إبطاء بلدوزر "التجارة الحرة"

علامات ايجابية على ان الكونجرس الديموقراطي الجديد يختلف مع اجندة عولمة الكوربوريشن

مارك انجلر

ديسمبر 2006.

فليحيا الجهاد اليقيني ثنائي الحزبين في واشنطن، "التجارة الحرة" تبدأ الان في مواجهة معارضة زائدة.  لا يوجد وقت افضل لبدء الضجيج اكثر من جلسات البطة العرجاء في الكونجرس.

النبضة الاولى لهذا القتال الجديد حول التجارة، طبعا، هو اكتساح الديموقراطيين للانتخابات النصفية.  تغيرت العديد من جوانب سياسات العولمة منذ ان كان الديموقراطيون في السلطة اخر مرة وكان بيل كلينتون رئيسا: مفاوضات منظمة التجارة العالمية، التي فجرت احتجاجات واسعة في سياتل 1999، انهارت.  الازمات المالية في شرق اسيا والارجنتين هدمت مصداقية بعض الاسس المحورية لعولمة الكوربوريشن النيوليبرالية.  وقد انسدت السبل امام رؤية منطقة التجارة الحرة للامريكيتين باتساع نصف الكرة الارضية الغربي بواسطة جيل جديد من الزعماء الشعبيين في امريكا اللاتينية المستعد بشكل متنامي للتصدي للضغوط الامريكية.

ولكن احد اكثر التغييرات اثارة قد حدثت وسط الحزب الديموقراطي نفسه.  اثناء التسعينات، حاول البيت الابيض خلق اتفاقية عريضة حول "التجارة الحرة" واعادة تشكيل الديموقراطيين كزعماء في الترويج لعولمة الكوربوريشن.  الرئيس كلينتون، بعد كل شيء، كان هو الشخص الذي ساق مسيرة اتفاقية التجارة الحرة لامريكا الشمالية، وساعد في الاشراف على ميلاد منظمة التجارة الحرة، وتقدم مفاوضات تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة للامريكتين مستلبا جمهور الناخبين التقليديين للحركات النقابية والبيئية.  تزعم كلينتون ومجلس قيادة الديموقراطيين، دون اي قلق، خلق ديموقراطيين جدد، وسطيين واصدقاء للكوربوريشن.

المشكلة هي ان "التجارة الحرة" دائما ما كانت تأتي ومعها تكلفة.  في هذا البلد [الولايات المتحدة]، تكلفة تنويع مصادر العمل الخارجية ومستويات العمل المدمرة تحملها العاملون – هؤلاء الغير متداخلين في بواطن الامور وعلاقاتها ولا يطيقون تحمل هيئة من رجال لوبي الكوربوريشن.  وعلى نفس المنوال، الفلاحين الصغار في جنوب الكوكب والعائلات الفقيرة عانت اراضي مناطقهم من التلوث الشديد واماكن عملهم بالورش الغير مرخصة التي نتجت عن التنمية الغير منظمة، كان عناءهم اكثر كثيرا من عناء النخب المحلية التي تسافر اجازاتها بالطائرات النفاثة الى ميامي.  فشلت النيوليبرالية في تقديم النمو الاقتصادي الذي كانت تعد به بوتيرة منتظمة، والمنافع التي تسببت في خلقها ذهبت بشكل غير متناسب الى القلة الثرية اصلا.

اليوم، استرد الديموقراطيون سيطرتهم على الكونجرس ولديهم فرصة وضع تخطيط لمسار مختلف للاقتصاد الكوكبي.  وبطريقة لا شك فيها، سوف يرفضون احادية ادارة بوش المتعاظمة في الشئون الخارجية.  ولكن دعم عولمة اكثر ديموقراطية سوف يتضمن المضي للامام خطوة ابعد: ذلك يتطلب اجماعا جديدا لصالح سياسات التجارة العادلة التي تعطي قيمة للمنتج الصغير، وحقوق العمال، والبيئة.

علامات اجماع جديد

بدأت العلامات المبكرة لمثل هذا الاجماع في الظهور في الاسابيع الماضية.  حلفاء ادارة بوش، حتى قبل ان تضربهم الخسارة الانتخابية، كانوا قد اضمروا نيتهم على اختلاس العديد من الاتفاقات التجارية من خلال الكونجرس اثناء جلسات البطة العرجاء.  ولكن ذلك لم يمض في سلاسة كما كانوا قد خططوا له.  عندما زار الرئيس بوش فيتنام في الاسبوع السابق على عيد الشكر، كان يأمل في ان يأتي ومعه اخبار تصديق الكونجرس على اتفاقية علاقات تجارية طبيعية دائمة مع هذا البلد – وهو اجراء كان سوف يخدمه بوصفه قفزات صغيرة نحو صفقة تجارة حرة وتوصية بدخول فيتنام الى منظمة التجارة الحرة.  لم يحدث ذلك.  مشروع القانون فشل في تأمين اغلبية الثلثين في صفه التي يحتاجها لتمريره، مع وجود كثير من الديموقراطيين الذين تجرأوا وتجمعوا معا لهزيمته.  اعلنت النيو يورك تايمز ان التصويت، الذي كان من المفترض ان يكون نصرا سهلا، كان علامة بدلا من ذلك على "استياءا عميقا وحيرة استولت على البيت الابيض".

تلا ذلك في الاهمية في اجندة ادارة بوش هي اتفاقية التجارة التي توسطت في ابرامها مع بيرو.  في السنوات الاخيرة، حين تجمدت المفاوضات في المسارات المتعددة الاطراف مثل منظمة التجارة العالمية، بدأت الولايات المتحدة التركيز على المعاهدات التجارية بين طرف-و-طرف مع بلاد اخرى.  لدى البيت الابيض حاليا نصف دستة على الاقل من هذه المعاهدات في طريقها للتنفيذ.  حلم البيت الابيض بالحصول السريع على تصديق الكونجرس لبعض من هذه المعاهدات هذا الشهر – كانت اولها معاهدة بيرو واخرها.

محتوى اتفاق امريكا مع بيرو سوف يكون مألوفا لدى كل من يسخطون على اتفاقيات النافتا والكافتا.  تتضمن الاتفاقية تدابير حمائية فضفاضة للعالم الطبيعي (نادي سييرا يدين "الشروط البيئية الغير ملزمة والضعيفة")، اضافة الى شروط تسمح للبزنس ان يلجأ الى القضاء اذا ما تعارضت شروط عدم تلويث الهواء او ارشادات الصحة العامة في قدرتهم على تحقيق الارباح الفاحشة.  ضمانات براءات الاختراع لشركات الدواء العملاقة (التي هي اجراءات حمائية باي معيار اقتصادي) تأخذ الحصانة القانونية في الاتفاقية – حتى رغم ان جماعات مثل اطباء بلا حدود قد حذرت من ان ذلك سوف يحرم المرضى الفقراء في بيرو من العقاقير المثيلة التي تنقذ حياتهم.  ورغم ذلك، المدافعون عن "التجارة الحرة"، متناسين قصديا تلك التناقضات، يستهجنون اي تلميح بحماية حقوق العمال كأمر متخلف لا محالة ومضر اقتصاديا.

لحسن الحظ، مثل تشريع فيتنام، تصطدم اتفاقية بيرو بعقبات نشأت حديثا تسد الطريق امامها.  الاسبوع الماضي، كتب 16 عضو كونجرس ديموقراطي للممثل التجاري الامريكي يطالبونه بإعادة التفاوض حول الاتفاقية لتضمينها معايير عمالية اقوى.  النائب عن نيويورك تشارلز رينجيل برز بين صناع القوانين، وهو الرئيس المنتظر للجنة السبل والوسائل في مجلس النواب – وهي الهيئة المسئولة عن سلامة المعاهدات التجارية.

دعا المشرعون ايضا، مما ضاعف من بلاوي البيت الابيض، الى ضمانات افضل في معاهدة التجارة الحرة الوشيكة مع كولومبيا.  هذه المعاهدة، التي طال زمن التفاوض حولها، وقعتها ادارة بوش فورا قبل عيد الشكر.  يأمل مسئولو التجارة التصديق عليها في بداية العام القادم.  ولكن المعارضة في الكونجرس ضد هذه المعاهدة تتشكل من جماعات مثل فيدرالية نقابات العمال، والتي تشير الى ان كولومبيا هي اخطر مكان على الكوكب يقوم فيه احد بتنظيم العمال: ما يزيد عن 2000 قيادة عمالية قتلوا منذ عام 1992.  ممثلو اكبر نقابة في كولومبيا، على مسئوليتهم، استنكروا المعاهدة التجارية بوصفها "الحاق اقتصادي" وانضموا الى حلفاء من الولايات المتحدة في مطالبتهم بإعادة التفاوض حولها مما يضمن شروطا افضل للعمال.

اعادة اصطفاف سياسي

الحظوظ السوداء لمعاهدات فيتنام وبيرو وكولومبيا تشير الى تغييرا هاما.  مركز الثقل حول قضايا التجارة يتحول ببطء داخل الحزب الديموقراطي خلال سنوات ادارة بوش.  يصطف عدد متزايد من المشرعين للمواقف الاقتصادية الشعبوية التي تظهر اهتماما اعظم لرفاه العمال وتبدي اهتماما اقل بمرتبات مدراء الكوربوريشن المتزايدة.  نتيجة لذلك، اصبح الجدل حول التجارة ينمو في اتجاه نضالي بشكل متزايد.  في خيبة مدوية رئيسية في صيف 2005، مررت ادارة بوش اتفاقية الكافتا في الكونجرس باقل اغلبية ممكنة – 217 الى 215 – وسادت بعد ان انفقت الاسابيع في وعود سخية من اجل شراء المشرعين المترددين.  اقل من 15 ديموقراطي وافقوا في النهاية على الاتفاقية.

عندما ينعقد الكونجرس الجديد، سوف يكون من الاصعب ان تصادف اصواتا تقف في صف عولمة الكوربوريشن.  في تحليل ممتاز للامور بعد الانتخابات، وثقت مجموعة المصالح الشعبية لمرصد التجارة الكوكبية اصطفافا سياسيا كبيرا.  تتبع تقريرهم سبعة سباقات لانتخابات الكونجرس و28 انتخابا لمجلس النواب تغلب فيهم المدافعون عن التجارة العادلة على مناصري "التجارة الحرة" واحتلوا مقاعد كانت مضمونة لهم او كسبوا مقاعد مفتوحة كان يحتلها سابقا "انصار التجارة الحرة".  وعلى النقيض، لم يخسر مناصرو التجارة العادلة مقعدا.  يشمل الرابحون البارزون من التقدميين سيناتور فيرمونت بيرني ساندرز، الناقدة الصريحة لعولمة الكوربوريشن، وسيناتور اوهايو شيرود براون، التي انضمنت الى وفد نقابات اوهايو في مظاهرات سياتل اثناء مظاهرات الاحتجاج على منظمة التجارة العالمية في 1999 ومنذ ذلك الحين كتبت كتابا يفضح "خرافة التجارة الحرة" المفلسة.

تقرير مرصد التجارة الكوكبية يحتج بمنطق ان، "لا يحتاج المرء لان يلقي نظرة ابعد من الحملات الجماهيرية الحاشدة والناجحة المناصرة للتجارة العادلة في الانتخابات الرئاسية لولايات اساسية – فلوريدا (تيم ماهني)، وايوا (بروس برالي، وديف لويبساك)، نيو هامبشاير (بول هودز، وكارول بورتر شيا)، واوهايو (شيرود براون وتيد سترايكلاند) – حتى يفهم ان الاثر الانتخابي والسياسي للتجارة هو اثر ضخم... ولسوف يمتلك تبعات خطيرة على كلا السباق الرئاسي في 2008 والمسار المستقبلي للسياسة التجارية الامريكية".

ولقد لخص عنوان الصفحة الاولى الرئيسي لصحيفة ميامي هيرالد الامر حتى بشكل اكثر حصافة: "حقق الديموقراطيون مكسبا كبيرا بمعارضة اتفاقيات التجارة الحرة".

سواء كانت موجة الاستهجان ضد عولمة الكوربوريشن سوف تدفع الى تغيير دائم في صناعة السياسات عند الديموقراطيين ام لا سوف يعتمد ذلك بشكل كبير على شخصيات مثل رانجيل، ورئيس الكونجرس القادم نانسي بيولسي، وماكس باوكوس، نائب مونتانا الديموقراطي المفترض انه سوف يكون رئيس لجنة المالية في مجلس الشيوخ.  زعماء الحزب هؤلاء من الممكن الا يكونوا مثل بيل كلينتون "انصارا للتجارة الحرة"، ولكنهم ليسوا ايضا من قادة نشطاء "الدفاع عن التجارة العادلة" مثل براون وساندرز.  فكل واحد من هؤلاء لديه سجل من المواقف المختلطة في القضايا التجارية؛ فكلا من بيلوسي ورينجل صوت لصالح الاتفاق التجاري مع فيتنام، الذي ربما من الاكيد اعادة مناقشته في الاشهر القادمة.  اكثر من ذلك، كل واحد من هؤلاء الديموقراطيين المخضرمين صرح بايماءات خطابية تدعو لمواقف موحدة بين الحزبين منذ انتهاء الانتخابات.

مزيد من المسئولين في مجلس قيادة الديموقراطيين يأمل في ان تلك الافتتاحيات سوف تتحور في النهاية الى مواقف دائم يمسك العصا من المنتصف.  ولكن ذلك ليس هذا هو نوع "الاعتدال" الذي ينظر اليه البقية منا على انه ميزة حسنة.  الامر الاكثر اثارة، والاعلى صوتا، سوف يكون اذا ما خرج الديموقراطيين من تأرجحهم، واسقطوا الاتفاقات التجارية التي تدمر اسر العمال وتفتح الطريق لعولمة تبنى من اسفل.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية