حوار مع وان دونجفانج
عن
نضال العمال الصينيين
وحركة ميدان السلام السماوي 1989
نيوليفيت
ريفيو – يوليو / أغسطس 2005
ترجمة: خالد الفيشاوي
هان
دونفانج عامل السكك الحديدية الذى قبض عليه فى أحداث ميدان " تيانانمن " ،
الأن يستخدم الإذاعة لنشر مشكلات العمال الصينيين على الهواء مباشرة . وهنا
يتحدث أيضاً عن تجربته الحياتية فى الجيش الأحمر ، ووحدة الطلبة والعمال فى
أحداث 1989 ، وإصابته المتعمدة بالسل وتعرضه للتعذيب فى السجن بعد هذه
الأحداث . والاستراتيجية القانونية لجريدة (البولتين ). الموجهة للعمال
الصينيين ، وهل من الممكن سحب البساط من تحت أقدام الحزب الشيوعى الصينى،
وإنهاء سيطرته على النقابات العمالية ؟
ولدت فى بكين ، لكن أسرتى
تنتمى لمنطقة " شانكسى " جاءت أسرتنا من منطقة بالغة الفقر فى سلسلة جبال "
تايهانج " ، حيث كان والداى يعملان فى الزراعة .
فى أوائل الخمسينات ، جاءت أمى
إلى بكين ، حينما انتقل زوج أختها الكبرى للعمل فى بكين كموظف ، وتولت أمى
العمل فى منزل أختها ورعاية أطفالها .
هكذا ولدت فى بكين عام 1963 .
وبعدها انفصل والداى عن بعضهما . ولما أصبحت فى الثالثة من عمرى ، انطلقت
الثورة الثقافية وعدت مرة أخرى للقرية ، حيث عشت فيها خمس سنوات .
كان سكانها يعانون المجاعة ،
كانت أصعب أيام مرت بالفلاحين ، لكننا آنذاك كنا قادمين من المدينة ، لذلك لم
نكن نحصل على القدر الضئيل من المعونة الغذائية التى كانت توزع على المسجلين
رسمياً فى القرية .
وبدأت فى القرية الدراسة
الابتدائية . وعدت عام 1971 إلى بكين ، حيث حصلت أمى على وظيفة عاملة بناء .
وكنا فى فقر مدقع ، وكان عملها بالغ القسوة . كانت عمليات البناء تجرى فى
بكين على قدم وساق ، ولكى تحافظ أمى على أجرها القليل ، لم تكن تستخدم
الأتوبيس فى انتقالاتها . كانت تغادر البيت فى السادسة صباحاً ولا تعود إلا
فى العاشرة مساء . تلك كانت حياة عمال البناء فى السبعينات .
بعودتى للمدينة ، اضطررت
لإعادة عام دراسى فى المدرسة الابتدائية ، ووجدت الحياة فى المدرسة بالغة
الصرامة ، حتى أنها لا تقبل الفتى القادم من الأرياف ولا يتحدث اللغة الصينية
الرسمية القديمة بامتياز . ومع ذلك ، واصلت الدراسة الابتدائية ، ثم المتوسطة
والعالية فى بكين .
عندما تخرجت عام 1980 ، وكنت
فى السابعة عشرة من عمرى ،التحقت بالقوات المسلحة . من المفترض أن اى شخص
لابد أن يؤدى الخدمة العسكرية ، لكن ذلك لا يتحقق فى الواقع . فى الحقيقة
تطوعت فى القوات المسلحة ، وبذلك حققت حلماً . لم أكن قادراً على التوفيق بين
تجربتى فى المدرسة وبين تجربة الناس فى ظل الشيوعية . وشأنى شأن أبناء جيلى ،
كنا شديدى الإعجاب بالجندى " لى فينج " ، الذى كان يمجد رسمياً منذ الستينات
كنموذج للاهتمام بالآخرين ، وكنا نلتحق بقوات التحرير الشعبية أملاً فى أن
نحتذى حذوه .
خدمت فيها ثلاثة سنوات فى
منطقة بكين ، فى كتيبة للشرطة العسكرية مخصصة لحراسة سجون المنطقة . خلال ستة
أشهر ، أصبحت معروفاً كجندى مثالى ؛ وحينما تم اعتقالى بعد ذلك بسنوات ،
تذكرنى أحد ضباط السجن ، كنت أعمل معه فى نفس الوحدة فيما مضى .
خلال الخدمة العسكرية ، توليت
مسئولية مجموعة عسكرية وحصلت على وظيفة متقدمة نسبياً نتيجة لالتزامى بتنفيذ
الأوامر . ولكن خاب أملى بعد اكتشافى لفساد الضباط ، فبدأت أجادل فى الأوامر
التى تصدر لى . فى الوقت نفسه ، توقفت ترقياتى ، ورفضت طلباتى المتكررة
للالتحاق بالحزب .
بعد خروجى من القوات المسلحة ،
عملت فى مكتبة جامعة بكين قبل أن أقدم لوظيفة فى السكك الحديدية عام 1984 .
وحصلت آنذاك على تدريب للعمل ككهربائى ، يتولى التحكم فى درجات حرارة ثلاجات
القطارات التى تستخدم فى نقل اللحوم والفواكه والخضر ، من منطقة لأخرى .
وبذلك قمت برحلة طفت فيها البلاد كلها ، وهى الرحلة التى يحلم بها كل طفل .
فى ليلة رأس السنة لعام 1987 ،
قال لى صديق كان يعمل فى جريدة " بكين ديلى " أن هناك احتجاج طلابى فى ميدان
" تيانانمن " . آنذاك كنت أعيش فى زقاق مقابل للجريدة ، بالقرب من الميدان ،
فذهبت لإلقاء نظرة على الميدان . كانت ليلة شديدة البرودة فى الميدان حوالى
200 أو 300 طالب ، أقاموا الحواجز ، ورفعوا شعارات مثل " نحن نؤيد الحزب
الشيوعى " " نحارب الفساد " ، " نؤيد الاصلاحات السياسية " . وكان المراسلون
الأجانب يتابعون المشهد ، وعربات الشرطة والكاميرات تملأ الميدان . ودخل
الطلاب لتوهم الميدان الواسع ، من الجهة الشمالية الغربية ، واتجهوا نحو
الجانب الشمالى الشرقى ، حينذاك ، رأيت البوليس يندفع ليحاصر الكاميرات
التليفزيونية ، وتولى حوالى 50 أو 100 من رجال الشرطة الهجوم على الطلبة
وأشبعوهم ضرباً ، وسحبوا العديد منهم وألقوا بهم فى عربات الشرطة . كان ذلك
المشهد ، القشة التى تبددت عليها كل أوهامى .
كان اشتراكى فى حركة 1989 ،
مجرد حدث مفاجئ تم مصادفة . كان عملى فى السكك الحديدية يضطرنى للابتعاد عن
بكين وقتاً طويلاً ، قد يمتد شهراً أو أكثر ، فى المقابل أحصل على إجازة
طويلة نسبياً . وفى إحدى هذه الإجازات التى امتدت ثلاثة أسابيع ، كنت وزوجتى
فى أتوبيس يمر عادة بميدان " تيانانمن " ، وذكر أحد الركاب أن الناس يتجمعون
فى الميدان ، ولما كانت زوجتى فضولية بطبعها ، أصرت على أن تذهب للميدان
لمشاهدة المظاهرات . كان ذلك فى 16 أبريل . اليوم الأول من أيام حركة 1989 ،
لم يكن هناك سوى 200 أو 300 طالب ، يتناقشون عن أسباب وفاة " هو ياوبنج " ؟
.. وأسباب غياب الديمقراطية ؟ ومعنى الديمقراطية ؟ وقضايا أخرى . بدأت أتحدث
مع المتظاهرين ، وكانت المرة الأولى التى استمع فيها لمناقشات جادة حول
الديمقراطية ، عبرت عن معنى خاص للديمقراطية ، يرتبط بمفاهيم أخرى ، مثل
الديمقراطية فى ظل ‘ديكتاتورية البروليتاريا " ، شاركت فى المناقشات التى
جرت فى الميدان . وإذا كان " مين ذو " يعرف الديموقراطية في ظل ديكتاتورية
البروليتاريا باعتبارها سيادة الشعب ، فقد حاولت تفسيرها بطريقتى ، لكى أجعل
هذه الفكرة العامة عن الديمقراطية و التي لا أفهمها بشكل شامل ودقيق، أجعلها
قابلة للحياة . لذلك قلت أننا لابد أن نفكر فى ديمقراطية المصانع ، والسيطرة
على الإدارة والأرباح . ونظراً لأننى كنت أقيم بالقرب من ميدان " تيانانمن "
خضت حوارات كثيرة مع المتظاهرين فى الميدان ، وأصبحت واحداً منهم . كان
الميدان هو المكان الذى تعلمت فيه الحوار مع الناس والتواصل معهم .
ولدت الفكرة مساء 19 مايو ،
مباشرة بعد إعلان " لى بينج " ، الأحكام العرفية . وسعت مجموعة من المدرسين
والعمال ، العالمين فى مشروعات مملوكة للدولة ، لاختيار ممثلى النقابة من بين
المتواجدين فى الميدان .
فى الساعات الأولى من صباح 20
مايو ، عندما وصلت إلى الميدان وجدت المتظاهرين يقيمون الحواجز ، وتحدثت مع
إناس عديدين ، منهم بشكل خاص ، " لى جينجين " أستاذ فلسفة الدستور فى مدرسة
الحقوق بجامعة بكين وسألته عدة أسئلة ، فقد كنت غير حاصل على تعليم عال ،
لكننى أرغب حقيقة فى إقامة هذه النقابة المستقلة على أساس قانونى متين .
وأفادنى " لى جنيجين " أن الدستور يقر بحقنا فى التظاهر ، ويضمن حرية تشكيل
النقابات والاتحادات والجمعيات . على ذلك ، قلت له أننى أريد الاشتراك فى هذه
النقابة ، لكنه قال لى أنه لم يتم بعد إقامة بنية تنظيمية لمثل هذه النقابة .
وأن المتظاهرين لم يجتمعوا معاً إلا لحماية الطلاب . وناقشنا كيفية تشكيل
منظمة للعمال ، فى ظل الحظر الفعلى على وجود نقابة مستقلة للعمال فى بكين .
وشكلنا لجنة تحضيرية وأجرينا الانتخابات وألقى المتنافسون فى الانتخابات ،
خطابات على الجمهور الذين تتراوح أعدادهم ما بين 50 و 100 متظاهر ، وتم
التصويت برفع الأيدى . وكنت من بين خمسة تم انتخابهم كأعضاء فى اللجنة ، كما
تم اختيار المتحدث الرسمى باسم اللجنة .
كانت هناك مظاهرات حاشدة في
النصف الثاني من شهر مايو
– فى 17 و 23 و 28 مايو
، شارك فيها كثير من عمال المصانع المختلفة مستخدمين عربات النقل والحواجز .
ولكن حينما سألناهم عن رغبتهم فى الاشتراك فى منظمتنا ، تراجعوا ، مؤكدين
أنهم جاءوا فقط لتأييد –
ولا يرغبون التعرض
لمشاكل . كان ذلك نتيجة للمخاوف التاريخية التى خلفتها الثورة الثقافية
–
الطلاب ،فالناس كانت ترى أن
تأييدهم للطلبة لن يعرضهم لمخاطر كبرى ، لو شاركوا فى بناء منظمة ثورية .
وفى يوم 1 و 2 يونيو ، جاء
إلينا " وانج تشاوهوا " والعديد من الطلاب ليتحاوروا معنا ، وقالوا أن التحرك
الطلابى يفقد قوته الدافعة ، وأنهم يرغبون فى معرفة تجربة العمال لتنظيم
أنفسهم . كانت تلك المرة الأولى التى يتحاور معنا الطلاب فى هذا الشأن ،
وأسفرت عن تشجيعنا للمضى قدماً فى بناء النقابة العمالية . لكن منظمتنا
الوليدة تفتقر للقوة والدعم اللازمين ، لذلك ، اقترحت على الطلاب الذين كانوا
منظمين بالفعل . أن يرسلوا فرقاً للمصانع الكثيرة المختلفة ، لمناقشة العمال
والحوار معهم فى كيفية تنظيم أنفسهم ، باعتبار أن ذلك أجدى من الاكتفاء
بمناقشة العمال المتواجدين فى الميدان وأكدنا التزامنا بالاشتراك معهم فى هذه
الجولات على المصانع ، نظراً لضعف إمكانياتنا عن القيام بذلك وحدنا .
وفى مساء نفس اليوم ، ذهبنا
جميعاً إلى جامعة بكين لعقد اجتماع مع بعض الطلاب ، استمر طوال الليل ، وفى
صباح اليوم التالى ، عدنا للميدان ، وعرفنا أن إحدى عربات القوات المسلحة
داهمت المتظاهرين فى الليلة الماضية وأحدثت خسائر فادحة .
نعم ؛ أوافق تماماً . السبب فى
مجئ العمال إلى الشوارع ، تقديم الدعم والتأييد الأخلاقى للطلاب ، مثل الأخ
الكبير ، ولا يطلبون أى شيئ لأنفسهم . حينما سألنا عمال المصانع عما يريدون ،
قالوا أنهم يطالبون الحكومة بأن تعامل الطلبة بشكل أفضل
–
وليس لديهم أى شئ أخر . حتى
عندما نظمنا أنفسنا وكتبنا مسودة ميثاقنا ، كتبناها بطريقة شديدة العمومية ،
ولم تكن تتضمن أية مطالب عمالية تتعلق بالأرباح والأجور وساعات العمل ، ولا
مساومات جماعية ، لم تذكر المسودة سوى ديمقراطية المصنع ، على قدر ما أذكر .
لم نكن نبحث عن مكسب سياسى أو إجتماعى ، سواء لنا أو للأشخاص أو حتى للطبقة
العاملة ؛ لم نؤسس أفكارنا على ما كنا نحتاجه ، كنا نسعى لإحداث قفزة ، لكنها
كانت المرة الأولى التى نسعى فيها ، ولم نكن نعرف كيف نحقق هذه القفزة .
لا ، فى ذلك الوقت لم أكن على
علاقة بالعمال . لم أكن على اتصال سوى بزملائى الذين جاء بعضهم إلى ميدان "
تيانانمن " ليحذرونى من أن المسئولين فى السكك الحديدية سوف يأتوا إلى
ويطلبون منى العودة ، وقالوا لى أيضاً أننى يجب أن أرفض الاستجابة لهم ،
لأنهم لا يريدون إلا الايقاع بى . وبالفعل زرانى ناس من شركة السكك الحديدية
، وخاصة فى قسم الأمن بالشركة ، وعرضوا على الحماية بوضعى فى قطار بعيداً عن
بكين لمدة ستة أشهر . وعلى الرغم من أنهم تعاملوا معى كطفل يمكن أن يصدقهم ،
إلا أننى شكرتهم بأدب ، وقلت لهم أن على واجب لابد أن أؤديه . فقد أنتخبت
كعضو فى لجنة ، وتم اختيارى متحدثاً رسمياً ، ولابد أن أؤدى واجبى . قد ينتهى
بى الأمر إلى السجن ، لكن ذلك لن يثنينى . وحينما قالوا لى أننى قد أتعرض لما
هو أكثر من السجن ، شعرت فى الحقيقة بنوع من الفخر والزهو بالذات ، وقلت ،
أننى اتطلع للموت فى سبيل ذلك
–
فلاشك أن طلاب كثيرين يتوقعون
نفس المصير . كانت أحلام البطولة هى السائدة .
عدت إلى ميدان " تيانانمين "
سيراً على الأقدام مساء الثالث من يونيو ، لعدم وجود وسائل للنقل العام . فى
الأيام القليلة السابقة على هذا اليوم كانت الإشاعات رائجة عن تحركات للقوات
المسلحة لدخول الميدان ، وكنت أحاول طمأنة الناس بالقول أن الأوان لم يحن بعد
لتدخل القوات المسلحة ، ولم أكن اعتقد أن الجنود المدربون بشكل جيد ، الذين
يدركون أن واجبهم الأخلاقى هو الدفاع عن الناس ، يمكن أن يطلقوا النيران على
المدنيين . كنت أؤمن بذلك بكل إخلاص ، فى الوقت نفسه كانت تراودنى الهواجس
عن احتمال قيامهم بالاعتداء علينا ، ولو فعلوا ذلك ،فلن يتجاوز الأمر الهجوم
علينا بالرصاصات المطاطية والغازات المسيلة للدموع أو خراطيم المياه . لم أكن
أعرف على وجه اليقين أن لديهم مثل هذه الأدوات
–
فالمسئول الرسمى الصينى
المفترض أنه مسئول عن حقوق الإنسان ، وهو " ذو موزى " ، إدعى في السابق أن
القوات المسلحة لا تملك رصاص مطاطى ، من ناحية أخرى لم يكن هناك خيار ، أما
أن يصل الأمر إلى حد استخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين ، فهذا لم يكن فى
الحسبان على الإطلاق . كنت اعتقد ببساطة أن الجنود لن ينفذوا الأوامر بإطلاق
النيران على المدنيين.
بحلول المساء كنت تعباً إلى حد
لا يمكن تحمله ، فلم أكن قد حصلت على كفايتى من النوم لأيام عديدة ، فذهبت
للنوم فى خيمتى فى الميدان . أيقظنى " روبين موزو " من منظمة العفو الدولية ،
الذى كان موجوداً لمراقبة أحداث الميدان . كان فى غاية الغضب ، وطلب منى
الحذر والانتباه . وتحدثنا ساعتين أو أكثر ، قبل أن اعتذر عن الاستمرار فى
الحديث لشدة تعبى ، فتركنى . وكدت أسقط فى النوم حتى ايقظنى شخص ما قائلاً
أنهم بدأوا فى إطلاق النار مستخدمين الرصاصات المطاطية . لم أصدق ذلك . خرجت
من خيمتى ، فرأيت خطوطاً حمراء فى السماء
–
الرصاصات المطاطية لا تحدث هذا
اللون . وللحظة تصورت أنها مجرد إشارة إلى أنهم يطلقون النار فى الهواء وليس
على الناس ، وعدت لأقول لنفسى يجب أن أكف عن هذه السذاجة . وسألنى البعض ماذا
نفعل ، والشرطة تضرب الناس فى الميدان ؟ ، لم أكن أعرف ماذا أقول ، كان عقلى
قد أصابه الشلل . لم أستطع سوى العودة إلى خيمتى ، منهك تماماً وغير قادر على
التفكير ، أرى الناس تجرى هنا وهناك ، تسعى لإحراق الوثائق . كنت يائسا
تماماً .
فى حوالى السياعة 11.30 مساء
الثالث من يونيو ، جاءت مجموعة من 15 أو 20 شاباً يبحثون عنى ، وحاول رفاقى
أن يطردوهم ، لكنهم اقتحموا خيمتى عنوة ، وطالبونى بالذهاب معهم ، هذا بينما
كانت المذبحة الدموية دائرة فى الميدان . وبدون أن يقولوا من هم ، أصروا على
أننى لن أبقى فى الميدان ، وقالوا أننى جاسوس التضامن ، وشبهونى بـ " ليش
فاليسا " . بالطبع . كنت مزهواً بمنحى هذه الأهمية ، وإن كنت لم أعتقد أن
حياتى أكثر أهمية من حياة من حياة أى شخص آخر .
إلى جانب ذلك ، كان من الخزى
أن أجرى بعيداً .فقلت لهم أريد أن أبقى فى الميدان . وبالفعل تركونى ، لكنهم
عادوا بعد خمس دقائق ، وقال أحدهم " عذراً ، لابد أن تأتى معنا . هذا واجبنا
، وذلك قدرك " . وبعد تهديد الآخرين باستخدام القوة ، أحاطوا بى وحملونى خارج
الخيمة . ومضوا بى إلى الجانب الشرقى من الميدان
–
جاءت القوات المسلحة من غرب
الميدان –
وأحاطوا بى لحمايتى من الرصاص
.
فى الجانب الشمالى الغربى من
الميدان رأيت عربة إطفاء . ومضينا متجاوزين المقر الرئيسى للأمن العام ، ثم "
فندق بكين " ، حيث رأيت رجلاً يقود دراجة بإحدى ذراعيه ، بينما يتدفق الدم
بغزارة من ذراعه الثانى . كانت الساعة حوالى الواحدة صباحاً . حينما وصلنا
إلى تقاطع " دونجدان " على طريق " تشانج آن " ، بالقرب من المكان الذى كنت
أحيا فيه ، قالوا : " الآن ، غادر المدينة . سنعود للميدان لحماية آناس آخرين
–
ثم اختفوا ، ولا أدرى ماذا حدث
لهم ، هل عادوا للميدان ؟ !! هل جرحوا أو سجنوا ؟ .. لا أدرى .
حصلت على دراجة ، وخرجت سالماً
من " بكين " إلى منطقة " هيبى " . على الرغم من أن عمرى آنذاك كان 25 عاماً ،
اتخذت قراراً ساذجاً ، شأن كل القرارات التى اتخذتها فى حياتى .. أن أختفى
عاماً أو عامين ، أرحل جنوباً بالدراجة ، وأتحدث مع الفلاحين والعمال حيثما
أذهب . لم يكن معى أي نقود ، لكننى كنت أعتقد أننى سأعثر على قيادات الطلبة
فى المدن التى سأمر بها ، ظناً منى أن منظمات الطلبة موجودة فى كل مكان ،
وأنهم سيقدمون لى المساعدة . وأننى بذلك سأتمكن من دراسة ما يحدث فى المجتمع
، وسأعرف حياة الناس فى المصانع والمزارع ، وبذلك أكون مستعداً على نحو أفضل
لمساعدة الفلاحين فى مقاومة الحزب الشيوعى . فقد كنت أشعر أننى متورطاً فى أن
أكون متحدثاً باسم منظمة عمالية لا يعرف العمال عنها شيئاً . منظمة ، كنت
أرتبك عندما يسألنى الصحفيون ونحن فى الميدان عن عدد أعضائها ، وكنت أعرف أن
العمال الذين اشتركوا فى المظاهرات ، كانوا ينكرون وجود أية منظمة تمثلهم .
وأعرف أيضاً أن لا أحد يتبعنا أو يؤيدنا .
تجولت عدة أيام فى الريف ،
ونمت فى الحقول . أتذكر فى هذه الأيام ، أننى تحدثت مع فلاح كان يسهر على
رعاية محصوله من البطيخ ، وسألته عن حياته ، ودخله ، وعن آماله واحتياجاته ،
وتحدثت معه عن الديمقراطية ، وضرورة انتخاب الحكومة
–
أشياء لم اعرف عنها سوى الشهر
السابق –
وأدركت أنه ليس لديه أية شكوى
من الحزب الشيوعى .
حينذاك ، وأثناء وجودى فى إحدى
المدن فجأة ، شاهدت صورتى فى التليفزيون ، ضمن صور 21 من قيادات الطلاب
المطلوب القبض عليهم ، وكنت اعرف الكثير منهم . وعرضت صورنا أكثر من مرة .
وشعرت وكأن عالمى قد انهار . بالطبع ، كنت أدرك خطورة وضعى ، لكننى لم أكن
أتصور أن الأمور يمكن أن تصل إلى هذا الحد . كنت أعتقد أننى أستطيع التجول فى
البلاد والتحدث مع الناس والحوار مع الطلبة فى ذنجدو " أو فى " نانجيانج " .
لكننى أدركت آنذاك أن هذا مستحيل . وشعرت وكأن أى شخص يرانى . سيسحبنى من
قميصى ويلقينى على وجهى ، فركبت دراجتى ، وسرت بلا هدف . كان الجو شديد
الحرارة ، وتغلبنى الرغبة فى النوم ، حينما بلغت ضفة أحد الأنهار ، فانتقيت
مكاناً ظليلاً ورحت فى النوم . فى هذا المكان ، بدات أفكر فيما يجب على فعله
. هل سأظل أعدو بدراجتى بلا هدف ؟ . وتذكرت خطابى الذى ألقيته حينما ترشحت فى
الانتخابات التى جرت فى ميدان " تيانانمن " ذكرت فيه اسمى ومعلومات عنى ، لكى
يتمكن الناخبون من معرفتي ، ومنحى ثقتهم ، وبناء عليه ، قلت يومها ان لدينا
شرعية فيما نقوم به ، وإذا ما قدمنا يوماً ما للمحاكمة ، سنتمكن من الدفاع عن
انفسنا بشكل جيد . لكن ، إذا ذهبنا إلى السجن ، فسأكون اول من يذهب ، ولن أدع
أى شخص يعتقلنى ، سوف أبادر بتسليم نفسى . قلت ذلك فى الميدان بصوت عال "
..أعتقد الآن أننى كنت أواجه اختيار : إما أن أواصل الهروب ، متراجعاً عن
الخطاب الذى قلته أمام الناخبين ، وأكون مجرد آفاق
–
وبذلك أكون قضيت على حياتى
السياسية ، أو أن ألتزم بما وعدت به .
هكذا ، قررت العودة إلى بكين .
أسرعت وحدى ، أسأل الناس عن السبيل إلى بكين ، فلم أكن أعرف بالضبط أين أنا ،
واندفعت نحو المدينة ، كنت اخشى بشدة اعتقالى قبل بلوغ بكين .
أتذكر أننى كنت أعبر جسراً فوق
النهر ، يقف الحرس الوطنى على طرفيه ، وبجانبهم يجلس رجال الشرطة . عبرت
الجسر بهدوء ، وابتعدت عنهم حوالى 30 متراً ، وفجأة صفروا لى لكى أتوقف .
سألونى من أين أتيت ، وأندفعت أقول أننى قادم من بكين . وذكرت لهم اننى لم
أتمكن من الذهاب للعمل بسبب حالة الفوضى وأننى قررت العودة لقريتى لأسابيع
قليلة حتى تهدأ الأحوال . وأدعيت أننى تائه ، وسألتهم عن الطريق إلى " شانكسى
" . أثار شكهم سفرى بالدراجة ، وليس بالقطار أو الأتوبيس ، وأتهمونى بأننى قد
أكون أحد الطلبة الفارين من بكين ، وطلبوا منى إبراز هويتى ، وكنت لسبب ما
أخفيها فى حذائى ، فقلت لهم أننى لم أحملها معى ، وأخترعت لهم اسماً عندما
سألونى عن اسمى، فأخذوا دراجتى ، وضربونى ، وأوقفونى بجانبهم . فى هذه اللحظة
، قررت إخفاء هويتى ، وقلت لهم " يجب أن تعاملونى باحترام ، فأنا مواطن عادى
، لم أرتكب خطأ . فلماذا تفتشونى ، وتضربونى ؟ " .
عند هذا الحد ، إنتابهم الهدوء
، وطلبوا منى إرتداء حذائى وملابسى والجلوس . لكن ، واحد منهم ألقى نظرة على
أجندة معه ، وترددت نظراته بينى وبين أحد الصور التى يحملها ، وأعطى الصورة
لشخص آخر ، وقال : " أنه يشبهه " ، وراحوا يقران الأوصاف . قال الأخر : " قف
" وأخذوا يقارنوا بين طولى مع الأوصاف الواردة فى الأجندة . من حسن الحظ أنها
لم تكن مشابهة تماماً ، كما أننى كنت قصرت شعرى إلى حد بعيد . لذلك قال
الآخر : " لا ، ليس هو " ، وعلى الفور أمرونى أن ألملم أشيائى وأنصرف . ولم
أبعد عنهم سوى عشرة أمتار ، حتى عدت لأطلب منهم إعطائى ورقة تثبت هويتى وحسن
سيرى وسلوكى ، لاستخدامها إذا أوقفونى فى نقاط تفتيش أخرى . فأجابنى الشرطى
الذى قال أننى لا اشبه الشخص الموجود فى الصورة ،: " إجرى وإنفد بروحك " .
فتأكدت تماماً أنه تعرف على ، وانه ساعدنى على الفرار .
نعم ، وصلتها على دراجتى بدون
أية متاعب . ووجدت العساكر يحملون البنادق فى ميدان " تيانانمن " . وفكرت
باعتزاز فيما أنا مقدم عليه . مضيت قدما إلى الجندى الواقف أمام المركز
الرئيسي للأمن العام ، وقلت له : " أنا هان دونجفانج ، مكتب الأمن العام يبحث
عنى " ..تراجع الجندى –
كان شاباً صغيراً
–
وسألنى : " أية إدارة تبحث عنك
؟ قلت " الأمن العام برمته يبحث عنى " . فأجاب : " اذهب إلى الاستقبال ، وخذ
تصريحاً بالدخول " . وللمرة الثانية ، كدت أتراجع عن قراراى بتسليم نفسى .
كنت أعتقد أننى أصبحت شهيراً ،
لكننى لم أصادف أحداً يعرفنى ، حتى عندما استخدمت اسمى الحقيقى ، كنت أستطيع
الاستمرار فى الهرب بسهولة .
وفى نفس اللحظة ، كان هناك
شخص يهبط على السلم ، كان يعرفنى تماماً ، وتذكرت انه لا يعرفنى فقط ، بل
يعرف أيضاً كل المشاركين فى الحركة ، كان واحداً من مسئولى الأمن الذين جاءوا
فى 28 أو 29 مايو ، حينما كنت وبعض أعضاء منظمتنا نتفاوض من أجل إطلاق سراح
ثلاثة عمال ، كانوا قد اعتقلوا من الميدان . قال لى : " جئت لتسلم نفسك ..
بهذا القرار الحكيم ستحمى حياتك " أجبته " ماذا تعنى بأننى سلمت نفسى ، لقد
جئت لأننى مسئول عما فعلته ، لأننى أؤمن أن ما فعلته حق مطلق . أرجوك ، دع
الجنود يسجلون أننى لم أسلم نفسى " .
رفعت صوتى ، فجذبت أنظار بعض
المنتظرين فى الاستقبال فطلب منى التوقف وعدم إثارة الفوضى ، والدخول معه إلى
المبنى ، وأخذنى إلى إحدى الغرف ، وقدم لى الشاى . وبعد نصف ساعة ، جاء ثلاثة
أو أربعة من البوليس السرى وأخذونى وخرجنا من باب خلفى لمكتب الأمن العام ،
وركبنا سيارة وانتقلنا إلى خارج " دونجدان " وبالقرب من منزلى ، سألت إن كان
يمكن أن أتحدث إلى أسرتى أو أخذ بعض الملابس . فقالوا : " إلى أين تعتقد أنك
ذاهب ؟ - وأخذونى إلى مركز " باوجو " للاعتقال . حيث قام شابين مسلحين من
الشرطة بتفتيش ونزع ملابسى ، وفى الأثناء كانا يسبانى بصوت عال . وحينما قلت
لهم : لماذا تضربانى وتركلانى ؟ ، أمرهم الشرطى السرى أن يتركانى وحدى . وقال
لى " الآن ، تعرف أين أنت ، وعليك أن تتصرف على نحو أفضل ، فلا أحد يعرف أين
أنت ، ورسمياً لا يوجد ما يثبت أنك لدينا . ونستطيع أن نفعل بك ما نشاء " .
وتركونى فى الزنزانة وانصرفوا .
لم تكن هناك محاكمة . كان
التحقيق يجرى بشكل دائم . تركز فى الأيام العشرة الأولى أو نحو ذلك على هدف
واحد : إجبارى على القول بأننى سلمت نفسى
–
وهو الأمر الذى أنكرته تماماً
. قدموا لى تقاريراً صحفية عن الإعدامات فى " ذنجذو " و " شنغهاى " و " بكين
" وأكدوا لى أن رجل حكم عليه بالموت لإشعاله النار فى شاحنة ، وأننى يمكن أن
يصدر ضدى ألف حكماً بالموت بسبب الدمار الذى تسببت فيه ، وأن لدى فرصة ذهبية
للحفاظ على حياتى –
بمجرد اعترافى بأننى سلمت نفسى
.
حرمونى من النوم
–
لم أتمكن من النوم أكثر من
ساعة واحدة فى اليوم . الأسوأ من ذلك ، أنهم كانوا يستدعونى فى الليل إلى
غرفة ضيقة ، ويضعونى فى ركن شديد الإضاءة ، ويحقق معى مجموعة من الناس يجلسون
فى ركن مظلم ، لم أكن أتمكن من رؤية وجوههم ، لكننى كنت أسمع أصواتهم فقط .
وبصعوبة رأيت شيئاً لونه أحمر فى أحد أركان الغرفة ، كنت واثقاً أنها "
كاميرا " .
كانوا يريدون منى شيئاً واحداً
، أن أقر بأننى مخطئ ، وبناء عليه ، سلمت نفسى . طوال هذه الفترة ، لم أكن
أريد سوى التمكن من النوم لمدة ساعة واحدة ، لكننى يئست تماماً من ذلك . كان
الأمر بالغ القسوة ، أعد الدقائق ، وأقول لنفسى لابد ان أصمد ولو دقيقة أخرى
.
فى النهاية ، قالوا لى فى صباح
أحد الأيام ، " نحن بذلنا قصارى جهودنا لإنقاذك ، لكنك لا تعرف قيمة الحياة .
وفى يوم قريب ، ستواجه الإعدام رمياً بالرصاص ، وحينذاك ، نأمل أن تتذكرنا "
. شكرتهم ، وطلبت منهم أن أعود لزنزانتى لكى أنام . هكذا ، تمكنت من الدفاع
عن كرامتى ، لكن حياتى كانت مهددة بالزوال . كانت لحظة رهيبة ، شعرت فيها
بخواء مروع .
ذهبت لأنام ، واستيقظت تنتابنى
هواجس الاحساس بالإثم تجاه أسرتى ، وما ألحقته بها من ضرر ، خاصة وأننى لم
يعد لدى فرصة للتعبير عن أسفى لهم قبل أن أموت .
وعلى مدى شهر ، كنت كل يوم
أتوقع أن الباب سيفتح وأستدعى للإعدام .
كنت قد عرفت من أحد أصدقائى
الصحفيين كيفية تنفيذ الاعدام فى الصين . إذلال بلا حدود ، يجبرونك على
الركوع على ركبتيك ووجهك للأرض . ويطلقون النار من الخلف ، ثم يدفعونك فى
حفرة .تلك اللحظة السابقة على الموت ، حين تكون راكعاً على الأرض ، فى انتظار
القتل ، سيطرت على تفكيرى باعتبارها أكثر اللحظات قسوة . وبدأت التفكير فى
كيفية الهروب من هذا الوضع . وبالفعل قررت الفرار من عربة الشرطة التى
ستأخذنى للإعدام ، وسيضطرون آنذاك أن يطلقوا على النار وأنا أجرى . وتخيلت
أيضاً أنهم إذا ما قيدونى وأجبرونى على الركوع سأهتف ضدهم حتى يطلقوا على
النار . كانت هذه التصورات تعيد إلى سكينتى " أشعر أننى مستعد تماماً للموت ،
وأننى أكثر قدرة على تحمل الأوضاع فى مركز الاعتقال . وأكسبنى هذا الموقف
الصلب فى مواجهة آلة الموت احترام حراس السجن . لم يمسنى ولم يضربنى أحد منهم
طوال فترة وجودى بالسجن . ورغم ذلك كان يتم تعذيبى بأساليب أخرى .
بعد ذلك ، وضعت فى زنزانة بها
عشرين سجيناً مصابون بالسل ، وبعضهم لديه أيضاً مشكلات فى الكبد أو أمراض
جلدية . أشكالهم رهيبة ، ويبصقون دم . قبل أن يضعنى نائب رئيس السجن فى هذه
الزنزانة ، قال لى أنه مستعد لعقد صفقة معى ، شريطة أن أكون متعاوناً ، لكننى
لم أعرف ماذا يعنى بالتعاون ؟ ! حينذاك ، كان خوفى الوحيد من أن أصاب بمرض ،
ولا أحيا حتى أرى سقوط الحزب الشيوعى . أصابتنى عدوى السل فى الزنزانة ، ولم
أحصل على علاج مناسب . وبقيت فيها حوالى تسعة أشهر ، حتى
صيف 1990 .
ثم انتقلت إلى السجن الأساسى
فى بكين ، وهو سجن " بانبوكياو " ، إلى أن قرر مكتب الأمن العام بناء وحدة
مجمعة للعاملين فيه مكان السجن ، فتم نقل السجناء إلى " كوينتسينج " ، في
الضواحى الشمالية لبكين .
خضت إضراباً عن الطعام مرات
عديدة ، حتى كدت أموت . ومع ذلك ، لم أستطع فعل أى شئ لتحسين أوضاعى .
فى أحد الأيام ، جاءنى البعض
من مكتب التحقيقات فى بكين ، كنت قد نقلت إلى " كوينتشنج "
–
وأعربوا عن رغبتهم فى إجراء
تحقيق معى . كنت بالغ الضعف لدرجة العجز عن الكلام ، واقترح عليهم السجناء أن
يمنحونى قلماً وورقة . فكتبت لهم " إذا كنتم تريدون الانتهاء من قضيتى قبل أن
أموت ، أرسلونى إلى مستشفى " . صدمهم طلبى ، وانصرفوا على الفور . ولكن بعد
ساعة واحدة ، قامت إدارة السجن بقص شعرى ، ونقلى من الزنزانة ، وأعطونى
عقاقير مقوية لمدة يوم ، ثم أرسلونى لمستشفى كبير ، حيث قضيت اسبوعين ،
واستعدت بعضاً من صحتى .
فى صيف عام 1991 ، طلبوا من
أسرتى توقيع طلب بإطلاق سراحى ، شريطة ألا يشيروا إطلاقاً إلى مرضى ، كانوا
يعتقدون أننى أستطيع الخروج والسير حتى موقف السيارات ، لكننى لم أكن قادراً
على مجرد الوقوف أو حتى تبادل الحديث معهم . وكان وزنى لا يتعدى 40 كيلو
جراماً . وعجز المستشفى العسكرى عن تشخيص حالتى الصحية . كان المرض قد تمكن
من رئتى ، وأصبحت كقطعتين من الحجر ، لا أستطيع التنفس ، ومع ذلك لم نظهر
الأشعة أية بكتريا أو جراثيم فيها . وجاءنى طبيب أرسلته منظمة غير حكومية
لحقوق الإنسان مقرها فى بوسطن ، وفحص آشعاتى وقال أنها لا توضح مدى إصابتى
بالسل ،ولا التلف التام الذى أصاب رئتى ووضعت تحت العلاج حوالى عاماً ونصف ،
بعدها بدأت الرئة فى الشفاء ، لكن قلبى قد أصابه التعب . ورتب اتحاد العمال
الأمريكى لإجراء عملية لى فى المركز الطبى لجامعة كولومبيا ، وحصلت على فيزا
للذهاب إلى نيويورك فى خريف عام 1992 . كان أصدقائى قد نصحونى بضرورة إجراء
العملية فى بكين ، باعتبار أننى لو تركت الصين قد لا يسمحون لى بالعودة .
فتمسكت بالسفر خوفاً من أن أتعرض لأخطار صحية وطبية أخرى ، وأكدت لهم أننى
سأعود إلى بكين خلال عام واحد .
بعد عام من العلاج ، عدت إلى
الصين . طوال فترة علاجى ، لم أتحدث مع أى شخص ، حتى زوجتى . وغادرت بوسطن
إلى هلنسكى ، لألقى كلمة فى مؤتمر دولى لنقابات عمال العاملين فى القطاع
العام ، وطرت منها إلى هونج كونج ، لم يكن أحد يعرف بعودتى . فور وصولى ،
اتصلت بروبين مونرو ، الذى اندهش لسماع صوتى ، لكنه التقى معى وخبأنى فى
جزيرة " لانتاو " بعد اسبوع ، انتهت الفيزا السياحية التى تسمح لى بالوجود فى
" هونج كونج " . فأخذنى صديق منها بقارب صغير ونقلنى لمدينة صغيرة على الحدود
. اخترنا مكاناً لإقامتى لا يوجد فيه لدى نقاط تفتيش الشرطة كمبيوتر ، وذلك
نظراً لأننى كنت معروفاً تماماً ، وتستطيع أية نقطة تفتيش لديها كمبيوتر أن
تكتشف شخصيتى ، وأنشغلت فى الترتيب للعودة إلى بكين . بمجرد عبورى الحدود ،
توجهت إلى مطار " جوانجذو " لكننى لم أجد تذكرة فى نفس اليوم على الطائرات
المتوجهة إلى بكين ، فاقترح صديقى المبيت فى فندق . ونظراً لمراقبة الشرطة
للفنادق الكبرى ، ذهبت إلى فندق متواضع ، وفى الساعة الرابعة والنصف صباح
اليوم التالى ، دقت الشرطة بابى ، وتم اعتقالى ، وفى نفس الليلة ، أعادونى
إلى هونج كونج .
خلال الشهرين الأولين ، حاولت
مرات عديدة العودة إلى الصين ، فهى بلدى فى الأول والأخير ، ولدت وعشت فيه ،
ولدى جواز سفر صينى . كنت أرغب دائماً فى العودة ، وفى كل مرة أعبر الجسر
الواصل إلى الصين ، يتم القبض على فى منتصف الطريق وإعادتى إلى هونج كونج .
لكننى أدركت أن الحكومة الصينية كشفت محاولاتى المتكررة لعبور الحدود ، ولن
تسمح فبها . فقررت العودة لمشروعى الأساسى ، البقاء فى هونج كونج ، والعمل فى
جريدة " البولتين " الصادرة فى هونج كونج ، وإصدار طبعة منها فى الصين وأخرى
باللغة الإنجليزية . وإرسال النسخة الإنجليزية إلى المنظمات العمالية فى
الخارج ، والنسخة الصينية إلى المصانع فى الصين . يمكن شراءها من المصانع
الرئيسية ، ومن مكتبات هونج كونج ، كما نرسلها إلى مكتب نقابة العمال فى
المصنع ، وبالطبع أعرف أن تلك النسخ تنتهى إلى أقسام الشرطة المحلية . بعد
عام 1999 أو عام 2000 ، توقفنا عن طباعة " البولتين " وأصدرناها مباشرة على
الانترنت . واكتشفنا أنها أكثر جاذبية ، ويقرأها غالبية الناس . كما قمنا
بإجراء حوراات مع العمال فى برنامجى الإذاعى ، الذى أبثه على الموقع :.www.china-labour.org.hk
بدأت العمل فى برنامج فى إذاعة
آسيا الحرة ، فى مارس 1997 ، قبل وقت قصير من عودة هونج كزنج إلى جمهورية
الصين الشعبية . منحونى فترتين أسبوعياً للبث المباشر لعرض قضايا العمال
الصينيين والتعليق عليها ، ولكن بعد أشهر قليلة
–
وفى نهاية عام 1997
–
قلت لهم أننى لا أستطيع
الاستمرار فى الحديث عن العمال الصينيين بدون الكلام المباشر معهم . كنت
معزولاً عنهم ، وبالتالى نضبت أفكارى . فاقترحت الإعلان عن رقم تليفون لكى
يتمكن المستمعين من الاتصال بى والحديث بحرية . كان هذا كافياً لإقامة علاقات
مباشرة مع العمال الصينيين . وبمجرد اتصال أحدهم بى ، وترك رسالة ، أعاود
الاتصال به حتى لا أحمله نفقات الاتصال . كانت الاتصالات غزيرة ، وأصبحت
التعليقات أكثر قوة وتعبيراً عما يحدث فعلياً وعن المشكلات كما هى فى الواقع
. وأدركت أهمية إذاعة هذه المحادثات على الهواء مباشرة ، فقررت إذاعتها على
الهواء ، وأزدادت المكالمات التليفونية ، وزادت رغبة الناس فى الحديث
للبرنامج . وكنت أستخدم أجهزة الكمبيوتر فى تغيير أصوات المتحدثين حتى لا
يمكن التعرف عليهم ، وبالتالى لا يتعرضون للإيذاء . لكننى فوجئت بأن غالبيتهم
يرفضون تغيير أصواتهم ، ويؤكدون رغبتهم فى الكشف عن أنفسهم ، وأنهم لا يذكرون
سوى الحقائق .
فى ذلك الوقت أيضاً ، بدأت فى
تغطية المظاهرات والإضرابات وقت حدوثها ، وأذعت تقاريراً عنها تشمل لقاءات مع
العمال والمسئولين الحكوميين ، والنقابيين ، وإدارات المصانع ، وغيرهم على
سبيل المثال ، فى عام 1998، أذعت عدداً من الحوارات ، حيث كانت هناك احتجاجات
فى الشوارع ، وتلقيت مكالمة تليفونية من تليفون عام أمام منشأة حكومية ، قال
لى أن هناك 500 مشارك فى الاحتجاجات ، متواجدون فى المكان ، وتحدثت مع بعض
منهم عبر التليفون ، وسألتهم عن أسباب الاحتجاج ، وعن مشكلاتهم ومتاعبهم .
كانت بمثابة إذاعة حية ومباشرة للأحداث . بعدها اتصلت بالمسئولين فى الحكومة
المحلية ، وسألتهم عما سيفعلونه تجاه الاحتجاجات ، ولماذا تتردى الأوضاع من
سيئ إلى أسوأ . كما سألت المسئولين فى النقابات العمالية عما سيفعلونه دفاعاً
عن العمال ، فقالوا أنهم سيدعونهم للهدوء والعودة لمنازلهم ، بدعوى أن العمال
لا يدركون المصاعب التى تواجهها الإدارة والحكومة
…
لا ، جاءتنى مكالمات من كل
مكان فى الصين ، حتى من " التبت " ومن " إكسينجيانج " ، كان تنوع المكالمات
يرتبط بالزمن الذى تمت فيه ، وليس بالمكان . ففى عامى 98 و 1999 ، كانت هناك
العديد من الاحتجاجات فى " هيلونج جانج " و " جانسو " و " جويزو " ، كما
أوقفت حركة السكك الحديدية فى مناطق مناجم الفحم فى " سيشوان " .
هذا يتوقف على المنطقة ، ففى
بعض الأحيان كانوا يشوشون على المحطة او يهاجموا الناس الذين يستمعوا
للبرنامج او يتصلون به . الناس بطبيعتها لم تكن تصدق الأمريكيين وإذاعاتهم
بكل إمكانياتهم التكنولوجية . ونظراً لأن محطات الإذاعة المحلية لم تكن قادرة
على التشويش على إذاعتنا ، فقد استعانوا بالقوات المسلحة . التى أذاعت على
نفس ترددات إذاعتنا موسيقى للاوبرا وبرامج مشابهة لذلك .
نعم ، تراجعت مخاوف الناس .
يعود السبب لذلك فى رأيى إلى تزايد الغضب والتمرد .
تعلمت أشياء كثيرة ، ودخلت فى
تعاملات ضخمة وعلاقات كثيرة . وأصبحت أكثر واقعية من خلال حديثى مع ناس
متنوعين ومختلفين بشكل كبير ، وزادت خبراتى فى كيفية حل المشكلات كانت الأمور
بالغة الصعوبة فى البداية ، لكن قدرتى ازدادت على معرفة الأوضاع الدقيقة فى
داخل المصانع من خلال الحديث مع عمال ومديرين ومسئولين حكوميين متنوعين .
وعندها أصبحت لدى القدرة على تكوين رأياً صحيحاً حول هذه المشكلات ، لم أكن
أقدم حلولاً ، بسبب آن ذلك كان يفوق قدرتى ، فضلاً عن ان الناس لم تفوضنى ولم
تطالبنى بذلك . فأنا لم أكن ممثلاً لجهة محددة . حينما كنت أقدم التقارير عن
المظاهرات وأتحدث مع مسئولين مختلفين ، كنت أسعى فقط لإجبارهم على الإجابة
على ما أطرحه عليهم من أسئلة ، وكانت إجابتهم غبية تعكس بوضوح حالة تردى
النظام فى الصين . ونجحنا فى ذلك تماماً ، ولكن ، أدركت بعد فترة أن هذا
النوع من النشاط غير مفيد فى تقديم حلول لأية مشكلات تواجهها المصانع . مثلاً
، قضية الأجور المتأخرة الدفع ، تتوقف على ميزانية المشروع ، إذا لم يكن
المال متوفراً ، فيجب على أن أجلس فى كرسى المسئول بدون أى حل مسبق من عندى .
وقد شعرت أن العمال يسعون لحل سلمى عبر المفاوضات . كان المستحق للعمال أجور
متأخرة عن تسعة أشهر ، لكن الحكومة لا تستطيع دفع أكثر من ثلاثة أشهر فقط ،
وليس فى قدرة العمال أن يبقوا فى الشوارع حتى يتم دفع كل الجور ، فعليك أن
تتفاوض للحصول على ثلاثة أشهر ، وأن تحصل على وعد بموعد محدد لصرف المتبقى ،
وبالفعل ساهمنا فى المفاوضات لصرف أجور الأشهر الثلاثة ، لكننى اكتشفت بعد
ذلك ، أنه بدون أساس قانونى للمفاوضات ، لن تستطيع إلزام الحكومة بالوفاء
بوعدها بسداد أجور الأشهر الستة المتبقية.
من هنا نحن طورنا شكل الصراع ،
وشجعنا العمال على رفع دعاوى قضائية . فالقانون شديد الوضوح بشأن مسئولية
الحكومة فى دفع أجور العمال ، ولا يحمل وزارة العمل وحدها مسئولية دفع الأجر
المتأخر ، كما يجبرها أيضاً على دفع غرامة عن التأخير فى سداد الأجور فى
موعدها ، منذ حوالى عامين ونصف تدخلت جريدة " البولتين " فى هذه الحالات.
لم نعد نكتفى بالمراقبة عن بعد
، بل كنا نوضح للعمال حقوقهم القانونية ، وكيفية الوصول إليها ، وتحديد
المحامين المؤهلين للدفاع عن هذه القضايا . منذ حوالى عامين ، تم اعتقال عشرة
عمال من مصنع ضخم للنسيج فى " سويزو " بمنطقة " هوبى " ، بعد قيام عمال
المصنع بمظاهرات . وقدمنا لهم محامين من بكين ، وتم إسقاط التهم الموجهة لهم
، ولجأت الحكومة لإرسالهم لمركز لإعادة تعليمهم بدلاً من أن تقدمهم للمحاكمة
، فتوجه المحامون إلى المكتب المحلى للأمن العام ، وأصروا على أن هذا القرار
بإرسالهم لمركز إعادة التعليم ، غير قانونى ، وأجبروهم على إطلاق سراح العمال
وإعادتهم إلى مصانعهم بعد ذلك ، طورنا برنامجاً للتدخل فى الحالات القانونية
، لازلنا نعمل به حتى الآن . ويعرب الكثير من المحامين عن رغباتهم فى العمل
معنا ، ولا يريدون إخفاء أنفسهم ، ويحصلون على أجور من هذا العمل الذى
يتفرغون له .
ينقسم القطاع الخاص إلى جزئين
: المشروعات المحلية ، والمشروعات الأجنبية . ومن السهل جداً التعامل مع
الشركات الأجنبية عن التعامل مع المشروعات الصينية . معظم الشركات المحلية هى
مشروعات كانت مملوكة للدولة وتم خصخصتها ، وملاكها الآن إما كانوا مديرين أو
مسئولين سابقين فيها ، جلبوا أموالهم من أرباح المشروعات المملوكة للدولة وقت
أن كانوا يديرونها . فى مثل هذه الحالات ، يجد المرء نفسه معارضاً لموظفى
الحكومة المحلية ، الذين ينعمون بحماية كبيرة . وفى المصانع الأجنبية ، ومنها
تلك المصانع المملوكة للتيوانيين ، ولمستثمرين من هونج كونج وكوريا ، يدفع
أصحابها رشاوى للمسئولين المحليين ، لكنك تستطيع إجبار هؤلاء المسئولين على
الالتزام بقانون العمل ، وعدم محاباة المستثمرين الأجانب على حساب العمال
الصينيين . من السهل جداً الضغط عليهم باستخدام هذه الحجة .
أدركت أيضاً أن من السهل على
العمال فى المصانع الأجنبية القيام بأعمال للدفاع عن مصالحهم . هؤلاء العمال
يأتى معظمهم من الريف ، ولا يحظوا برعاية أو حماية أى مؤسسة . لذلك فإن معظم
العمال الذين كانوا فى مشروعات مملوكة للدولة ، وتم خصخصتها ، استمروا فى
العمل فيها ، رغم تخفيض أجورهم بشكل كبير . ومن المفارقات أن معظمهم لازالوا
يشعرون كما لو أن الدولة يجب أن تعتنى بشئونهم بشكل أو بآخر . هذا الاعتقاد
باق ، على الرغم من أنه كاف للقضاء على أى رغبة أو تحرك من أجل الاستقلال
–
فهم لا يريدون إحراق الجسور
بالقيام بعمل أى شئ يكشف عن غضبهم أو تمردهم .
على سبيل المثال ، منذ سنوات ،
أغلقت الحكومة أحد المصانع . فشجعنا العمال على القيام بعمل قانونى ومنظم
لمواجهة ذلك ، لكنهم رفضوا . كان الكثيرون منهم يملأهم الفزع ، ويرغبون فى
قبول أية ظروف . على الرغم أن معظمهم فقدوا كل شيئ ، حتى أولئك الذين استمروا
فى بعض الأعمال الضرورية ، عملوا فى ظروف بالغة السوء . هذا منذ سنوات
….
أما الآن ، فمنهم مستعدون
للنضال ، لكن الوقت المناسب للفعل كان قد ولى . إمكانية بناء حركة تضامنية
تضاءلت . فقد كان هناك خمسة آلاف عامل متضرر من إغلاق المصنع ، والأن لم يعد
سوى 300 عامل فقط . كل العمال الذين عملوا فى مشروعات مملوكة للدولة أصبحت
لديهم خبرات محبطة . لذلك نحن نعتقد أن العمال فى المشروعات الأجنبية يجب أن
يكونوا الهدف الرئيسى لتنظيم حركة عمالية فى الصين . بمجرد تنظيم هؤلاء ، سوف
يلعبون دوراً مؤثراً فى مواجهة خصخصة المشروعات المملوكة للدولة .
للأسف ، ليس لدينا أمل فى
تنظيم العاطلين . غالبية العمال الذين يتصلون بى يشكون من طردهم من العمل
بشكل غير عادل . وأشجعهم مرات عديدة على إعداد ملف قانونى لرفع دعاوى قضائية
، لكنهم يرفضون ، ويفضلون على ذلك تقديم عرائض وإلتماسات للسلطات ، ويستمرون
فى ذلك ، حتى يفقدوا رسمياً أى حقوق لهم . ويصبح أى تحرك بعد ذلك غير ممكن
وبلا جدوى . لأنهم لم يدونوا منذ البداية محضراً قانونياً يوضح عدم موافقتهم
على الطرد من العمل . لا يؤدى ذلك بالمتضررين إلى أية حلول ، لأنهم عادة
شديدو الفقر ويحتاجون لمساعدات كثيرة . فى هذا الإطار نضطر للتدخل فى الموضوع
، ولكن بتبنى آراء ومواقف تتناقض مع رغباتنا وإرادتنا . ورغم أننا لا نرى أن
جريدة " بولتين " الصينية تصلح كمركز لتقديم هذه الخدمة ، إلا أننا لا نتقاعس
عن تقديم المساعدات التى نستطيعها فى بعض الحالات الخاصة .
نحن نرى أننا قادرون على إيجاد
حركة عمالية ، ونثق أن حماية العمال فى المستقبل تعتمد على ان نصبح طرفاً
قوياً . كما نقدم على الاختبارات الصعبة
–
كأن نفشل فى إحدى الحالات ،
ونواصل السعى فى حالة أخرى ، إلى أن نتمكن من تطوير القضية لتصبح قضية عامة ،
حيث يمكن للعمال أن يختاروا ممثلين لهم ، يمكن ان يصبحوا قيادات للنقابات
العمالية . بمجرد وجود ممثلين نقابيين منتخبين ، نكون قد قطعنا خطوة باتجاه
إصلاح النقابات العمالية الرسمية ، وإن كنا لا نراهن عليها بوضعها الراهن ،
لأننا لا نرى أنها هياكل مفيدة فى الدفاع عن المصالح العمالية . لذلك ، لابد
من ان تتغير من الداخل ، من خلال المشاركة العمالية المتزايدة .
على مستوى المصنع ، بمرجد أن
ينجح أحد أعضاءك فى الانتخابات ، يمكن ضبط التجاوزات غير القانونية للمسئولين
غير الأكفاء فى النقابة ، وأن يقدمهم لمحاكمات ، كما يمكن عمل أشياء كثيرة .
من ناحية أخرى ، نقدم دروساً فى القانون للعمال ، ونعلمهم كيفية تشكيل نقابة
، ونساعدهم فى إجراء الانتخابات ، وعمل كارنيهات عضوية ، للحفاظ على العلاقات
مع الأعضاء .
فى الوقت نفسه ، نحافظ فى كل
نشاطنا على الخضوع للقوانين ، ولذلك لا تستطيع الشرطة المحلية التعرض للعمال
المشاركين فيه . ونشرح للعمال ما يمكننا تقديمه من مساعدات لحل النزاعات
العمالية ، كذلك ، إذا ما سألتهم الشرطة عما إذا كانت لدينا أجندة سرية غير
معلنة ، فكيف لا يردون بأقوال تديننا .
مؤخراً ، شهد مصنع نسيج فى "
إكسيانيانيج " فى " شانكى " استمر 49 بوم . غالبية العاملات فيه من النساء .
وضعت لهم مسودة عملية إجراء الإنتخابات عندهم ، ومشروع تشكيل نقابة وشرحت لهم
أهم القوانين العمالية ، وعرضت عليهم الاستعانة بأحد المحامين فى بكين . ولكن
تم اعتقال قيادات العمال .
من ناحية أخرى ، كنت أدرك
تماماً انهم لن يعاملوا مثل عمال " لياوينج " . وفى الوقت نفسه كنت أشعر أننى
ساهمت فى دخول هؤلاء الناس إلى السجن . وبعد ثلاثة أشهر ، تم إطلاق سراحهم .
بعدها ، تعلمنا أهمية التركيز على الحوارات العقلانية مع العمال وعلى
القضايا الأساسية . كان مصنع " إكسيانيانج" ، قد تم بيعه لشركة مسجلة فى "
هونج كونج " ، فى إطار مشروع الدولة المسمى " بمصادر الثروة الصينية " .
وتعهدوا للعمال بأن شيئاً لن يتغير ، وانهم سيحصلون على عقود طويلة الأجل .
ولكن بعد توقيع اتفاق البيع ، قيل للعمال أن أطول العقود لن تزيد عن ثلاثة
سنوات ، وان كل العمال سيمروا بفترة اختبار ستة أشهر ، تقرر الشركة فى
نهايتها طردهم او الاستمرار فى تشغيلهم بعقود . حتى أكثر العمال مهارة ،
الذين بقوا فى أعمالهم 20 عاماً ، هم الآن تحت الاختبار ، ويحصلوا على 60%
فقط من مرتبهم الذى كانوا يتقاضونه فى السابق . لذلك ، بدأوا يحتجون
–
أغلقوا أبواب المصنع ، وأوقفوا
الإنتاج . ولا يزال العمال فى مواقعهم حتى الآن ، ولم يطرد اى منهم .
والآن فقط ، تلقيت ( إيميلاً )
من مدرس فى مدرسة إبتدائية يعمل فى منجم للفحم فى " جيلين " ، يكتب دفاعاً عن
ألف من عمال المناجم . يقول أنه قرأ أحد مقالاتى على شبكة الانترنت ، ويوافق
تماماً على الحاجة لإنشاء منظمة للعمال ، وأنه طبع مقالى وصوره ويقوم بتوزيعه
على عمال المناجم . وأنهم انجذبوا لفكرة تشكيل منظمة بشكل قانونى ، ويريدون
مساعدتى لأنهم لا يعرفون الإجراءات الصحيحة .
مارس الصينيون خبرة الثورة
الثقافية ، فى ثورة الرابع من يونيو ، ولكن بعدها تردت الوضاع ، وأغلقت
المنافذ ؛ وأصبح الصينيون أكثر خوفاً ، لكنهم لا يستطيعوا توضيح أسباب خوفهم
. لو عرفنا الأسباب ، يمكننا علاجها . بتوفير مقاومة شرعية للعمال ، مقاومة
قانونية وعلنية ، قد لا يكون هناك سبب للخوف ، ويمكن للعمال آنذاك أن يسعوا
من أجل ما يأملون .
نعم ، هذا صحيح تماماً ،
وينطبق على كل النقابات فى كل مكان . وفى معظم الأحوال ، يكون موظفوا
النقابات العمالية جزء من الإدارة .
-
اعتقد ذلك ، لكننى أرى أن ذلك
غير ممكن طالما الناس خائفين . كذلك ، أنا لا اعرف كيف يمكن تحطيم حواجز
الخوف . علاوة على ذلك ، حتى عندما أتحدث إلى العمال حول قوانين العمل
وقوانين النقابات العمالية ، وغير ذلك من الحقوق القانونية ، فإنهم يستمرون
فى التأكيد على الحالات الخاصة البعيدة تماماً عن النقابات العمالية المنتخبة
. وأسعى لإقناعهم بأن هذه الانتخابات النقابية ترتبط تماماً بهذه الحالات
الخاصة ، فهى السبيل لحل هذه المشكلات بسبل قانونية وشرعية . فى الوقت نفسه ،
نحن نسعى لتوطيد قناعة بأن العمال فى المصنع إذا ما قام غالبيتهم بتنظيم
انتخابات ، سيكون هناك ضغطاً حقيقياً على النظام النقابى الموجود
–
بمعنى أنك كنقابى رسمى إن لم
تمثل العمال ، فسيقوم العمال بطردك من موقعك .
فى ظل النقابات الحالية ، فإن
أفضل من فيها المتعاطفين بحق مع عمالهم ، غير قادرين وغير مدربين على تنظيم
أى شئ . وليس لديهم أية فكرة عن كيفية تمثيل العمال . إن الشئ الأكثر أهمية
هو ان يتمكن العمال من بناء الثقة فى أنفسهم . إذا تمكنت من تحقيق ذلك ،
يمكنك تصحيح الأوضاع ، وتصحيح الأخطاء ، والمضى قدماً . ولكن إذا لم تكن لديك
ثقة بالنفس ، فإنك لا تستطيع فعل اى شئ ، حتى ولو كانت مجرد البداية . ويمكن
من خلال تقديم الإرشادات القانونية وتعاون المحامين ، مساعدة هؤلاء العملاء
–
حينذاك سيكون لديهم أرض صلبة
للانطلاق .
يتضمن ذلك ما يمكن أن تسميه
باستعادة ثقة العمال بأنفسهم من خلال المحاكم . فإذا ما توفر لديك تضامن
عمالى كاف ، يجعل من الصعب على المحكمة اتخاذ قرارات تتنافى مع القوانين التى
تتبعها الدولة –
والعمال بالطبع قادرين على فعل
ذلك .
الآن ، تتحدث الاضرابات بشكل
متزايد . هناك بالفعل إضرابات تحدث يومياً فى منطقة " شينزين " . هذه
الإضرابات من أجل تخفيض ساعات العمل ، وتحسين ظروفه . لكن هذه طبيعة الطبقة
العاملة . أنها تنهض بنفسها ، سواء كانت هناك " بولتين " الصينية أو لم تكن .
كل ما يمكننا ان نفعله ، هو أن تجعل عملية استعادة الثقة الجماعية بالنفس تتم
فى وقت أسرع ، وأن يدفع العمال ثمناً أقل مقابل ذلك ، وأن يتجنبوا الصراعات
الميئوس منها ، التى لا يجنوا من ورائها سوى الخسائر .
من هذا وذاك . هذا يتوقف على
المكان الذى يعملون فيه . ففى المشروعات التى كانت مملوكة
للدولة
، معظم العاملين فيها من كبار السن
–
وقد تم طردهم منها ، وتتراوح
أعمارهم ما بين الأربعين والخمسين . ولا يزالوا فى حاجة لوظائف ، ويريدون
الآن النضال للحصول على عمل ، لكننى لا اعرف كيف يمكنهم ذلك .
فى الوقت الحالى ، نركز على
المصانع الأجنبية ، خاصة فى منطقتى " شينزين " و " جواندونج " ، وبشكل أخص
على حالات مرض العمال الذين يشتغلون بالفعل .
أما عن النضالات من أجل تحسين
الأجور ، وهى موضوع سؤالك ، الذى اتفق معك فيه ، لكن الحقيقة ، ان قضية
العمال المرضى هى الأكثر أهمية بسبب سوء ظروف العمل . لهذا السبب ، حينما
نتوجه إلى المكتب المحلى للعمل لطرح شكوانا ، فإننا نكسب تعاطف الصحفيين ،
والمحامين ، والقضاة ، وحتى تعاطف المسئولين الحكوميين . من خلال ذلك ،
نستطيع شرح كل القضايا حرية تشكيل الجمعيات والاتحادات ، وحق المساومة
الجماعية ، وقوانين العمل وقانون النقابات العمالية ، واحترام قواعد حقوق
الإنسان . وتحليل كل القضايا على نحو صحيح . ولأننا نتبع النظام الشرعى
والأساليب القانونية الصحيحة ، لا يستطيع أحد ان يقف ضد هؤلاء العمال . بذلك
نستطيع الاستمرار ويستحيل القضاء علينا .
صحيح تماماً أن الناس العاديين
فى الصين لا يتحمسون للعدالة الاجتماعية قدر تحمسهم للعدالة القانونية . ومع
ذلك فإن السبيل الذى نسلكه لا يعنى أن هذا الفهم من جانبنا يعوق السبيل الآخر
.
فى تاريخ الصين الحديث ، تبذل
الجهود لحل المشكلات الاجتماعية بوسائل معادة ومتكررة . هذا بالضبط ما حدث فى
الماضى ، ولابد أن يتم تصحيحه تماماً فى الوقت الراهن . بمعنى آخر ، ليس
مطلوباً من أحد أن يدفع ، ويحرك ، أو أن يحل محل الناس فى حل المشكلات
الاجتماعية . أن التحرك يتم طوال الوقت بدون دفع قصدى على نحو خاص . المشاركة
التى يمكن أن نقوم بها فى " بولتين " الصينية هى مجرد تقديم طريقة أخرى فى
التفكير ، تختلف عن الطريقة التقليدية التى تعتمد على الانتفاضات والصراعات
المسلحة والثورات .
حينما تكون هناك مشكلة
اجتماعية متفجرة ، فإن السبيل الذى نطرحه هو تقديم خيارات متعددة وكثيرة أمام
الناس العاديين ، هل ستدفع الناس للتجمع بعشرات الألوف والخروج إلى الشوارع ،
أم للبحث عن مساعدة قانونية من أحد المحامين ؟ يعتقد معظم الصينيون أن السبيل
الأول أفصل من الثانى . أن هذا ليس فقط جزء من تاريخنا الحديث . بل أيضاً جزء
من حاضرنا وقد يكون جزء من مستقبلنا المنظور . لذلك ، نحن لسنا فى حاجة
للاستمرار فى ذلك . أن ما يفتقده الصينيون تاريخياً ، نظام قانونى عادل ،
وحكم القانون .حتى الآن لم تنجح الجهود التى تبذل من اجل تحقيق ذلك . وهذا ما
نسعى لتحقيقه –
حل المشكلات الاجتماعية
القائمة من خلال نظم شرعية وقانونية قائمة . بمعنى ، أنه يمكنك ان تسمى ذلك
مشروعاً ثقافياً : تشجيع الناس على الثقة فى المفاوضات السلمية . هذا النوع
من الثقة مطلوب وضرورى من اجل التطور الصحى المستقبلى للصين .
عندما يتحدث الناس عن التنمية
المستدامة ، يجب ان يعنى ذلك أيضاً ، وجود حكومة يحكمها القانون ، ولا يمكنها
تجاوز سلطاتها دون عقاب او مساءلة . فى الوقت نفسه ، يتعلم المواطنون القدرة
على التفاوض من اجل تحقيق مصالحهم ، واستخدام قوة القانون للدفاع عن حقوقهم
المدنية .
كل ذلك ، يعنى الخروج على
المفهوم الصينى الحديث ( القديم ) الخاص بالثورة الاجتماعية .
من سوء الطالع ، أنهم حتى الان
لا يسلكون السبيل إلى الصين المعاصرة . لكننا نسعى لذلك . دعنى أؤكد أننى لن
أنتقد الناس العاديين فى الصين ولن أسعى لمنعهم لو خرجوا إلى الشوارع من أجل
العدالة الاجتماعية . ولا أعترض على الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة ولا أدافع
عن الالتزام برؤية الحزب الشيوعى الصينى حول الاستقرار الاجتماعى ، ورغم ذلك
فإننى لا أشجع الناس على مظاهرات الشوارع . ومتى حانت الفرصة للتحرك الواسع ،
فإننى سأدعو الناس لاختيار مختلف .
Kfishawy@gmail.com