ما هي الثورة؟
مايكل البرت
٨
ابريل
2006
هيئة تحرير بيركيم، احد اقدم المطبوعات التحليلية الشهرية الاشتراكية في
اوروبا والشرق الاوسط، والتي تنشر بالتركية، سألت عددا من الناس ان يجيبوا
على سؤال ما هي الثورة، بمناسبة عدد خاص من الدورية المطبوعة. تلك كانت
اجابتي...
يعني العديد من
الناس بكلمة ثورة حريقا اجتماعيا هائلا يأكل الاخصر واليابس. انها في تصورهم
لحظة من الزمان، او فترة قصيرة من الزمن. ربما يكون العنف في خيالهم احد
صورها. بدلا من ذلك، انا اعني بكلمة ثورة تغييرا في المؤسسات المحددة في اي
من المجالات الاساسية الاربع للحياة الاجتماعية: الاقتصاد، النظام السياسي،
الثقافة، النوع/علاقات النسب.
حيث ان الثورة كما
اعرفها تغيير للمؤسسات المحددة للنظام القديم فهي تعارض السبل القديمة وتبني
سبلا جديدة. ما اعنيه بتعريف الثورة يتضمن افعال: المعارضة، والتنظيم،
والالغاء، والخلق.
قد يكون للثورة
لحظة انفجار او فترة زمنية انفجارية، ولكن الانفجار لا مكان له في التعريف
الذي اتبناه. الانفجار امر غير مطلوب. قد يكون هناك عنف في الثورة
وبالتآكيد يوجد كفاح. ولكن بالنسبة لي تلك هي اوجه للثورة وليست سمة محددة
لها.
التغيير الثوري قد
يكون للافضل، هذا ما يجب ان اضيفه، بينما يأخذه بعض الناس كامر مسلم به، ولكن
تخفيض الاضطهاد او زيادة في الحرية، هي امور لا اطرح اي منهما في تعريفي
للثورة. لا يتطلب الامر ان تصبح هناك بعض مكتسبات. المطلوب للعملية
الاجتماعية حتى تكون ثورة، على الاقل حين اقوم بتعريف الكلمة، هو ان المؤسسات
المحددة بشكل محوري في واحد من المجالات الاربع الحاسمة للحياة الاجتماعية
تتبدل بشكل جوهري.
هذا الاستخدام هو
فريد على نحو خاص بشكل ما، اعرف ذلك. انا اعرف ايضا انه حتى يصبح هذا
الاستخدام دقيقا علي ان اوضح ما اعنيه بكل هذه المفاهيم التي ورد ذكرها على
لساني. ولكن قبل ذلك، من الواضح ان هذا التعريف يتحاشى وضع اولوية لاحد
مجالات الحياة هذه على سواها من المجالات الاخرى. الثورة ليست اقتصادية فقط،
او في السياسة فقط، او في الثقافة فقط او في علاقات ذوي القربى فقط. قد تكون
الثورة في اي من هذه المجالات، او في كل مدارات الحياة الاربع. هذا التعريف
ايضا وبشكل واضح يتحاشى عبادة شكل واحد من التغيير على حساب باقي الاشكال
الاخرى.
وحيث اني لا امتلك
في المساحة المسموح بها لي الا القليل، دعني احصر مزيدا من ملاحظاتي في
الاقتصاد، حيث انني اكثر تمكنا في هذا المجال. ودعني اسلط الضوء على الوقت
الحالي، حيث اعيش فعلا. اعتقد فقط من خلال تلك الحدود، ان هناك ثلاث انظمة
اقتصادية متعلقة بالتفكير في الثورة: (١) ما نسميه كلنا الرأسمالية، (٢) ما
اسميه انا اقتصاد طبقة المنسقين (ولكن يسميه اخرون اشتراكية السوق او
اشتراكية التخطيط المركزي)، و(٣) ما اسميه انا اقتصاد المشاركة (الباريكون).
تلك الانظمة الثلاث تختلف فيما بينها اختلافا جوهريا في التبعات التي تمليها
على السلوك الانساني. تحريك المجتمع من اي نظام منهم الى نظام اخر، في اي
اتجاه، هو في تفكيري ثورة اقتصادية.
في تعريفي للثورة،
التحول من الرأسمالية الى اشتراكية السوق او اشتراكية التخطيط المركزي
باستخدام درجة ملموسة من العنف وكفاح عظيم على طول الطريق يحقق ثورة
اقتصادية. ولكن ايضا هي كذلك في التحول من اشتراكية السوق او اشتراكية
التخطيط المركزي الى الرأسمالية، كما حدث مؤخرا - تقريبا يكاد يكون هذا
التحول قد تم بلا عنف ومع كفاح قليل. التحول من اقتصاد المنسقين او اشتراكية
السوق او اشتراكية التخطيط المركزي او من الرأسمالية الى اقتصاد المشاركة سوف
يكون ايضا ثورة اقتصادية، وهي الثورة التي افضلها واعمل جاهدا من اجلها.
حول تلك
الانظمة الاقتصادية الثلاث:
في الرأسمالية
الملكية الخاصة للارصدة المنتجة، وفيها تقسيم الكوربوريشن للعمل، وفيها اتخاذ
القرار سلطويا، وفيها المكافأة بناء على الملكية والسلطة وبدرجة ما بناء على
الناتج، وفيها الاسواق من
اجل توزيع
الاستثمارات.
اشتراكية المنسقين
تلغي الملكية الخاصة للارصدة الانتاجية، وتحتفظ باتخاذ القرار سلطويا، وتحتفظ
بتقسيم الكوربوريشن للعمل، وتحتفظ بالمكافأة بناء على السلطة والناتج ولكنها
لا تلغي تماما المكافأة بناء على الملكية، واما تحتفظ بالاسواق او تستبدلها
بالتخطيط المركزي.
اقتصاد
المشاركة، او الباريكون اختصارا، يلغي الملكية الخاصة او الارصدة الخاصة (او
انه يلغي بشكل حقيقي الملكية الخاصة للارصدة الانتاجية على اطلاقها)، ويستبدل
تقسيم الكوربوريشن للعمل بمركب الوظيفة المتوازن، ويستبدل اتخاذ القرار
السلطوي بمجالس العمال والمستهلكين المدارة ذاتيا، ويكافئ على المدة الزمنية
المبذولة في العمل وكثافته والارهاق الذي يسببه وليس على الملكية ولا السلطة
ولا الناتج، ويستبدل الاسواق (او التخطيط المركزي) بالتخطيط التشاركي.
كل من هذه الانماط
هي الانواع
الثلاث الاقتصادية والتي يمكن ان تجدها مع سمات اضافية متعددة وبتنويعات،
طبعا، ولكن بخصوص الانواع الاساسية الثلاث، اعتقد انها تحيط بما هو متاح من
اختيارات اقتصادية معاصرة.
في معظم البلدان،
لذلك، السعي لثورة اقتصادية مناهضة للرأسمالية يعني السعي اما الى اشتراكية
السوق او اشتراكية التخطيط المركزي - والتي اسميها انا اشتراكية طبقة
المنسقين لان حوالي ٢٠٪ من السكان الذين يحتكرون المناصب ذات المكانة
والصلاحيات ويصبحون في هذا الاقتصاد طبقة حاكمة داخله - او يسعون من اجل
اقتصاد المشاركة، وهو نظام اقتصادي لا طبقي. انا اسعى لثورة من النوع
الاخير. انا اسعى للباريكون وابحث عنه وارفض الرأسمالية كما ارفض كلا
من اشتراكية
السوق واشتراكية التخطيط المركزي.
بشكل نمطي،
الثورات، الاقتصادية او غيرها، تلتف وتتوجه نحو ما يمضي اليه هدفها الهيكلي،
مهما كانت الخطابة المعاكسة التي تحكيها عن نفسها او حتى تلك التي يخدعون بها
انفسهم. هذا يشير الى كل المجالات الاربع للحياة الاجتماعية، ولكن فيما يخص
الاقتصاد يمكننا ان نوضحه بشكل حسن.
الحركات المناهضة
للرأسمالية التي تجسد منطق طبقة المنسقين والتي تعكس وتظهر تفضيلات اعضائها
من طبقة المنسقين هذه كالمحامين والمدراء والمهندسين والموظفين الاخرين ذوي
المكانة والصلاحيات، سوف تقود على الارجح لاقتصاد المنسقين عندما يربحون
تغييرا ثوريا.
من ناحية اخرى،
الحركات المعادية للرأسمالية التي تجسد منطق الباريكون وتعكس وتظهر تفضيلات
اعضاء الطبقة العاملة، سوف تقود على الارجح الى اقتصاد مشاركة،
عندما
يربحون تغييرا ثوريا.
لذا، حول الحركات
الثورية المعادية للرأسمالية وعملياتها، نستطيع بشكل معقول وعقلاني ان نناقش
هل هيكلها التنظيمي واساليب عملها وعملية اتخاذها للقرار ومنطقها الكلي العام
يتفق مع السعي نحو اشتراكية المنسقين، من ناحية، او يسعى من اجل الباريكون،
من الناحية الاخرى.
كثيرا من الناس اذا
ما تغاضوا عن اعلاه جانبا، فهم يخاطبون سؤال ما هي الثورة من اتجاه اخر.
انهم يقولون ان الثورة ترفض الاصلاح. هذا كما اعتقد اذا اخذناه حرفيا شيء لا
معنى له.
الاصلاح هو تغيير
في العلاقات الراهنة يقصر عن التغلب على الهياكل المحددة. الاصلاح لذلك ليس
بثورة. والاكثر، النزعة الاصلاحية التي تسعى فقط نحو اصلاحات والتي تتصور
انه على اقصى مستوى اولي لا يوجد هناك بديل للهياكل التي نكابدها حاليا، هي
في الحقيقة نزعة مضادة تماما للثورة. النزعة الاصلاحية تقبل بمؤسسات الوضع
الراهن على انها مؤسسات دائمة. ولكن الاصلاحات في حد ذاتها ليست نزعة
اصلاحية وليست معاكسة للسعي نحو الثورة.
على العكس تماما،
حقا، محاولات الظفر بتغيير ثوري معاصر يتطلب بناء حركات تلهم عدد كاف من
الاعضاء، وتستنهض قدر كاف من الالتزام والنضالية لدى الاعضاء، من اجل احداث
تغيير اساسي. علينا الحرب من اجل شروط افضل، قوانين افضل، توزيع دخول افضل
ومخرجات احسن لاشياء متنوعة الان، اقل من ثورة، من اجل كلا من تحسين معيشة
الناس الان، ومن اجل اعداد وحشد وسائل النصر بمغانم اكبر فيما بعد.
اذا ماذا يجعل شخص ما يحارب من اجل الانتصار باصلاحات اكثر ثورية من
الاصلاحيين؟
الثوري يحارب من
اجل اصلاحات ليس فقط ليجعل حياة الناس افضل الان، ولكن ايضا لاستنهاض رغبات
جديدة لديهم، وللاستعداد من اجل السعي نحو مطالب جديدة، ومن اجل صياغة وبناء
تنظيمات جديدة، لاستنهاض وعي جديد، وعموما، لان يكون جزءا من عملية تستهدف
بشكل نهائي تغييرا جوهريا.
ربما غالبا يسعى
الثوري لنفس الاصلاحات التي يسعى لها الاصلاحي، ولكن الثوري سوف يقوم بذلك
بلغة تفسير مختلفة، بتواصل مختلف، وبتنظيم مختلف، وما هو اكثر اهمية، بمسلك
مختلف جدا نحو ما سوف يأتي في الخطوة التالية. الاصلاحي يحارب ليعود الى
بيته ويستمتع بثمرة انتصاره. الثوري يحارب حتى يصبح الناس ربما في حالة افضل
مما هم فيه، ولكن يحارب الثوري ايضا حتى يحارب مرة ثانية، ثم مرة اخرى، حتى
لا يعد هناك حاجة ليحارب لان العالم قد تبدل.
ما هو خلف السعي للثورة يحدد كونك ثوريا؟
الثوري هو ما يحاول
هؤلاء، الذين يفضلون الثورة وهم في اقصى حالات الالتزام والامل، ان يجسدوه
يوميا. في العالم اليوم كثير من المصالحات وكثير من الجنون لدرجة انه ليس
بالعالم السهل، حتى ولو سعي المرء مخلصا ان ينجزه. الثورة ليست طرازا في
الحياة وليست تي شيرت. انها ليست شيئا يرتديه المرء ويخلعه. انها ليست شيئا
ما يقوم به المرء بعض الوقت، او موسميا، على الاقل الا اذا كان المرء ثوريا.
انت تستطيع معاونة الثورة بعض الوقت او بشكل موسمي، بالتأكيد، وذلك شيء طيب
جدا جدا لان تصنعه، كما اعتقد. ولكن، وراء ذلك، حتى تصبح فعليا ثوريا كما
اعتقد، يعني كونك دائما مكون واحد كبير جدا لكيف تنظر الى الامور، وكيف تفكر
في الامور، وخصوصا ماذا تقرر ان تفعل، محاولا ان تساهم في الثورة باحسن ما
تستطيع.
لذا مرة اخرى
ما
هي الثورة؟
الثورة هي
تراكم انتصارات تكسبها الشعوب الناهضة لتؤدي الى تغييرات جوهرية في العلاقات
الاجتماعية المحددة، وانها ايضا تلك التغييرات التي يتم انجازها، وانها ايضا
عملية وضع تصاميم العلاقات الجديدة، وتنفيذها، والثورة هي بالاضافة الى ذلك،
العملية التي بها
تنهض
الشعوب، وتمتلك معلومات، وتصبح منظمة بشكل مستمر.
الثورة تنهي
العصور القديمة وتبدأ عصرا جديدا. يمكن للثورة ان تستبدل الفقر بالانصاف،
الذلة بالاحترام، الانانية المناهضة للمجتمع بالتضامن، الاغتراب بالجماعات
الحميمية، النزعة السلطوية بالادارة الذاتية، التنميط بالتعددية، التسلط
الابوي بالامومة، العنصرية بتعارف وتآلف الطوائف، واقتصاديات الطمع والتنافس
باقتصاديات المعونة المتبادلة والتعاونية.
الثورة هي
طريقة الحياة التي يستطيع الناس اقرارها بعقلانية لو كانوا يهتمون برعاية
انفسهم، ويهتمون بعائلاتهم، وباصدقائهم، وبجيرانهم، وبزملائهم في المواطنة
وبالشعوب في كل انحاء العالم.
الثورة هي
ما هو موجود في اجندة الثوري. انها، فعلا، قلب وروح اجندة الثوري. انها ما
نحن في حاجة اليه في العالم المعاصر، من اجل الحرية، وربما حتى من اجل بقاء
النوع على قيد
الحياة.