع لذلك في اعتبارها تنويعة من ردود الفعل على قلاقل العمال، تتراوح من الاستبعاد والقبض الجماعي الى السماح ببعض المقايضات الجماعية المحدودة.  ولكن اي تسامح مع اعمال الاحتجاج قد تعرض في المستقبل الى مخاطر ليس فقط المطالبة بانشاء نقابات ولكن الى مخاطر المطالبة بحق المواطنة، وبذلك تهدد اسس الاستبداد المطلق لحكم آل مكتوم.  لا احد من اصحاب المصلحة في دبي - سواء البحرية الامريكية، او البليونيرات السعوديون، او المغتربين الذين يغرفون من اللذة - يريدون رؤية ظهور منظمة للتضامن في الصحراء.

آل مكتوم، الذي يتخيل نفسه نبي التحديث في الخليج، يهوى ترك انطباعات مؤثرة على زائريه بالقاء الحكم والامثال القوية.  من حكمه المحبوبة: "اي شخص لا يحاول تغيير المستقبل سوف يظل اسيرا للماضي".  الا ان المستقبل الذي يبنيه في دبي - الذي يلاقي تشجيع وتهليل البليونيرات والكوربوريشن الكبير في كل مكان - لا يبدو اشبه بأي شيء سوى كابوس من الماضي: سبير يلتقي بديزني على سواحل ارابيا.

طبعة من هذه المقالة سوف تظهر في كتاب مايك ديفيز ودانيال مونك، واخرين بأسم: فراديس شريرة: عالم احلام الليبرالية الجديدة، صادر عن دار نشر نيو برس في ٢٠٠٧.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية