العيار
الفالت في الشرق الاوسط
ايمانويل
والرشتاين
20 سبتمبر 2006.
انتباه كل شخص
يتركز في المكان
الخطأ. معظم المحللين والصحفيين والزعماء
السياسيين يساورهم القلق من تصرف ما لحكومة ما تهدد به عن حق استقرار
الشرق
الاوسط مما يؤدي الى
خراب اقليمي واسع. الجاني القياسي – يختلف
باختلاف القناعات السياسية للشخص – هو العراق، ايران، اسرائيل، الولايات
المتحدة. ولكن في الحقيقة، ولاسباب مختلفة،
لا بلد من هذه
البلدان على الارجح، الان او في المستقبل القريب، سوف يكون متسببا في
استثارة
سيناريو يمكنه ان يؤدي الى حرب شاملة. العراق
مستغرق تماما في حربه الاهلية وفي محاولاته لانهاء الوجود الامريكي حتى
يصبح قادرا
على البدء في اي شيء جاد. لدى ايران نظاما
مستقرا تماما وهو فقط يحاول ان يضمن ان الولايات المتحدة لن تستطيع قصقصة
جناحيه. ترغي وتزبد اسرائيل حول ايران ولكن،
بعد اخفاقها
في لبنان، هي ليست في وضع يسمح لها ان تشرع في القيام باي شيء جاد. وحكومة الولايات المتحدة الامريكية تلعق جراحها
في الشرق الاوسط وتبحث اوليا عن تقليل الخسائر التي اضرت توا بمصالحها هي.
العيار
الفالت في الشرق الاوسط هو باكستان. فكر بتاريخها. كانت هناك حركة سياسية علمانية
جدا، "معاصرة" جدا في الهند البريطانية، سعت، بنجاح، لان تمتلك
منطقة مسلمة واسعة باقتطاعها من الهند البريطانية ومعترف بها كدولة
مستقلة. فور استقلال الهند وباكستان في
1948، دخلت
الدولتان في حرب، وقتلا بعضهما البعض باعداد كبيرة، وانخرطا في اراحة
سكانية هائلة. ومنذ ذلك الحين استمرت حالة
توتر دائم بين
الدولتين،
خصوصا حيث انهما قد اقتسمتا المنطقة الحدودية الواسعة كشمير، دون ان يعترف
اي
منهما بشرعية هذا التقسيم.
خلال
اكثر من نصف قرن منذ ذلك الحين، وقعت عديد من التغيرات الهامة. باكستان، التي كانت كائنا اصطناعيا جغرافيا، هي
نفسها انفصل جزئها الشرقي واصبحت دولة بنجلاديش المستقلة (بتشجيع من
الهند). انخرطت الهند وباكستان في مزيد من
الحروب، التي
لم تغير شيء اساسا. (وكان بين الهند
والصين حروبا اوسع). اثناء الحرب الباردة،
اصبحت الهند زعيمة في حركة عدم الانحياز، ولكنها تستمتع بعلاقات صداقة
اكثر مع
الاتحاد السوفيتي. نتيجة لذلك، دولتان
على الاخص كانتا غير سعيدتان بسياسة الهند الخارجية: الولايات المتحدة
والصين. من هنا سعت كلتاهما الى بناء علاقات
اوثق
بباكستان.
لم
توقع
الهند ولا باكستان معاهدة منع انتشار السلاح النووي (الدولة الاخرى
الوحيدة التي
لم توقع الاتفاقية ايضا كانت اسرائيل). طور
كل منهما اسلحة نووية. كان للهند تاريخا
مضطربا
ومعقدا في السياسة الداخلية منذ 1948. ولكن
بشكل جوهري كانت مستقرة سياسيا، رغم امكانيات تفككها المحتمل. لشيء واحد، حافظت الهند على بقاءها بعد عدد من
التغييرات الحكومية دون ظهور اي علامة تدل على نية تدخل لدى الجيش. ولكن
القصة في باكستان كانت جد مختلفة. شهدت
باكستان تغييرات متعددة في نظام الحكم،
وكان الجيش مسئولا عن عدد كبير منها. النظام
الحالي جاء نتيجة لانقلاب عسكري.
لعب
الدين دورا كبيرا في كلا البلدين. في الهند،
الاصولية الهندوكية قوية جدا وتميل للعنف، ولكن في الاخير تعبر عن نفسها
بواسطة
حزب سياسي، بهاراتيا جاناتا، والذي يلعب دورا واسعا بواسطة القوانين
البرلمانية، داخل
وخارج السلطة. ولا يزال في الهند حصة واسعة
من السكان المسلمين، تمثل وزنا انتخابيا مهما. في
الباكستان، الاصولويون الاسلاميون يسعون في مسارات عدة
في نفس الوقت. فقد انشأوا الاحزاب للامان،
وقد دخلوا بها الى
السلطة وخرجوا منها. ولكنهم ايضا انشأوا
حركات حرب العصابات، التي (على الاقل اوليا) تقوم بنشاط واسع في كشمير. حتى باكثر من ذ لك، اخترق الاصولويون
الاسلاميون القوات المسلحة التي كانت علماانية بشكل نقي حتى ذلك الوقت،
واخترقوا
خصوصا عمليات الاستخبارات. وقد اسسوا بحكم
الامر الواقع انظمة مستقلة ذاتية فيما يسمى بالحدود الشمالية الغربية.
كان
على الحكومات الباكستانية المتعاقبة ان تكافح حتى تظل رؤوسها طافية فوق
سطح الماء. كان عليهم محاولة ارضاء زبونين
مختلفين في
نفس الوقت: الشريحة "المتمدنة" (اي الغربية النزوع) من (المهنيين، ورجال
الاعمال والاكاديميين) من ناحية: والجماعات الاسلامية ذات "الشعبية"
الاوسع كثيرا. لم تكن هذه الكرة سهلة للعب
بها. احد الوسائل الاساسية لهذه اللعبة هي
تطوير علاقة مبهمة ولكن لصيقة مع الولايات المتحدة، في محاولة للاقتراب
كثيرا من
الدعم المالي والسياسي العسكري للولايات المتحدة بقدر ما يستطيعون بينما
يدفعون
ثمنا لذلك باقل ما يستطيعون.
احد
اهداف اسامة بن لادن الرئيسية هي استكشاف المجسات المختبئة تحت لعبة
الغموض هذه. كان يأمل من هجمات 9/11، ان
يدفع الولايات
المتحدة للضغط على باكستان حتى تصبح حليفا ملتزم في ولاءه بشكل اكثر
اكتمالا. ولحدود ما احرز اسامة بن لادن ذلك
(بسبب انعدام
تام للحرفية الجيوبوليتيكية في نظام حكم بوش). وقد
نتج عن ذلك رد فعل واضح في باكستان. محاولة
الجيش ان يستعيد "النظام" مرة
اخرى في الولايات الشمالية الغربية (وبالتالي يوقع باسامة بن لادن في
الاسر) فشلت
تماما وعلى الجيش الان ان يرتد للخلف. في
نفس
الاثناء، نجحت الهند في الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بشرعية تطوير
الهند
لقدراتها النووية، ورفضت الولايات المتحدة ان تمنح باكستان نفس الشيء،
خشية ان
تعطب الباكستان حمولة التفاح في العلاقات الهندية الامريكية الحسنة. لذا انقلبت الباكستان الى حليفها الاخر القديم،
الصين، لتملأ الفراغ.
والباقي،
يمثل الجنرال مشرف رئيس الباكستان بشكل متزايد فشلا سياسيا.
يجدد جيشه خلسة دعمه للطالبان في افغانستان
(الذي كانت باكستان داعمها وراعيها الرئيسي في التسعينات)، ويزداد انزعاج
الولايات
المتحدة من ذلك بشكل متصاعد. لو ترنح
مشرف، من الممكن ان تصبح باكستان تاليا نظاما اسلاميا معاديا تماما
للولايات
المتحدة – هذه المرة في بلد قوي عسكريا يمتلك اسلحة نووية، وهو البلد الذي
يسكنه
اسامة بن لادن متمتعا بالحصانة.
ثم
ماذا؟