المنظور التاريخي للتطورات الاقليمية في امريكا اللاتينية وشرق اسيا

نعوم شومسكي

فوكاس اليابان؛ 24 ديسمبر 2006.

انعقد لقاء في اجازة نهاية الاسبوع يومي 9-10 ديسمبر في كوشابامبا ببوليفيا لقادة كبار من امريكا الجنوبية.  كان لقاءا شديد الاهمية.  احد مؤشرات اهميته هو انه لم يذاع خبره، فعليا لم تتم تغطيته سوى من وكالات الانباء.  وهكذا كل المحررين يعرفون به.  وحيث اني اشك في انكم لم تقرأوا تقرير الخدمات الاخبارية عنه سوف اقرأ اجزاء قليلة منه حتى اشير لماذا هو هام جدا.

اتفق زعماء امريكا الجنوبية على خلق مفوضية عالية المستوى لدراسة فكرة تشكيل جماعة باتساع القارة مماثلة للاتحاد الاوروبي.  اولئك هم رؤساء وبعثات الامم الرئيسية، وتلك هي قمة لمدة يومين لما يسمى مجتمع امم امريكا الجنوبية، في استضافة ايفو موراليس في كوشابامبا، الرئيس البوليفي.  اتفق الزعماء على تشكيل جماعة دراسة للنظر في امكانية خلق اتحادا على مستوى القارة بل وحتى برلمانا لامريكا الجنوبية.  النتيجة، طبقا لتقرير وكالة الاسوشيتد برس، تركت الرئيس الفنزويلي هيوجو شافيز على نار، وهو المحرض الاول منذ زمن للمنطقة، وصاحب الدور الاعظم على المسرح العالمي، النتيجة تركته مسرورا ولكن لا يطيق الانتظار.  ويستمر التقرير في القول ان المناقشات حول وحدة امريكا الجنوبية سوف تستمر لاحقا هذا الشهر، عند انعقاد اللقاء المعتاد لمجموعة الميركوسور، التحالف التجاري لامريكا الجنوبية، والتي سوف يشترك فيها قادة البرازيل والارجنتين وفنزويلا وباراجواي واوروجواي.

هناك شيء – قد كان منطقة عداوة في امريكا الجنوبية.  تلك هي بيرو، فنزويلا.  ولكن المقالة تشير الى ان الرئيس شافيز والرئيس البيرو انتهزا فرصة القمة لدفن الضغائن، بعد ان تبادلا الشتائم اوائل هذا العام.  وقد كان هذا هو النزاع الوحيد في امريكا الجنوبية في ذلك الوقت.  وهكذا يبدو ان الامور قد تحسنت الان.

اقترح الرئيس الاكوادوري الجديد رفائيل كورييا ممرا تجاريا بريا ونهريا يربط مناطق غابات الامازون المطيرة في البرازيل بشاطئ الباسيفيكي في الاكوادور، طارحا ان ذلك سوف يمثل بالنسبة لامريكا الجنوبية نوع من البديل لقناة بنما.

واحتفل شافيز وموراليس بمشروع جديد مشترك بينهما، انشاء محطة لفصل الغاز في المنطقة البوليفية الغنية بالغاز.  سوف تكون المحطة مشروعا مشتركا مع بتروفيزا، شركة النفط الفنزويلية، وشركة الطاقة المملوكة للدولة في بوليفيا.  ويستمر التقرير.  فنزويلا هي الدولة الوحيدة في امريكا اللاتينية العضو في منظمة الاوبك والدولة التي تمتلك احتياطيات نفط مؤكدة باحجام هائلة من خارج الشرق الاوسط، وببعض المعايير ربما تقارن احتياطياتها بما لدى المملكة السعودية.

اشتملت القمة على مساهمات اخرى، مساهمات بناءة ومهمة من لولا دا سيلفا رئيس البرازيل، وميشيلي باشيليت من تشيلي واخرين.  كل ذلك يحتل مرتبة في غاية الاهمية.

تلك هي المرة الاولى منذ الغزو الاسباني، منذ 500 سنة، ان تكون هناك تحركات حقيقية نحو التكامل في امريكا الجنوبية.  لقد كانت بلادها جد بعيدة ومنفصلة احداها عن الاخرى.  ولسوف يحتل التكامل مكانة الشروط الضرورية المسبقة لتحقيق استقلال صادق.  كانت هناك محاولات عدة لتحقيق هذا الاستقلال، ولكنها سحقت كلها، غالبا باستخدام اساليب متطرفة من العنف، ويعود ذلك جزئيا الى افتقاد الدعم الاقليمي فيما بين البلدان وبعضها.   ولأنه لم يكن هناك الا القليل جدا من صور التعاون الاقليمي، امكن التقاط كل بلدا منها على حدى الواحدة تلو الاخرى.

هذا ما حدث في الستينات.  نسقت ادارة كينيدي انقلابا في البرازيل.  كان الاول من سلسلة انهيار قطع الدومينو.  دول الامن القومي على الطراز النازي الجديد انتشرت عبر نصف الكرة الغربي.  شيلي كانت واحدة منهن.  ثم اعقب ذلك حروب ريجان الارهابية في الثمانينات، التي دمرت امريكا الوسطى والكاريبي.  لقد كان اسوأ طاعون قمع في تاريخ امريكا اللاتينية منذ حروب الغزو الاول.

ولكن التكامل يرمي اساس تقوم عليه امكانيات الاستقلال، وهذا امر له مغزاه على نحو شديد.  التاريخ الاستعماري لامريكا الجنوبية – اسبانيا واوروبا والولايات المتحدة – لم يقسم البلاد ويفصلها بعضها عن بعض فقط، ولكنه ترك انقساما داخليا حادا ايضا داخلها، داخل كل واحدة منها، بين النخبة الصغيرة البالغة الثراء والجموع الضخمة من الفقراء.  وارتباط هذه التفرقة الفظيعة بالعرق امر شديد الاتصال.  بشكل نمطي، الاغنياء هم البيض، الاوروبيون، الذين يعيشون حياة غربية؛ وجموع الفقراء هم الاصليون، الهنود، السود، المختلطين، الخ.  انه ارتباط لصيق، ومستمر حتى الان على طول الخط.

النخب التي هي على الاغلب بيضاء – التي تدير البلاد – لا تختلط، او تتصل بعلاقات قليلة مع البلدان الاخرى في المنطقة.  انهم يتولون بوجوههم نحو الغرب.  تستطيع ان ترى ذلك في شتى المناحي.  هذا التوجه يتم حيث يصدرون الرأسمال.  حيث يكون المنزل الثاني، حيث يمضي الاولاد الى الجامعات، حيث تكون علاقاتهم الثقافية هناك.  ولا يتحملون الا القليل من المسئولية نحو مجتمعاتهم الخاصة التي يعيشون وسطها.  لذا تجد هناك انقساما حادا.

تستطيع ان ترى هذا النسق في الواردات.  فالواردات هي سلع رفاهية بشكل كاسح.  التنمية، كما كانت تحدث، هي على الاغلب اجنبية.  كانت امريكا اللاتينية اكثر انفتاحا بكثير امام الاستثمار الاجنبي من قل مثلا شرق اسيا.  وهو جزء من التفسير للمسار المختلف في كلا الناحيتين من العالم الذي اتخذته التنمية فيهما في العقدين الاخيرين.

وبالطبع، تعاطفت بشدة عناصر النخبة مع البرامج النيوليبرالية في السنوات الخمس والعشرون الاخيرة، والتي سببت ثراءهم الشديد – ودمرت بلادهم، ولكنها سببت ثراءهم.  امريكا اللاتينية، اكثر من أي منطقة اخرى في العالم، خارج الجنوب الافريقي، وقفت بشدة في صف اجماع واشنطن، وهو ما يسمى خارج الولايات المتحدة بالبرامج النيوليبرالية للاعوام الثلاثين او الخمس وعشرين الاخيرة تقريبا.  وكانت المكان الذي طبقت فيه بحذافيرها، تقريبا دون استثناء، وفي كل مكان انتهى الامر بكارثة.  وهو علاقة سببية مدهشة.  انخفاض حاد في معدلات النمو، وفي المؤشرات الاقتصادية الاخرى، وفي كل الاثار الاجتماعية التي تصاحب ذلك كله.

فعليا المقارنة مع شرق اسيا مدهشة جدا.  فأمريكا اللاتينية هي منطقة اغنى بكل الاحتمالات.  اعني، منذ قرن مضى، كان في عرف المسلم به ان البرازيل سوف تكون ما يسمى "عملاق الجنوب"، مقارنة بعملاق الشمال.  هاييتي، الان افقر بلد في العالم، كانت اغنى مستعمرة في العالم، وتمثل مصدر لكثير من ثروة فرنسا، والان دمرت، في البداية بواسطة فرنسا، ثم بواسطة الولايات المتحدة.  وفنزويلا – ثروة هائلة – استولت عليها الولايات المتحدة حوالي عام 1920، في بداية عصر النفط مباشرة.  كانت بلدا تابعا لبريطانيا، ولكن وودرو ولسن القى بالبريطانيين خارجا، مدركا ان السيطرة على النفط سوف تكون لها اهمية قصوى، وقام بدعم ديكتاتور شرير ليحكمها.  من تلك البداية، بشكل او باخر، تمضي الامور هكذا حتى الان.  لذا كانت الثروات الطبيعية والاحتياطات دائما هناك.  غنى وافر.

وعلى النقيض، تكاد لا تمتلك منطقة شرق اسيا موارد طبيعية، ولكنها اتبعت مسارا تنمويا مختلفا.  في امريكا اللاتينية, كانت الواردات سلعا كمالية لرفاهية الاغنياء.  في شرق اسيا، كانت الواردات سلعا رأسمالية من اجل التنمية.  كانت لديهم برامج تنموية تنسقها الدولة.  لم يعيروا انتباها لاتفاق واشنطن تقريبا على الاطلاق.  الرقابة على الرأسمال، والرقابة على تصدير الرأسمال ومجتمعات تتحقق فيها لحدود دنيا المساواة – سلطوية، احيانا، وعنيفة لحدود – ولكن مع برامج تعليمية وصحية الخ.  في الواقع، لقد اتبعوا مسار تنمويا شبيها بحدود معقولة لما اتخذته البلدان الغنية، والتي تختلف قواعدها جذريا عن القواعد والاحكام المفروضة الان على الجنوب.

ويمضي ذلك راجعا في التاريخ.  انت ترجع الى القرن السابع عشر، عندما كانت المراكز التجارية والصناعية في العالم هي الصين والهند.  معدل البقاء على قيد الحياة في اليابان كان اعظم منه في اوروبا.  كانت اوروبا نوعا من المحطات البريرية، ولكن محطات لديها ميزات، همجيتها اساسا.  قامت اوروبا بغزو العالم، وفرضت شيئا ما مثل القواعد النيوليبرالية على المناطق التي استباحها الغزو، وبالنسبة لنفسها، فرضت قواعد حمائية قوية جدا، وفرضت كثيرا من تدخلات الدولة وهلمجرا.  لذا تطورت اوروبا.

الولايات المتحدة، كحالة نمطية، كانت تمتلك اعلى التعريفات الجمركية في العالم، البلد الاعظم الذي يفرض حماية جمركية في العالم اثناء فترة التنمية العظمى.  في الواقع، في زمن يعود الى خمسينات القرن العشرين، عندما كانت الولايات المتحدة تمتلك حرفيا نصف ثروة العالم، كانت التعريفات الجمركية عندها اعلى من جمارك بلدان امريكا اللاتينية الان، والتي يأمرونها اليوم بتخفيضها.

الدولة تتدخل بشكل مكثف في الاقتصاد.  لا يتحدث الاقتصاديون عن ذلك كثيرا، ولكن الاقتصاد القائم في الولايات المتحدة حاليا يعتمد بشكل كثيف جدا على قطاع الدولة.   هذا القطاع الذي تحصل منه على جهاز حاسبك الالي، وعلى خدمة الانترنت، وعلى تذاكر طيرانك، وعلى نقل بضائعك، وحاويات السفن، الخ، كل ذلك يأتي تقريبا من قطاع الدولة، بما فيها احدث اساليب البحث الدوائي والادارة الحديثة، وهكذا.  لن امضي في ذلك طويلا، ولكن تلك العلاقة هي علاقة قوية استمرت عبر التاريخ.  تلك هي اساليب التنمية.

اساليب التنمية النيوليبرالية هي التي تخلق العالم الثالث، وفي خلال الثلاثين عاما الماضية، ادت تلك الاساليب الى الكوارث في امريكا اللاتينية وجنوب القارة الافريقية، تلك الاماكن التي طبقت تلك الاساليب النيوليبرالية بحذافيرها.  ولكن حدث في شرق اسيا نمو وتنمية، حيث تجاهلوا اساليب التنمية النيوليبرالية، واتبعوا بدلا من ذلك لحد كبير نموذج البلدان الغنية حاليا.

حسنا، تسنح الان فرصة للبدء في تغيير ذلك.  اخيرا تجري الان محاولات داخل جنوب امريكا – لسوء البخت لا يحدث ذلك في امريكا الوسطى، بعد ان خربها لحد بعيد ارهاب الثمانينات على نحو خاص.  ولكن في جنوب امريكا، من فنزويلا حتى الارجنتين، هناك كما اعتقد، المكان الاكثر اثارة للانتباه في العالم.  بعد 500 سنة، هناك بدايات لمحاولة التغلب على المشاكل الكاسحة.  التكامل بين البلدان الذي يقوم هناك هو احد الامثلة.

هناك محاولات من السكان الهنود الاصل.  السكان الاصليون، للمرة الاولى منذ مئات السنين، في بعض البلدان يبدوأن فعلا القيام بدور نشط جدا فيما يتعلق بشئونهم.  في بوليفيا، نحج هؤلاء السكان الاصليين في الاستيلاء على البلد، وفي السيطرة على مواردهم وثرواتهم الطبيعية.  كما ان الامور تسير هناك نحو تحول ديموقراطي ملموس، ديموقراطية حقيقية، يشارك فيها السكان كلهم.  لذا وصل الامر الى بوليفيا – انها الافقر في امريكا الجنوبية (هاييتي الافقر في نصف الكرة الارضية الغربي).  جرت انتخابات ديموقراطية حقيقية في بوليفيا العام الماضي، من النوع الذي لا تستطيع تخيله في الولايات المتحدة، او في اوروبا، بالنسبة لهذا النوع من الممارسة الديموقراطية.  لقد كانت مشاركة جماعية من السكان، عرف الناس هناك ما هي القضايا التي ينتخبون من اجلها.  كانت القضايا واضحة وضوح البلور وهامة جدا.  ولم يشارك الناس في يوم الانتخاب فقط.  تلك هي الاشياء التي كانوا يكافحون من اجلها لسنين طوال.  فعليا، كوشابامبا هي رمز لكل ما يحدث.

ذلك هو نص منقح قليلا لحديث نعوم شومسكي في 15 ديسمبر 2006 للقاء جرى في بوسطن للعل الكوكبي الجماعي بعد رحلته الاخيرة لشيلي وبيرو. 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية