تقرير عن أمريكا
اللاتينية
بيل فان
أوكين
18 مارس
2006
ترجمة: خالد الفيشاوي
تحتوي أمريكا اللاتينية على
أكثر من 20 دولة ، تمتد من " باتاجونيا " إلى " ريو برافو " . استطيع أن
أؤكد أن الرفاق سوف يشكروني على عدم محاولتي التعرض بشكل تفصيلي للظروف
السياسية والاجتماعية لكل دولة على حدة . أريد أن أتعرض فقط لبعض الاتجاهات
الأكثر أهمية في المنطقة .
على نحو ما يعرف الرفاق ، فإن
أمريكا اللاتينية منطقة سريعة التغير ، تشهد انفجار نضالات جماهيرية ضخمة ،
وتبحث عن بديل للسياسات الفاسدة للبرجوازيات الصغيرة القومية. وتعاني من
النتائج المأساوية لخضوع الجماهير للديكتاتوريات العسكرية القمعية . ولعب
الاتجاه المراجع دورا حاسما في هذا التضليل ، خاصة في الستينيات وأوائل
السبعينيات .
اليوم تبقي أمريكا اللاتينية
أكثر المجتمعات استقطابا و اضطرابا سياسيا على ظهر الأرض. منذ عام 2000 ، تمت
الإطاحة بعشرة حكومات على الأقل في تداعيات هذه الأزمة ، سواء عبر انقلابات
أو انتفاضات جماهيرية فضلا عن الغزو الأمريكي لهاييتي .
في البداية ، من الضروري
التعرف على الموضوعات التي تتداولها مراكز الأبحاث من واشنطن ووسائل الإعلام
والأحزاب الكبرى في الولايات المتحدة .
الأول هو أن واشنطن فقدت
نفوذها في المنطقة التي تعتبرها فناء خلفيا ، والثاني يرتبط بموضوع يسمونه "
التحول نحو اليسار "
في أمريكا اللاتينية . هذه
الظاهرة الأخيرة ، المرتبطة باليسار البرجوازي الصغير والمراجعين ، تقوم على
أساس أنها تبدو وكأنها مجابهة ومواجهة حاسمة مع الإمبريالية ، وأيضا ، وكأنها
طريق جديد للاشتراكية .
لكن الأمر ليس كذلك . فلا شك
أن هناك أهمية موضوعية عميقة لانتقال السلطة في العديد من بلدان أمريكا
اللاتينية إلى قوى تنتمي بشكل أو بآخر لليسار ، ولها صوت معارض للسياسات
الأمريكية .
هناك انزعاج متزايد في الدوائر
الأمريكية الحاكمة من التطورات الجارية في المنطقة . في هذا الإطار ، نشرت "
الفورين افيرز " في عددها الأخير مقالا بعنوان ( هل تخسر واشنطن أمريكا
اللاتينية ؟ ) كتبها " بيتر هاكيم " ، رئيس الحوار بين الأمريكتين ، الممولة
من جانب دوائر المال والأعمال ، وتقوم بدور الجماعة الفكرية التي تقدم رؤى
استراتيجية للدوائر الحاكمة عن فتح أسواق في المنطقة . وفيها يشجب " بيتر
هاكيم " ويدين إدارتي "كلينتون " و " بوش " ، لعدم اكتراثهم بأمريكا
اللاتينية ، وهو الأمر الذي سمح بانفلات سطوة أمريكا على المنطقة بعد فترة
سارت فيها أمريكا اللاتينية قدما في اتجاه اليمين .
في الحقيقة ، تراجع النفوذ
الأمريكي في أمريكا اللاتينية ، سواء كان نتيجة لأخطاء في السياسة الخارجية
أو لقرارات اتخذها هذا السياسي أو ذاك . فأنها ترجع لتغيرات في الاقتصاد
العالمي ونتيجة للسياسات الكارثية الأمريكية أو المدعومة من أمريكا خلال
الفترة التي يسميها " هاكيم " أن المنطقة خلالها كانت تتجه قدما نحو اليمين .
هذه التغيرات في الاقتصاد
العالمي كانت نتيجة للعولمة و نتيجة للهبوط النسبي المتزايد في وضع
الرأسمالية الأمريكية إزاء غرب أوروبا
مبدأ ( مونرو )
–
الذي يقر برفض السياسة الأمريكية الخارجية لأي قوة خارجية عدا الولايات
المتحدة بمد نفوذها إلى نصف الكرة الغربي
–
أصبح غير قائم . فعلى مدار قرنين ، نجحت الحكومات الأمريكية في وضع هذا
المبدأ موضع التنفيذ . واستخدمت كمبرر للتدخلات الأمريكية في المنطقة ، وطوال
القرن العشرين ، لفرض ديكتاتوريات عسكرية ولقمع الحركة الثورية للطبقة
العاملة . و طوال تلك الفترة نشأت النظم البرجوازية القومية التابعة
للإمبريالية الأمريكية . لكن التغيرات الاقتصادية حطمت هذا المبدأ والعلاقات
السابقة .
منافسو الولايات المتحدة
يكسبون نفوذا اقتصاديا
في غصون العقد الأخير ، تفوق
الاتحاد الأوروبي على الرأسمالية الكوكبية كمصدر رئيسي للاستثمارات الخارجية
المباشرة والتجارة في بلدان أمريكا الجنوبية . وإن بقيت الولايات المتحدة
الشريك التجاري الأول مع بلدان أمريكا اللاتينية ككل . وتتمتع بعلاقات
اقتصادية قوية مع المكسيك في إطار اتفاقية النافتا الموقعة عام 1993 . حيث
تذهب ثلثي الصادرات الأمريكية للمنطقة إلى المكسيك ، وتستغل العمالة
المكسيكية الرخيصة في إنتاج السلع للسوق الأمريكي .
الأمر الأكثر إزعاجا لواشنطن ،
أن الصين تلعب دورا متزايدا جنوب " ريوجراند " . الرئيس الصيني "هوجينتاو" ،
ونائبه " زنج كوينفونج " ، قاما برحلتين لأمريكا اللاتينية خلال العامين
الماضيين ، ووقعوا اتفاقيات تجارية وأخرى للتعاون العسكري . وأصبحت المنطقة
مصدرا هاما للمواد الخام بالنسبة للصناعات الصينية . وتضاعفت واردات الصين من
المنطقة ستة مرات خلال السنوات الستة الماضية ومن المتوقع أن تبلغ 100 بليون
دولار في نهاية هذا لعقد .
كما تتعهد الصين باستثمار 100
بليون دولار في بناء الطرق والمواني وأعمال البنية الأساسية خلال العقد
القادم . وتواصل الصين بناء العديد من المشروعات الكبرى ، خاصة في النفط في
فنزويلا ، وفي الغاز الطبيعي في بوليفيا وفي المعادن الأساسية .
عقد الكونجرس الأمريكي جلستا
استماع حول ما يعرف بالخطر الصيني أو بالتهديد الصيني البعيد المدى على
النفوذ الأمريكي في العالم . أكد خلالهما مساعد وزير الخارجية لشئون نصف
الكرة الأرضية الغربي "روجير نوريجا " أن الإدارة الأمريكية منتبهة ويقظة
لأية مؤشرات عن تعاون اقتصادي يفضي إلى علاقات سياسية . يمكن أن تؤثر سلبا
على مصالحنا الأساسية في المنطقة .
باختصار ، هذه التغيرات في
العلاقات الاقتصادية الكوكبية تعني أن الرأسمالية الأمريكية لم تعد تحتكر
السيطرة المنفردة على بلدان أمريكا اللاتينية . وأنها قلقة من تنامي العلاقات
بين بلدان المنطقة وبين القوى المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية ، التي
توفر فرصة ومجال لنظم المنطقة لكي تناور بين القوى الدولية المتنافسة ،
وتناوئ الانفراد الأمريكي ومحاولات استمرارها في الهيمنة على المنطقة . هذا
هو الإطار الأساسي لما يمكن تسميته بالاتجاه نحو اليسار . وهو ما يمكن وصفه
بشكل أفضل بأنه اتجاه نحو "اليورو" و " اليوان " .
في نصف الكرة الغربي نفسه ،
تواجه الرأسمالية الغربية تحديات ناشئة ومستجدة من البرازيل . التي يبلغ عدد
سكانها 180 مليون نسمة وتملك ثروات طبيعية ذات وزن . وأصبحت عاشر أكبر القوى
الصناعية في العالم وخامس أكبر الدول المصدرة للسلاح . هذا النمو البرازيلي
يؤدي إلى تكرار تصادمها مع الولايات المتحدة حول قضايا التجارة خاصة في قضايا
حقوق الملكية الفكرية وحول قضايا الصادرات الزراعية .
تبدو المؤشرات السياسية لهذه
التغيرات بوضوح في القرار الذي اتخذه البيت الأبيض مؤخرا برفض السماح
لأسبانيا ببيع الطائرة الأسبانية التي تحتوي على تكنولوجيا أمريكية إلى
فنزويلا . وهي الصفقة التي وقعتها حكومة شافيز مع وزارة الدفاع الأسبانية .
وأعلنت أسبانيا عن تحديها لهذا الموقف بصناعة الطائرات اعتمادا على
التكنولوجيا الأوروبية . ومن المتوقع أيضا أن تتخذ أسبانيا موقفا مماثلا إزاء
صفقتها الخاصة ببيع قوارب حراسة عسكرية ، ومع البرازيل حول الطائرات العسكرية
التي تصنعها من أجل فنزويلا .
أعلنت البرازيل الأسبوع الثاني
من مارس ، بعد اجتماع عقد بين " لولا " و " شافيز " والرئيس الأرجنتيني
"كيرتشنر " بهدف إقامة صناعة مشتركة للسلاح في إطار اتفاقية التجارة التي
تجمع بعض بلدان أمريكا اللاتينية المعروفة باسم "ميركوسور " . الهدف منه
إنتاج طائرات عسكرية وأسلحة أخرى تحتاجها بلدان القارة ، لتنافس الأسلحة
الأمريكية التي تستوردها بلدان القارة بشكل تقليدي من الولايات المتحدة ، حيث
تستهلك القارة سنويا حوالي 3.5 بليون دولار في التسلح .
الاستعدادات العسكرية
الأمريكية
تلك هي التحديات الخطيرة
للمصالح الأمريكية . وهناك بعض التوقعات بأن تفقد الإمبريالية الأمريكية
سيطرتها تماما على فناءها الخلفي ، أمريكا اللاتينية . وسيطرتها على الأسواق
والثروات والمواد الخام الإستراتيجية . إلا أن مما لا شك فيه أن الهيمنة
الاقتصادية الأمريكية السابقة على المنطقة تشهد تراجعا كبيرا ، ومن المتوقع
إزاء ذلك أن تلجأ الولايات المتحدة للقوة العسكرية للدفاع عن مصالحها . كما
هو الحال في كل المناطق الأخرى في العالم .
في السنوات الماضية ، بنت
أمريكا شبكة من القواعد العسكرية في المنطقة . ومدت ووسعت عمليات القيادة
العسكرية الإقليمية بشكل غير مسبوق .
شهد عام 2002 ، انقلابا فاشلا
مدعوما من الولايات المتحدة ضد حكومة شافيز ، وطبقا لبعض التقارير شاركت فيه
الولايات المتحدة بشكل مباشر عبر مستشاريها العسكريين واستخدمت سفن الأسطول
البحري الأمريكي وطائرات التجسس .
كما شهد عام 2004 ، الإطاحة بـ
" أريستيد " وغزو هاييتي بواسطة قوات المارينز الأمريكية .
أمريكا لديها القدرة العسكرية
لغزو فنزويلا والسيطرة على ثرواتها البترولية على نحو ما فعلت في العراق .
هناك نزاع بين فنزويلا
وكولومبيا منذ أربعة عقود على الحدود يصاحبه تمردات في كولومبيا . في
الأثناء، قامت كولومبيا بالحصول على تمويلات أمريكية ضخمة لبناء قواتها
العسكرية ( منها 3 بلايين دولار مساعدات عسكرية في السنوات الأخيرة بدعوى
مكافحة المخدرات ) فضلا عن مضاعفة حجم القوات العسكرية في كولومبيا لتتجاوز
275 ألف جندي . ومن المحتمل أن تشارك في أي تدخل أمريكي للإطاحة بحكومة شافيز
.
هناك نزاع أخر بين بوليفيا
وشيلي حول حرية الوصول للأطلنطي ، كذلك بين بيرو وشيلي. هذه النزاعات من
الممكن أن تنفجر إلى حرب ، بدعم من قوى خارجية لأي من طرفي النزاع ، وهو
الأمر الذي تتزايد إمكانية حدوثه . وهي أيضا نزاعات تهدد واشنطن . ومن الممكن
أيضا أن تندفع بلدان المنطقة للتعاون العسكري ضد العدوانية الأمريكية . ومع
ذلك ، فإن ذلك لا يجبرنا على الانحياز لشافيز أو أي نظام قومي برجوازي أخر .
فهم طبيعة هذه الأنظمة يستلزم
دراسة الآثار المترتبة على تنفيذ السياسات لصالح الحكومة الأمريكية والمؤسسات
المالية المسيطرة في أمريكا خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات . وهي سياسات
" تحرير الأسواق " المعروفة باسم " إجماع واشنطن " .
هذه السياسات التي أطلق عليها
الإصلاحات الاقتصادية ، روجت لدعاوي تحقيق النمو الاقتصادي ، وكانت بمثابة
نهاية لسياسات التصنيع للإحلال محل الواردات وبرامج التنمية القومية المرتبطة
بالأنظمة القومية في الفترات السابقة على ذلك ، ودمج اقتصاديات هذه البلدان
في الرأسمالية العالمية .
في هذا الإطار ، تم خفض
التعريفات الجمركية إلى النصف مقارنة بالسبعينيات . ورفع القيود عن
الاستثمارات العالمية في معظم البلدان .
وفي التسعينيات فقط ، تم خصخصة
المشروعات المملوكة للدولة بأكثر من 178 بليون دولار ، وتسريح مئات الآلاف
من العاملين .وعلى ذلك فإن قيمتها أكثر عشرين مرة من قيمة المشروعات التي تم
خصخصتها في الاتحاد السوفيتي بعد انهياره .
هذا النمو الاقتصادي الزائف
قام على أسس غير مسبوقة ، ولا يمكن أن تتكرر . حيث لا يمكن بيع المشروعات
المملوكة للدولة أو المشروعات العامة أكثر من مرة واحدة .
أثمرت هذه السياسات الفقر
والاستقطاب الاجتماعي الذي يهدد اليوم هذه المجتمعات . حيث تشير تقارير الأمم
المتحدة إلى أن حوالي 213 مليون إنسان ، أي حوالي 40.6 % من سكان أمريكا
اللاتينية البالغ عددهم 523 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر .
وطبقا لدراسة صدرت عام 2003 من
البنك الدولي ، أن 10% من سكان المنطقة يربحون 48% من إجمالي الدخل العام .
بينما 10% منهم لا يحصلون إلا على 1.6 % فقط .
يتزايد عدم المساواه في أمريكا
اللاتينية بشكل حاد . ويفوق في تفاوته بلدان شرق أوروبا . على نحو ما تشير
إحصاءات منظمة التعاون التنمية الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة ، التي تشير
أيضا إلى أن هذا التفاوت يشمل كل مظاهر الحياة ، حيت تم التراجع عن توفير
الرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة ، والتمكن من الحصول على الأرض أو
الممتلكات الاجتماعية الأخرى .
وتقدم فنزويلا مثالا في هذا
الشأن فعلى الرغم من الأوضاع المشابهة لها مع كل من الأرجنتين والأورجواي
وعدد من البلدان الأخرى ، فأن فنزويلا التي شهدت تضخما عاليا ، أعوام 1996 ،
وفيما بين 88 و 1996 ، شهدت فنزويلا تخفيضا في عدد العاملين في الصناعة بنسبة
15% .
في نهاية التسعينيات ، انخفضت
الأجور الحقيقية بنسبة 40% عما كانت عليه في الثمانينيات . وانخفضت القدرة
الشرائية عام 1994 إلى الثلثين عما كانت عليه عام 1978 . كما انخفض الإنفاق
الاجتماعي بنسبة 40% خلال نفس الفترة . ويشمل خفض النفقات على التعليم بنسبة
40% ، و 70 % على الإسكان وتنمية الحضر ، و 37% على الرعاية الصحية .
وبين 1984 و 1995 ، تضاعفت
أعداد الفقراء لتصل نسبته إلى ثلثي السكان .
تزايد البؤس الاجتماعي واتساع
الهوة بين الأغنياء والفقراء ، بينما أثرى قطاع من الطبقة الحاكمة الفنزويلية
والشرائح العليا من الطبقة المتوسطة من خلال التعامل مع الشركات المتعددة
الجنسيات .
تنتسب النقابات العمالية إلى
حزب العمل الديموقراطي ، الذي فقد مصداقيته تماما لتعاونه مع الحكومة في
التخلي عن المكتسبات السابقة . وحدث تراجعا كبيرا في عضوية النقابات ، نتيجة
لفقد العمال وظائفهم ودفعهم ما يسمي بالإصلاح للشوارع والبطالة . و تراجع عدد
العمال الأعضاء في النقابات من 26.4% من مجموع قوة العمل عام 1988 ، إلى 13.5
% فقط عام 1995 .
لذلك ، لم تلعب هذه النقابات
دورا له شأن في المعارضة أو في الاحتجاجات الاجتماعية .
باختصار ، لم تقدم أي من هذه
النظم شيئا للطبقة العاملة . وفي كثير من الأحيان ساروا على نفس السياسات
التي سارت عليها النظم القومية اليسارية والنظم الشعبية العسكرية ، مثل " جون
بيرون" في الأرجنتين ، و" جتوليو فارجاس " في البرازيل .
Kfishawy@gmail.com