البوليفاريون الجدد في السلطة

بوريس كاجارليتسكي

11 ديسمبر 2006.

قليلون هم من اخذوا الامر بجدية عندما دشن الكولونيل الفنزويلي هيوجو شافيز مشروعه البوليفاري منذ عشر سنوات تقريبا.  تخيل بعض الناس الكوماندا هيوجو زعيما شعبويا غريب الاطوار وغوغائي بامتياز.  افترض المثقفون اليساريون ان الماركسية والاشتراكية قد سقطت مصداقيتها وهذا هو السبب وراء التقدم بمثل هذه الشعارات "البوليفارية" في لغة السياسة.  ولكن في فنزويلا اليوم شعار "المشروع البوليفاري" اقل تداولا بين الناس من شعار "اشتراكية القرن الواحد وعشرين".  نهضت قارة امريكا اللاتينية باكملها حاملة افكارا يسارية.  هذا التيار نستطيع مقارنة شدته بالعملية التي انطلقت منذ قرنين بزعامة الليبرتادور (المحرر) سيمون بوليفار.

سيمون بوليفار، محرر امريكا اللاتينية من الحكم الاستعماري الاسباني، كان واحدا من ابناء حركة التنوير الاوروبية والثورة الفرنسية العظمى.  وبوليفار هو الذي صاغ فكرة الثورة القارية.

لم تكن فكرته ارهاصات مبكرة للنظرية الماركسية للثورة العالمية.  بالنسبة لهؤلاء الذين هاجموا سجن الباستيل كان واضحا ان العقل هو ملكية لكل البشر، وان الحرية هي مبدأ انساني شامل.  على هذا الاساس كان من الواجب نشر افكار الثورة الفرنسية في جميع انحاء اوروبا والعالم.  سيمون بوليفار، الذي نشأ وترعرع في مجتمع كولونيالي، حمل شعورا مختلفا بقدر ما لتلك الافكار الثورية.  بالنسبة له هدف الحرية النهائي كان هو التحرر الوطني.  ولكن هذا الهدف لم يكن مقصورا على دول معزولة في حد ذاتها ولكنه يتعلق بالقارة كلها.  استقلال امريكتنا يمكن ضمانه فقط بواسطة تكاملها داخليا.

مارست افكار وتاريخ سيمون بوليفار نفوذا هائلا على كل اصناف الثوار والراديكاليين في امريكا اللاتينية طوال القرن العشرين عندما كانت القارة كلها عبارة عن جزء من مدار تحت نفوذ العم سام.  الهيمنة الامريكية الغير رسمية ترتكز على الطغمة المالية المحلية.  "مذهب الثورة العالمية" لارنستو تشيه جيفارا تمت بصلات للفكرة البوليفارية الخاصة بالثورة القارية.  ولكن ليس على غرار الكولونيل شافيز، خسر الكوماندا تشيه جيفارا معركته – في منتصف القرن العشرين لم يكن معاصريه من الامريكيين اللاتينيين مستعدين للتغيير الجذري.

في اوائل السبعينات بدأت الدعاية السوفيتية على لسان المخرج السينمائي رومان كارمن ان تطلق اسم "القارة الملتهبة" على امريكا اللاتينية.  كان شعار مناسبا امسك بطبيعة الموجة الثورية التي اكتسحت القارة في السبعينات – ولكن الكفاحية الاجتماعية لتلك الفترة فشلت في تثوير النظام القديم، وسرعان ما اتت المذاهب والافكار الرجعية لتهيمن على الحياة السياسية.  هزمت الحركات اليسارية.  ورغم كل اعلانات التضامن التي اصدرتها قوى اليسار في امريكا اللاتينية استمرت كل بلاد القارة في الكفاح الاجتماعي بمفردها معزولة عن الاخرى.  ولكن مرة اخرى كان استجابة الحكام العسكريين الديكتاتوريين والطغمة المالية في امريكا اللاتينية افضل من استجابة وافعال الحركات الثورية الوطنية.

تغيرت الحالة بشكل جذري في القرن الواحد وعشرين.  اربعين سنة من الاصلاحات النيوليبرالية التي نفذتها في كل انحاء القارة ديكتاتوريات عسكرية وانظمة حكم مدنية سببت نهوض صراعات سياسية واجتماعية من ريو جراند الى تييرا دل فويجو.  اخذت الطغم المالية التقليدية الحاكمة تخسر ارضيتها شيئا فشيئا بينما فشل رجال الاعمال على الطراز الغربي الذين يفتقرون الى الاحساس بالمسئولية والشعور الاجتماعيين وهو الشيء النمطي لبعض من نخب امريكا اللاتينية القدامى، فشلوا في ادارة الاوضاع.

الفجوة بين الغني والفقير وبين البلاد المتخلفة والمتقدمة في القارة لا تزال اكبر من ان يعبرها احد.  ولكن تلك الفجوة يتم التغلب عليها بالعديد من الجوانب الايجابية التي توحد امم القارة بشكل اخوي.

انتصار هيوجو شافيز في الانتخابات الرئاسية في فنزويلا هو احد مظاهر الميل السياسي العام في القارة – اكثر فأكثر تعطي امم القارة الامريكية اللاتينية مصداقية للرؤساء اليساريين.  تأتي القوى اليسارية الى السلطة عبر انتخابات حرة متوافقة مع الحقوق الديموقراطية والحريات الديموقراطية.  فشلت محاولة الاطاحة بشافيز من خلال انقلاب عسكري، كما فعلوا في السابق مع سلفادور اليندي في شيلي عام 1973 – الجماهير منظمة على شكل احسن كثيرا ويمكنها التصدي للدفاع عن مصالحها.  اعادة انتخاب شافيز رئيسا تدعم هذه الفكرة بأن العملية الديموقراطية تنسف خطط الطغمة المالية للعودة الى الحكم – مرشح المعارضة مانويل روزاليس لم يحاول حتى الاحتجاج ورفض النتائج التي اتت بها الانتخابات.  وذلك لان الانتخابات كانت بلا شك حرة ونزيهة.

سوف يظهر لنا الزمن اذا ما كان المشروع البوليفاري طويل العمر ويمتلك طاقات كامنة.  بالنسبة لما يجري اليوم من احداث فهي فقط بدايات: عديد من الرؤساء اليساريين لا يوفرون يوما واحدا مع الاخذ في الاعتبار حقيقة ان التغيير الاجتماعي لا يتم الا في بلدين فقط – فنزويلا شافيز وبوليفيا ايفو موراليس.  في المستقبل القريب سوف تضم هذه القائمة القصيرة من البلدان اكوادور رفائيل كورييا. يصاحب ذلك حكومات "يسارية" في البرازيل واوروجواي وشيلي لا تختلف كثيرا عن اليمين، بينما سياسة الحكومة الارجنتينية الاصلاحية مضت الى منتصف الطريق وتوقفت.  دانيل اورتيجا الساندينستي الذي عاد الى السلطة في نيكاراجوا لا يشكل سوى امل قليل لبلاده.  النجاح النسبي للادارات الراديكالية لا يشكل تحديا امام الزعماء اليمينيين والمحافظين في القارة ولكنها تمثل تحديا امام الرؤساء الذين يزعمون انهم "يساريون" والذين ينفقون كل الوقت لاقناع ناخبيهم بالاسباب التي تحول بينهم وبين فعل أي شيء لصالحهم.  ضرب شافيز وموراليس كل هذه الاعذار من خلال وجودهما في الحكم.

 المشروع البوليفاري رغم كل جوانبه القوية يتناقض مع نفسه بشدة.  ينبغي التفكير في حقيقة ان البيروقراطية في فنزويلا لم تتغير رغم كل التغييرات التي تحدث هناك، بمعنى، لا زالت تلك البيروقراطية عاجزة وفاسدة.  وحقيقة انه من الجوهري ان اكثر امم قارة امريكا اللاتينية تقدما واكثرها اهمية على المستوى الاستراتيجي – الارجنتين والبرازيل والمكسيك – يجب ان تنخرط في العملية الثورية حتى نقول ان المشروع يشمل القارة باكملها فعلا.  ما زالت النخب الحاكمة في تلك البلاد حتى الوقت الراهن تقاوم رياح التغيير هذه.

انه لانتصار مهم ان يثبت الرئيس هيوجو شافيز مرة اخرى ان الاجراءات الديموقراطية تمضي خطوة بخطوة مع التغيير الثوري. ولكن معركة الكفاح الرئيسي ما زال على القارة ان تخوضها.  ولن تدور هذه المعركة على ارض فنزويلا ولكن القارة كلها سوف تكون مسرحها كما كان الحال منذ 200 سنة.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية