حوار أجراه " جارسيا ماركيز"
, و " روبرتو بومبو " عن لحظة دخلول قوات الزباتيستا للتحرر الوطني إلى
العاصمة " مكسيكو سيتي" ،أكبر إنتصار حققته الزاباتيستا,أهم الحركات
الثورية للسكان الأصليين في أمريكا اللاتينية وأكثرها شهرة على المستوى
العالمي.. ويتحدث فيه (القائد الأدنى)* " ماركوس " عن الحلم الاستراتيجي
للزاباتيستا والمصادر الأدبية والفكرية للنضال الثوري . والتناقض الذي
تحياه الزاباتيستا كحركة تحمل السلاح، وفي الوقت نفسه تري أن الجيوش_حتى
الجيوش الثورية- لاتبنى إلا نظما إستبدادية…
من التقاليد الأصيلة
للزاباتيستا رفض الأبراج العالية , وعليه فإن أسوأ مكان تشاهد فيه مظاهرة في
" زوكالو" هو المنصة , كانت الشمس حارقة , والدخان كثيف , والصداع يصيبنا
جميعا , والقلق يسيطر علينا ونحن نحصي من يصابوا بالإغماء أمامنا . قلت
لرفيقي القائد " تاتشو" , سوف نعتاد الدخان والشمس مع الوقت , بدأنا ندعو
الناس إلى عدم مغادرة الميدان . على الرغم من أننا لم نكن قادرين على مشاهدة
كل الطرق المؤدية إليه . كنا نحتفظ بمسافة تفصلنا عن الزحام , وذلك لأسباب
أمنية . كما كنا أيضا في حالة بالغة من الـتأثر والاستثارة , ولم نكن نعرف ما
يحدث في " زوكالو" حتى قرأنا التقارير الصحفية وشاهدنا الصور في اليوم التالي
. ولكن كنا نرى , كما كان يعتقد آخرون ,أن الاجتماع بلغ ذروته , وأن كلماتنا
في ذلك اليوم كانت موفقة . وأن رسالتنا أصابت الحقيقة , أننا اربكنا أولئك
الذين كانوا يتوقعون أننا سنحاصر القصر أو سندعو للعصيان العام . كما اربكنا
أيضا من كانوا يعتقدون أننا لسنا إلا مجرد خياليين ومتحمسين . أعتقد أننا
ضربنا كل هذه التوقعات . وبشكل أو بأخر , استطاعت قوات زاباتيستا للتحرر
الوطني أن تكون مسموعة في زوكالو في 11 مارس 2001 بشكل غير مسبوق , وأن تؤكد
أن الهزيمة النهائية للعنصرية لابد أن تترجم في سياسة الدولة , وفي السياسة
التعليمية , وفي الوعي الجماعي لكل المجتمع المكسيكي . وعلى حد قول جنودنا ,
تم كسب المعركة , لكن لازالت هناك مناوشات محدودة . الخلاصة , أنني مؤمن بأن
الاجتماع الذي عقد في " زوكالا" . أوضح أن قرارانا بتجنب استخدام السلاح كان
قرارا صحيحا , لذلك , لم تكن أسلحتنا هي وسيلتنا في الحوار مع المجتمع , وأن
الرهان على التحرك السلمي كان رهانا عقلانيا ومثمرا . لا زالت الدولة
المكسيكية عاجزة عن فهمه , خاصة الحكومة المكسيكية .
-
استخدمت
تعبير " كما يقول جنودنا " . بالنسبة لأي كولومبي , اعتاد الحديث بأسلوب
المغاوير المسلحين , فإن حديثك لا يحمل ألفاظا عسكرية واضحة . كيف تعسكرت
الحركة التي تقودها , وكيف يمكنك وصف الحرب التي تخوضها ؟
نحن تشكلنا كقوة مسلحة , حركة
الزاباتيستا للتحرر الوطني . حركة ذات بنية عسكرية, وأنا قائد عسكري لجيش
التحرر . لكن جيشنا مختلف تماما عن غيره من القوات المسلحة , لأن هدفنا هو أن
نكف عن حمل السلاح . أي جندي بطبيعته شخص يتصرف بشكل مناف للعقل , فهو يلجأ
للسلاح لكي يقنع الآخرين !! لذلك فإن حركة الزاباتيستا تدرك أنها بلا مستقبل
إذا كان مستقبلها هو حمل السلاح . إذا أبدت حركة الزاباتيستا نفسها في بنية
عسكرية مسلحة , فإنها ستفشل لا محالة . ستفشل في أن تكون بديلا يقوم على أساس
أفكار و مواقف محددة من العالم . فضلا عن ذلك , فإن أسوأ شئ يمكن أن يحدث
لها. أن تأتي إلى السلطة وتنصب نفسها باعتبارها جيشا ثوريا . بالنسبة لنا ,
هذا فشل ذريع . إن ما يعتبر نجاحا لمنظمات سياسية
–
عسكرية نشأت في السيتينات و السبعينات مع حركات التحرر الوطني , لا نعتبره
إلا فشلا وزيفا .
نحن نرى أن هذه الانتصارات
تأكد فشلها في النهاية , أو هزيمتها , واختباءها خلف ادعاءات النجاح . إن ما
يبقى بلا حل هو دور الناس , دور المجتمع المدني , في النزاع الذي لا ينتهى
بين الطرفين المتنازعين من أجل السيطرة والهيمنة . فهناك قوة تقرر من برجها
العالي مصالح المجتمع , وجماعة من الحالمين يقررون قيادة البلاد في الطريق
الصحيح والإطاحة بالمجموعة الأخرى من السلطة , والإحلال محلها , أيضا ليقرروا
ماهو في صالح المجتمع , بالنسبة لنا , فإن الصراع بين الطرفين الساعين من أجل
الهيمنة , يكون فيه المنتصر هو الخير , والمهزوم هو الشر .. صراع لا يفضي إلى
أي تغييرات أساسية لصالح المجتمع , تدرك حركة الزاباتيستا للتحرر الوطني ذلك
تماما , ولذلك فإن صفتها العسكرية تتقلص , وأسلحتها مقيدة , لذلك فنحن لا
نعتبر التحركات المسلحة أفضل من التحركات السلمية , بل ندرك ذلك بشكل واضح .
أصبح وزن السلاح أقل من قبل , كما تصبح الجماعات المسلحة أقل أهمية حينما
تدخل في حوار مع الشعب . إنك لا تستطيع إعادة بناء العالم ولا إعادة بناء
المجتمع , ولا حتى إعادة بناء الدول القومية الآن , على أساس النزاع حول من
سيفرض هيمنته على المجتمع .
يتكون العالم بشكل عام ,
والمكسيك بشكل خاص , من أنواع مختلفة من الناس , لا بد أن تقوم العلاقات فيما
بينهم على أساس الاحترام والتسامح . وهي الأشياء التي لا وجود لها في خطاب
المنظمات السياسية- العسكرية التي وجدت في الستينيات والسبعينيات . والواقع ,
وفي الغالب الأعم , أنها موجودة , وتعاني منها حركات التحرر الوطني المسلحة
في هذه الأيام , لكنها تؤدي لكوارث فادحة .
بشكل عام , هناك قضية فلاحية
كبيرة في داخل حركة اليسار الثوري في أمريكا اللاتينية . تتعلق بالسكان
الأصليين , الذين جئنا من بين صفوفهم , وأيضا بشأن الأقليات الأخرى . و حتى
ولو رفعنا قبعاتنا احتراما لغيرنا من الاقليات فلن نعامل معاملة أقليات أخرى
مثل الشواذ . فالشواذ لم يستبعدوا من الخطاب السياسي لليسار الأمريكي
اللاتيني في الستينات والسبعينات
–
وحتى اليوم –
لكن الإطار النظري للماركسية اللينينية آنذاك كان لا يحترمهم, وإن كان
يعتبرهم جزء مهملا من الجبهة . فالمثليين , على سبيل المثال , يشتبه في أنهم
قد يكونوا خونة محتملين , وعناصر ضارة سواء للحركة الاشتراكية أو للدولة .
لكن السكان الأصليون ينظر لهم باعتبارهم قطاع متخلف يعيق قوى الإنتاج !!..
لذلك , كان المطلوب القضاء على هذه العناصر , وسجن بعضهم , أو إعادة تعليم
بعضهم الأخر , واستيعاب الآخرين في عملية الإنتاج , وتحويلهم إلى عمال مهرة
–
بروليتاريا , ووضعهم في هذا الإطار .
كل الحركات الطليعية تعتبر
نفسها ممثلة للأغلبية . نحن لا نعتقد أن هذه الفكرة زائفة فحسب , بل نعتبرها
في أفضل الأحوال ليست أكثر من مجرد أمنية لا أساس لها في الواقع. فقد أصبح
لكل القوى الاجتماعية الراهنة اليقين بأن أولئك الذين يدعون تمثيلها أو
قيادتها , هم أنفسهم يدركون عدم صحة ذلك . في هذا الإطار, ليس لحركة
الزاباتيستا للتحرر الوطني أية ادعاءات بأنه حركة طليعية , ولا تعترف إلا
بأوضاعها الواقعية . إن الاعتقاد بأننا يمكن أن نتحدث باسم الناس ونعبر عن
مصالحهم هو استمناء سياسي . بل أن هذا الأمر لا يجلب الرضا مثله مثل الجماع
الناقص الذي لا يجلب المتعة
–
على الأكثر , مثل الكتابات التي لا يقرأها سوى من كتبوها . نحن نسعى إلى أن
نكون أمناء مع أنفسنا , وقد يقول البعض أن هذا التصرف سلوكا إنسانيا لائقا .
أننا لا ندعي الفضيلة , ولكننا نقول بأمانة أننا لا نمثل سوى جماعات
الزاباتيستا للسكان الأصليين في منطقة جنوب شرق المكسيك , وإن كان خطابنا يصل
إلى قطاعات أوسع من أولئك الذين نمثلهم . هذا كل ما في الأمر . فلنا في
كلماتنا التي ألقيناها خلال مسيرتنا إلى العاصمة , أننا لا نستطيع ولا يجب أن
نسعى لقيادة الصراعات والنضالات التي نلاقيها خلال رحلتنا , ولا حتى رفع
شعارات لهم . نحن لا نرى أن هؤلاء غير قادرين على التعبير عن أنفسهم , وعن
المظالم الكثيرة التي يعانون منها , وعن شكاواهم , ومطالبهم . . . في تصورنا
أن مسيرتنا كانت مثل حرث الأرض وتقليبها التي تسمح بكشف الكثير من المدفون
فيها . كنا أمناء وقلنا للناس أننا لم نأت لنقود أحدا وفقا لما نتصوره .
جئنا فقط لنحقق مطلب , لكن تحركنا هذا , يمكن آخرين من التحرك. وتلك قصة أخرى
.
هناك حكاية رسمية وحكاية
حقيقية . الحكاية الرسمية هي أننا كنا نحدد كل ما نفعله في كل خطوة . أما
الحكاية الحقيقية هي أننا كنا نناقش معا هذه الأمر من حين لأخر على مدار
السنوات السبع الماضية . جاءت اللحظة المناسبة عندما حقق الزاباتستيون أعضاء
الحركة تطورات كثيرة . فإن ما نحن عليه الآن , ليس هو ما كنا فيه عام 1994 ,
أو في الأيام الأولى من عام 1994 حينما بدأنا القتال ؟ فنحن نعمل وفق مجموعة
من الأحكام الأخلاقية, التي حددناها خلال السنوات السبع الأخيرة . ففي
النهاية نحن لم نحرث الأرض على نحو ما كنا نأمل . لكن ما فعلته مسيرتنا كان
كافيا لإظهار كل هذه المشاعر الملتهبة على السطح. في كل الميادبن , كنا نقول
للناس : " نحن لم نأت لكي نقودكم , لم نأت لنقول لكم ما تفعلوه , ولكن جئنا
لنستعين بكم " . إلى درجة أننا تسلمنا خلال المسيرة : قوائم بشكاوي ودعاوى
قضائية ترجع إلى ما قبل الثورة المكسيكية , قدمت لنا على أمل أن يقوم شخص ما
بحل المشاكل الواردة فيها . لو أننا حصدنا وقيمنا نتائج مسيرة الزاباتيستا ,
لاستمر جدلنا حتى اليوم . ولا يستطيع أحد أن يقيم لنا نتائجها . أن أشكال
التنظيم , والمهام السياسية , قد تحتاج لبعض التغيرات وفقا لما هو ممكن .
فعندما نقول للقيادات "لا " فإننا أيضا سيقال لنا "لا " .
نحن نعمل وفق زمنين وساعتين
مختلفتين , يدور الصراع بين ساعة تعمل بالكروت المثقبة , وتلك ساعة " فوكس" ,
أما نحن فساعتنا رملية . الجدل يدور حول الخضوع لمبدأ العمل وفق ساعة المصنع
أي ساعة "فوكس" وإلغاء ساعتنا الرملية . يجب أن يدور الجدل ليس وفقا لساعتهم
ولا لساعتنا . كلانا يحتاج إلى فهم موقف الأخر , ولذلك نحن نحتاج لساعة أخرى
نتفق عليها , أي نحتاج لاتفاق على إيقاع الحوار وعلى السلام النهائي . نحن
لسنا طرفا في ساحة الصراع على السلطة , ولو دخلناه سنكون على أرضهم تماما ,
وسنكون غير فاعلين وغير مؤثرين على الإطلاق إذا دخلنا اللعبة السياسية , على
الأقل في هذا النوع من السياسة . نحن لا نجيدها , ونتعثر فيها , ولا نريد
الدخول فيها . أما خصومنا فيجيدونها , وهم لاعبون مهرة . على هذه الأرضية
سيدور الجدال , سواء حدد السياسيون أجندته أو حددت وفقا لاحتياجاتنا . مرة
أخرى , أعتقد أن لا نحن ولاهم يمكن أن يكون بيننا حوار . حينما خضنا حرب ,
كنا نتحدى الحكومة , لكننا الآن لكي نبني سلام فنحن لا نتحدى الحكومة وحدها ,
بل نتحدى الدولة المكسيكية برمتها .وهنا لا يمكن الجلوس على مائدة الحوار مع
الحكومة . مع ذلك نحن ندعو لإقامة هذا الحوار , ونحن في حاجة له , ونتحدى
الحكومة أن تكون مقتنعة به , ولن تجلس للحوار أو تتوقف عنه إلا إذا رأت فيه
مكسبا لها . ولذلك فإنه حتى ولو بدا , فإنه سينتهي إلى الفشل .
الحكومة في جانب , ونحن في
الجانب الأخر .
-
فعليا , ألم يوافق " فوكس "
على الحوار , حينما أعلن رغبته في الحوار معك , وأنه سوف يستقبلك في القصر
الرئاسي , أو في أي مكان تريده ؟
ما يقوله فوكس لا يعكس إلا
رغبته في الحصول على جانب من كعكة وسائل الإعلام , التي أصبحت وسيلة لكسب
الشعبية , وذلك أهم عنده من الدخول من حوار أو في مفاوضات.يبحث فوكس عن فرصة
لجذب الإعلام , والحفاظ على كسب اهتمامه به وبتصريحاته . لكن عملية السلام لا
يمكن أن تحدث من خلال الاستعراضات والمشاهدات الدعائية , ولكن بالجلوس بجدية
على مائدة المباحثات وتكريس جهودك لحوار حقيقي. نحن مستعدون تماما لمباحثات
مع " فوكس" , إذا تحمل المسئولية الشخصية للحوار , وتعهد بأن تفضي المفاوضات
معنا إلى نهاية . لكننا نسأله : من سيدير البلاد خلال فترة مباحثاتك معنا ,
التي ستكون محادثات شاقة ؟ بالطبع , لست في حاجة لآن أوضح هذا لواحد من
كولومبيا, فأنت تعرف من خبرتك أن عمليات الحوار والتفاوض في أي صراع مسلح
تكون بالغة الدقة , ويستحيل على رئيس دولة أن يكرس لها كل وقته . فإن كان "
فوكس" جادا , فليعين مسئولا لحكومته لإجراء حوار معنا . هذا أمر غير ملح وغير
عاجل . فإن المصافحة من فوكس أو من ينوب عنه ليس من بين أحلامنا الراهنة .
استيقظت خصيصا من أجل هذا
اللقاء , والآن حان وقت الذهاب إلى النوم ( ضحك). أجرينا مناقشات مع عديد من
الجماعات , أود أن أذكر أن : عددا كبيرا من الجماعات في العالم
–
بصرف النظر عن مدي تأثيرها
–
تأثرت بكلامنا . نحن نجلس على أحد المائدتين على كراسي متحركة , أذكر أنني
جلست على أحدها في شبابي , مع الكونجرس والأخرى مع مجتمعات مكسيكوسيتي . لكن
ما يقلقنا أن الكونجرس يعاملنا وكأننا متقدمون بطلبات عليه أن ينظرها ,
ويطالبنا بالانتظار لأنه مشغول بموضوعات أخرى . إذا كان الأمر على هذا النحو
, فإنه لن يسفر إلا عن أضرار كثيرة , لأن مجرد الاعتراف بحقوق السكان
الأصليين لي يحل القضية الآن . هذا الأمر سيصيب كثير من الناس بالصدمة . إن
الناس لن تقبل أن يقتصر دورها على المشاركة في يوم الانتخابات فقط . إلى جانب
ذلك , فإن مثل هذه المفاوضات تحمل إشارة للجماعات السياسية- العسكرية
الراديكالية الأخرى , التي تنمو تحت شعار يدعى أن أي تفاوض سياسي هو شكل من
أشكال الاستسلام .
عمري 518 . .. ( ضحك)
الحوار يعني ببساطة قواعد متفق
عليها للجدل فيما بيننا للانتقال إلى أرضية ووضعية أخرى . القضية , هي
الأسلوب والطريقة التي ستتبع في إدارة الحوار . هناك أمر لا بد أن يدركه "
فوكس" أننا لن نصبح " فوكسيين" في هذه المحادثات . أن ما نريده من المفاوضات
لن يتحقق إلا بالتعامل معنا باحترام منذ البداية , لذلك , لا أنا ولا أي شخص
أخر سيتراجع أو يتخلى عن أدواته العسكرية مرة أخرى . أن التحدي الذي يواجهنا
, ليس فقط ترتيب مائدة المفاوضات , بل أيضا اختيار من يشارك معنا في الحوار .
نحن في حاجة لاختيار متحدث رسمي , وليس مجرد مستشارين إعلاميين لترويج صورة
مزيفة معدة سلفا. أنه أمر ليس بالسهل . كانت الحرب أسهل . وإن كانت معالجتها
ممكنه. ففي السياسة , يمكن التوصل إلى علاج في أغلب الأحيان .
-
ملابسك غريبة إلى حد ما : وشاح
معقود على الرقبة وقبعة مائلة على الجانب. كما تحمل كشاف صغير , رغم أنك لا
تحتاج إليه هنا , ولديك وسائل اتصال بالغة التعقيد , وترتدي ساعة في كل يد .
هل هي رموز ؟ ماذا يعني كل ذلك ؟
البطارية لاستخدامها عند
انقطاع الكهرباء , وجهاز اللاسلكي في تصور المستشارين للإجابة على أسئلة
الصحفيين . الأكثر أهمية , هذا " الوكي- توكي" ( جهاز اتصال اللاسلكي) يسمح
لي بالاتصال مع الأمن ومع رفاقي في الأدغال في حالة وجود أية مشكلة . فأنا
أتلقى العديد من التهديدات بالموت . أما الكوفية , كانت حمراء حينما كانت
جديدة منذ سبع سنوات . والكاب حصلت عليه حينما وصلت إلى أدغال " لاكاندون"
منذ 18 عام . حينما وصلت إلى هذه الأدغال لم يكن معي سوى ساعة واحدة , وحصلت
على الثانية حينما بدأ وقف إطلاق النار . فتزامنت الساعة الأولى مع بداية حرب
الزاباتيستا , والثانية مع انتهاء الزاباتيستا كجيش مسلح ودخولها مرحلة جديدة
.
من هنا , لا أعرف عنها سوى
القليل . مجرد ما تنقله لنا وسائل الإعلام : الحوار الدائر وعملية المفاوضات
الجارية , والصعوبات التي تكتنفها . عند هذا الحد , يمكنني أن أقول , أنه شكل
من أشكال الحوار التقليدي- ولا يحمل أي تجديد أو ابتكار .فكلا الجانبان
يجلسان معا للتفاوض وفي الوقت نفسه تسعى قواتهما المسلحة لكسب عسكري للحصول
على ميزة تفاوضية . أو العكس , فنحن لا نعرف ما يدور في ذهن أي من الطرفين .
فقد تكون المفاوضات نفسها فرصة لمواجهات عسكرية . نحن لا نولى أي اهتمام
للاتهامات الخاصة بارتباطهم بتجارة المخدرات , لأنها ليست المرة الأولى التي
تروج فيها مثل هذه الاتهامات التي يتضح زيفها في النهاية . نحن ندعم
الكولومبيين ونساندهم بلا شك . ولا نسمح لأنفسنا بأن نحكم عليهم إذا ما كانوا
صح أم خطأ , لكننا نحافظ على مسافة بعد عنهم , بالمثل كما نفعل مع كل
الجماعات المسلحة في المكسيك .لأننا نعتبرها حتى الآن لم تضع أية معايير
أخلاقية , وهو الأمر الضروري لتأمين انتصار الثورة . منها على سبيل المثال ,
استمرارها في عمليات اختطاف المدنيين . إن الاستيلاء على السلطة ليس غاية
تجعل أي منظمة ثورية تفعل أي شئ من أجله . نحن لا نؤمن بأن الغاية تبرر
الوسيلة . في النهاية, نحن نعتقد أن الغايات والوسائل شئ واحد .فنحن نحدد
هدفنا باختيار وسائل النضال من اجله . بهذا المعنى , فنحن نولى قيمة
لتعهداتنا ووعودنا , ونحترم الأمانة والصدق , فهي أمور لا بد منها . رغم ذلك
, فقد ارتكبنا بعض الأخطاء الساذجة , على سبيل المثال , في أول يناير 1994 ,
أعلنا قبل هجوم على القوات المسلحة أننا سنشن هجوما . لكنهم لم يصدقونا .
أحيانا يؤدي ذلك لنتائج مفيدة , وأحيانا لا . ولكننا نرى أننا , شأننا شأن أي
منظمة, أن السلوك الذي نسلكه هو الذي يحدد هويتنا .
أنه أمر غاية في السهولة ,
ومفرط في عدم المسئولية والاستهتار , بأن تقدم أراء هنا تعتمد على ما يحدث
هناك أرض المعركة . عملية الحوار والتفاوض لا يمكن أن تنجح إذا أصر كل طرف
على الاحتفاظ بمكاسبه . إذا استخدم أحد الأطراف المفاوضات كوسيلة لاختبار
قوته , وإذا كان يمكنه هزيمة الأخر , فسوف تفشل المباحثات إن عاجلا أو آجلا.
في هذه الحالة , فإن المفاوضات لا تعني سوى نقل ساحة المعركة إلى مائدة
التفاوض . لكي ينجح الحوار والمفاوضات , فلا بد أن ينطلق طرفا الحوار من
استحالة أن يهزم أي منهما الأخر . وأنهم في حاجة لاكتشاف سبيل لكي يخرجا
منتصرين معا , أو على الأسوأ , منهزمين معا , المهم أن يضعا نهاية للمواجهة .
بالطبع , هذا صعب- خاصة على الحركات التي تعمل منذ سنوات عديدة , مثل حرب
العصابات في كولومبيا. أدرك أن الجانبان سيرتكبان الكثير من الحماقات
والأخطاء , لكنني أعتقد أن المحاولة لم يفت وقتها .
نعم لأنه إذا لم أقرأ . .
.ماذا يجب أن نفعل ؟ الأولويات لدى الجيوش , أن يستغل الجنود وقتهم في تنظيف
أسلحتهم وتجهيز ذخائرهم . ولما كانت الكلمات هي أسلحتنا فلا بد أن نكون
مستعدين في أي لحظة .
منذ الطفولة , نشأت في أسرة ,
تولى الكلمات أهمية خاصة . كان طريقنا للعالم عبر اللغة . فتعلمنا القراءة ,
لم تفيدنا المدرسة كثيرا , بقدر ما أفادتنا قراءة الأعمدة في الصحف . في وقت
مبكر, كانت أمي وأبي يوفرون لنا الكتب التي كشفت لنا أشياء وعوالم أخرى .
وبشكل أو بأخر , أصبحنا ندرك اللغة وأهميتها
–
ليست مجرد وسيلة للاتصال , ولكن كشئ له معنى في ذاته . كانت تجلب لنا السعادة
أكثر من أي عمل أخر . في الخلفية, وعلى خلاف المثقفين البرجوازيين , الذين لا
يحترمون قيمة الكلمة . ارتبط ذلك الأمر بأمر ثانوي , وهو أن مجتمعات السكان
الأصليين ترى أن اللغة ضربتنا , وكأنها منجنيق . بينما تدرك أنك تفتقر
للكلمات المعبرة عن أشياء كثيرة , ونصفهما معا , ونحللها , وندرك مغزاها.
أسرتي تنتمي للطبقة الوسطي .
والدي تعلم في مدرسة ريفية في عهد " كارديناس", الذي كان يقول , يجب قطع أذن
المعلمين لأنهم شيوعيون . أمي أيضا تعلمت في مدرسة في الريف , وانتقلت الأسرة
إلى الطبقة الوسطى وأصبحت واحدة منها : ولذلك كانت لا تواجه صعوبات مالية .
كل المناطق التي عاشت فيها الأسرة , كانت بها صحفا محلية تهتم صفحاتها
الاجتماعية بالثقافة . كانت مكسيكوسيتي ومكتباتها هي العالم الخارجي , كان
لكتبها التي تصل إلينا جاذبية خاصة . أحيانا , كانت تصدر كتبا محلية جميلة ,
كان الحصول عليها أمرا شيقا . قدم لنا الأبوان كتب " جارسيا ماركيز" , و
" كارلوس فونتيس" و "مونسفياس" , و" فارجاس ليوسا" ( مع الإحترام لأفكاره ) .
لا أذكر سوى القليل مما قرأته لهم . قرأنا " مائة عام من العزلة " , التي
تحدثت عما كان يحدث في الريف آنذاك . و"موت أرتيموكروز" التي تتحدث عما حدث
في الثورة المكسيكية . ورواية " ديازدي جاردر" عن ما يحدث في الطبقة الوسطى .
وغيرهم , كانت روايات تصور شخصياتنا وحياتنا . كل هذه الكتب كانت متوفرة
لدينا . نقلت لنا العالم , والثقافة . أعتقد أنها أثرت فينا بشدة . لم نكن
نرى العالم من خلال أخبار الصحف , بل من خلال الرواية , والمقال , والشعر .
وهو الأمر الذي جعلنا مختلفين إلى حد كبير . كان ذلك بفضل والداي , اللذان
أرادا لنا أن نرى العالم من خلال الكتب , بينما كان الآخرون يفضلوا معرفة
العالم من خلال وسائل الإعلام ,أو بالأصح من خلال التعتيم الإعلامي الذي لا
يتيح لك رؤية ما يحدث .
حصلت على " دون كيشوت" في طبعة
جميلة , وعمري حوالي12 عاما . كنت قد قرأته قبل ذلك . ولكن في طبعة مخصصة
للأطفال . كان كتابا مرتفع السعر . بعد ذلك قرأت شكسبير . لكن الأدب الأمريكي
اللاتيني كان يأتي في المقام الأول . وبعدهما " جارسيا لوركا". ثم الشعر
على أية حال , هل هناك
أهمية للخوض في الحديث عن كل ذلك .
لا كل هذا حصلنا عليه مؤخرا ,
بعد أن أفسدنا الزمان , على حد قول العقائديين , حصلنا على الأدب الوجودي ,
وقبلها , على الأدب الثوري. حتى عندما قرأنا " ماركس " و " إنجلز" كنا
مأسورين تماما بأسلوبهم الأدبي , وما يتميز به من سخرية وروح الدعابة .
لا منذ البداية , انتقلت
مباشرة من تعلم الأبجدية إلى قراءة الأدب , ومنها إلى كتب النظرية والسياسة ,
حتى وصلت إلى المدرسة الثانوية .
لا , لا اعتقد ذلك . قد
يعتبرني معظمهم مثل الفجلة الصغيرة : أحمر من الخارج , وأبيض من الداخل .
دائما " دون كيشوت " بجانبي ,
كما أحمل " أشعار لوركا " , لا تفارقني . " دون كيشوت" أفضل كتاب في النظرية
السياسية , تأتي بعد ذلك مسرحيتي شكسبير , " هملت" , و" ماكبث". ليس هناك
وسيلة لفهم النظام السياسي المكسيكي . سواء في مأساويته أو كوميديته , أفضل
من أية أعمدة سياسية تنشرها الصحف .
أكتب على الكمبيوتر , إلا في
هذه المسيرة , حيث أضطر كثيرا للكتابة بيدي , لا أجد الوقت الكافي للكتابة ,
مجرد كتابة مسودات أولية , مجرد أوامر سخيفة , لكنني أكاد أنتهي من روايتي
التي بدأتها منذ زمن .
أسعى لاستخلاص فكرة حمقاء ,
تحاول أن تكشفنا أمام أنفسنا من وجهة نظرنا
–
هي فكرة مستحيلة واقعيا . التناقص الذي نحن عليه . لماذا نحن جيش ثوري مسلح
لا يستهدف الاستيلاء على السلطة ؟ ولماذا لا تحارب قواتنا , رغم أن تلك هي
وظيفتها ؟ نحن نواجه كل هذه المتناقضات , وأهمها : الطريقة التي تطورنا بها
حتى أصبحنا قوة في المجتمع , ومع ذلك , لا زلنا حتى الآن ننطلق من ثقافة
محلية راسخة .
أنه درب أقرب إلى العبث , فهم
لا يعرفون من أنا , لكنه شأن لا يتعلق بهم بأي شكل . الخازوق , أن " ماركوس"
ليس هو " ماركوس " .
-
نشر هذا الحوار للمرة الأولى
في " ريفيستيا كامبيو " ,في بوجوتا .
-
* يلقب"ماركوس" بالقائد الأدنى
سخرية من عادات زعماء العالم الثالث بنعت أنفسهم بالقائد الأعلى..