التخبط  الإستراتيجي الأمريكي

من جنة "شرق أوسط كبير" موعودة إلى تحالف "اعتدال" وسراب حريات ليبرالية موءودة!

نبيل نايلي

ديسمبر 2006

" (...).على كل دولة أن تتخذ خيارها، إما أن نؤيد المعتدلين والمصلحين الذين يعملون في سبيل التغيير في الشرق الأوسط الكبير، وإما أن نسلّم المصير للإرهابيين والمتطرفين. وقد اتخذت أميركا خيارها: نحن نقف في صف المعتدلين والمصلحين. "

مقتطف من حديث إذاعي موجه إلى الأمة لجورج بوش، السبت 23 سبتمبر 2006 

"إن موقف السعودية ومصر والأردن كان استثنائياً... وأعتقد أنكم سترون كيف ستقدم هذه الدول الموارد والأموال تشجيعاً لقوى الاعتدال..."

من حوار أجري مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بالوول ستريت جورنال 

ليس من مجحف القول أن دارسي أداء الإدارة الأمريكية الحالية، وإن لم تتوفّر لهم بعد المساحة الزمنية الكافية للدرس المتأنّي والمتفحّص، سينتهون إلى حقائق مفادها أنّ هذه الإدارة استثنائية بكل المقاييس، انقلابية منذ النشأة الأولى، مناورة حدّ المغامرة غير المحسوبة، مغرقة في اختلاق الأكاذيب وتلفيقها، متنكّرة لكل من لا يخدم غاياتها وإن كانوا أبناءها الشرعيين، متناغمة حدّ الإسراف مع روح نظرية "الفوضى الخلاقة"! ولعل المتتبع لخطوات إدارة بوش واستراتيجياتها في منطقتنا لا شك أضناه هذا الكم الهائل من البرامج وأعيته أساليب التعاطي المتضاربة بل والمتناقضة أحيانا وإن لم تحد عن الغايات المرسومة لها بدقة متناهية: بسط هيمنة الولايات المتحدة وإطالة أمد نظام القطبية الواحدة وتأمين المصالح الحيوية الأمريكية بما يمنع ظهور قوة أو مجموعة قوى منافسة. فكلما ارتأت واشنطن إعادة رسم خرائط مجالها الجيوستراتيجي، بما يعنيه من تفكيكات جيوبوليتيكية، صاحب ذلك تعديل في الخطاب وأسلوب التعاطي واختيار الـ"حلفاء" الذين سيؤمّنون نجاح الخطط بأقل كلفة ممكنة وأخفّ ضرر. في ظل هذا الإطار يمكن أن نفهم الرّهان الجديد على ما تسمّيه الإدارة الأمريكية بـ: "معسكر الإعتدال". فما هي ظروف نشأة هذا المعسكر؟ من ينتمي إلى هذا التحالف؟ وما المقصود بوصف "الإعتدال"؟ وما المهام المنوطة بعهدته؟ ثم ما هي مضاعفاته على حركة المقاومة العربية الممتدة من فلسطين إلى العراق؟ هذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في هذه الدراسة لنكشف التوجهات الأمريكية وأسرار هذه التغيرات التي طرأت في الأيام الأخيرة وخصوصا بعد الحرب على لبنان.

لقد كانت الإستراتيجية الأمريكية حتى ما قبل الانتكاسات الأخيرة في أفغانستان والعراق ولبنان تضع مشروع "الشرق الأوسط الكبير" حجر زاوية لسياساتها بالمنطقة مرتكزة على قاعدتين اثنتين هما: مكافحة ما تسمّيه بالإرهاب ونشر ما تعتبره "ديمقراطية". ولقد عملت طوال تلك الفترة على ابتزاز النظام الرسمي العربي من خلال الضغط على كل من مصر والسعودية وسوريا باتجاه التغيير الطوعي أو القسري وكثر الحديث أيامها عن عزل القاهرة ومنع مشروع التوريث والتلويح بقطع المعونة والتدخل في سير الانتخابات وإثارة قضايا سعد الدين إبراهيم، وأيمن نور وغيرهما. كما تعرضت المملكة العربية السعودية الحليف الذي باع الغالي والنفيس من أجل كسب رضا الباب العالي الأمريكي دون جدوى، إلى أشرس حملات التشنيع والترويع ومطالبتها بضرورة التغيير والإصلاح بل ذهب بهم الصلف حدّ المطالبة بتعديل مناهجها التعليمية لمكافحة الفكر المتطرّف والعدواني. كان ذلك أيام الربيع الأمريكي في المنطقة وبدافع تأثير زهو النصر الزائف بالعراق.

ولكن مع تعثر المشروع الإمبراطوري في محوريه الأفغاني والعراقي ومع انتكاسة الحليف الإستراتيجي الصهيوني بلبنان ومع تصاعد جبهات الرفض والمقاومة وإدراك الإدارة الأمريكية أن الديمقراطية الحقة ستفرز لها قوى وطنية أول ما تطالب به هو رفع وصايتها عن الأمة وترحيل قواعدها واسترجاع السيادة السليبة وبالتالي تهدّد النظام القائم الذي تتمّعش منه ممّا سيهدّد في الصميم المصالح الحيوية الأمريكية ويجهز على المشروع الإمبراطوري برمّته. كل ذلك دفع بصنّاع القرار الأمريكي إلى التخلي عن إحدى القاعدتين المشار إليهما سابقا: نشر الديمقراطية، وإن كان محض شعار زائف لم يغتر به إلا أمثال كنعان مكية العراق وغادري سوريا وأمثالهما ممن يقايضون الإستقلال بوعود زائفة بحريات ليبرالية كتلك التي ينعم بها العراق!. وبين عشية وضحاها خبا ذلك الحديث السمج والوعد الزائف بديمقراطية ستغمر أرجاء هذا الوطن وتحوله إلى واحة أمن وأمان. ولعل أفضل ما يعبر عن هذا التحوّل الجذري في الإستراتيجية الأمريكية هو الوثيقة الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض والمسماة: " محاربة الإرهاب". فهي تلخص التوجهات الجديدة للإدارة الأمريكية في حصرها "للنجاحات" و "الأهداف" و"الوسائل" و تحديدها ل"لأعداء" و "المنظمات" و "الدول"، مميزة بين ما تصطلح الوثيقة عليه بـ"الحرب بالسلاح" و "الحرب بالأفكار"! (3)

لقد شكلت حرب لبنان الأخيرة ونصر "حزب الله" الساحق منعطفا ونقطة تحول لم يخطئهما إلا الطابور الخامس من دعاة الوقوعية ـولا نقول الواقعيةـ والمحبطين والمثبّطين القائلين بضرورة التسليم والقبول بما تقرّره الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني في زمن "الاستسلام الإستراتيجي"! بالتأكيد أوّل من استوعب دروس تمريغ الأنف الصهيوني، لأول مرة في تاريخه، في وحل "عيتا الشعب" و"بنت جبيل"، مسفّها أسطورة "تساحال الذي لا يقهر"، وتنبّه لهذا التسونامي المبشّر بارتجاجات على ساحات هذا الوطن العربي، هي الإدارة الأمريكية التي وعت جيدا الصحوة القومية التي صاحبت صمود حزب الله وأدائه العسكري الأسطوري الذي مسح عار جيوشنا النظامية وأحرج منظّرو الاستسلام من رسميين وطابور خامس من القائلين بألاّ قبل لنا بمواجهة الكيان الصهيوني، ثم وهو الأهم كسر حالة العجز والتسليم التي كرستها الإقليمية المجرمة من خلال معاركها الخاسرة ومعاهداتها المذلّة،  إذ أن استحقاقات نصر "حزب الله" من شأنها ـ إن وعاها أبناء هذه الأمة طبعاـ أن تغيّر وإلى الأبد شكل وأسلوب تعاطي الشعب العربي مع قضاياه القومية اقتداء بتجربة حزب الله الرائدة. من هذا المنطلق ومن عمق مرارات الفشل والانتكاسات على جميع الجبهات (أفغانستان حيث عادت حركة طالبان بقوة، العراق حيث تكيل المقاومة لقوات الإحتلال الضربة تلو الضربة، فلسطين المقاتلة أبدا وأخيرا لبنان في حرب جرت بالوكالة Proxy War)، وأمام إلحاح أساتذة الواقعية الخائفين على مصير المشروع الإمبراطوري من أمثال زبيغنيو بريجنسكي وهنري كيسنجر الذي كان آخر من قرع ناقوس الخطر ودعا لضرورة تعديل الإستراتيجية الأمريكية وأسلوب التعاطي المعتمدين وفق ما يجد على الساحة العالمية والعربية للحفاظ على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية: تعديل في الأسلوب لا الغايات!

للتغطية على حالة الإرتباك والتخبّط عمدت الإدارة الأمريكية كعادتها إلى ترويج الأكاذيب والمعلومات المضللة، والمزوقة دائماً بوعود التحرير والديمقراطية والنظام المثالي الجديد الذي سينعم به الشرق الأوسط الكبير بينما يتحول الاحتلال في فلسطين والعراق – كما تحول العدوان الآثم على لبنان-  إلى ساحة لارتكاب أبشع المجازر وجرائم الحرب ومختبر للمؤامرات التي تُحاك من أجل إشعال نار الفتن الإثنية المذهبية، التفافا وتشويها لعمليات المقاومة الوطنية، التي بلغت هجماتها على قوى الاحتلال في العراق فقط ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف غارة شهرياً في الفترة الأخيرة بحسب إحصاءات أمريكية كبدت الولايات المتحدة أكثر من 350 مليار دولار، وثلاثة آلاف قتيل وعشرين ألف جريح. آخر أضاليل دولة "حالة الإنكار"  Denial State of    كما يصفها الصحفي والكاتب الأمريكي الشهير بوب وودوورد،  Bob Woodward في كتابه الأخير، هي الموجة الدعاوية المحمومة والمصحوبة بتحركات "كوندي" الدبلوماسية المكوكية بين أقطار هذا الوطن المستباح لتسويق شعار جديد اسمه: "الاعتدال" في مواجهة التطرّف!!! كعادتها تلقفت الترسانة الإعلامية هذا المصطلح لينوب بين عشية و ضحاها عن مصطلحات  سمجة أخرى صمّت بها آذاننا كمحاربة ما يسمّى ب"الإرهاب" و "نشر الديمقراطية" و"الإصلاح" و"التغيير" السياسيين وكل تلك الشعارات البراقة الزائفة التي بشّر بها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي جادت به قريحة دهاقنة المحافظين الجدد وعتاة الصهاينة المحيطين بجورج بوش عشية النصر الكاذب على عراق مثخن ومتآمر عليه.  

فهل نحن أمام تغير جوهري في السياسة الخارجية الأمريكية، ليس فقط تجاه دولة بعينها، وإنما تجاه المنطقة برمتها؟ أم عودة إلى الاستراتيجية الأمريكية التقليدية في المنطقة المعتمدة على الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة من جهة وعلى حلفائها من الأنظمة والمحميات العربية المرتهنة والتابعة والتي كانت إلى وقت غير بعيد تبتزها واشنطن ومحافظوها الجدد بالتلويح بالإصلاح والتغيير الديمقراطي الطوعي أو القسري؟ أم هو فقط تراجع تكتيكي لا غير يراعي المستجدات بالمنطقة ويغير سلّم الأولويات الإستراتيجية فيقع التخلي مرحليا عن نشر ديمقراطية تابعة وعميلة للحفاظ على الوضع القائم ما دام هو الكفيل بضمان المصالح الحيوية الأمريكية؟ أم هو انقلاب على الوعود والمفاهيم والقيم التي كانت ولا تزال تتشدق بها الولايات المتحدة؟ أم بالأحرى التفاف سريع فحسب على الإنجاز العظيم للمقاومة الباسلة في لبنان وإجهاض استباقي "لتداعياته التحريرية المرتقبة في أرجاء القارة العربية والإسلامية، المبشرة بمولد عصر آخر لجيل مختلف من مفاهيم المقاومة ومناهجها وأهدافها، ومن ثم في أنماط تحشيداتها وتشكيلاتها الميدانية"؟؟؟

كان الرئيس جورج بوش أول من تحدّث عن الاعتدال والمعتدلين مخاطبا الجمعية العامة للأمم المتحدة ومبشرا بعالم أكثر أمنا وأكبر أملا، عالم بعيد عن الإرهاب، "يكون الرجال والنساء العاديون فيه أحرارا في تقرير مصيرهم بأنفسهم، وحيث يتم تمكين أصوات الاعتدال، وحيث يتم فيه تهميش المتطرفين من قبل الأكثرية المسالمة" (4)، خالعا صفة الاعتدال على كل من محمود عباس وجلال الطالباني وبرويز مشرف وحامد كرزاي مؤكدا أنهم جميعا "يعملون في سبيل هزيمة قوى الإرهاب والتطرّف"، لينتهي بدعوة تشبه الوعيد: "على كل دولة أن تتخذ خيارها، إما أن نؤيد المعتدلين والمصلحين الذين يعملون في سبيل التغيير في الشرق الأوسط الكبير، وإما أن نسلّم المصير للإرهابيين والمتطرفين. وقد اتخذت أميركا خيارها: نحن نقف في صف المعتدلين والمصلحين!" (5) الكيان الصهيوني طبعا جزء وركيزة أساسية في حلف المعتدلين وحربه الغاشمة على لبنان كان، برأي بوش وإدارته، الحلقة الأولى من حرب هذا المعسكر التي تعدّ العدة لحروب أخرى قادمة على رأس قائمتها سوريا وإيران ما لم تنصاعا للهيمنة الأمريكية.

ثم تبنت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس هذه "العقيدة" Doctrine  الجديدة خصوصا خلال الحرب الأمريكية الصهيونية على لبنان لتتولّى بنفسها القيام والإشراف على بناء تحالف "القوى المعتدلة" يضم كل من العربية السعودية ومصر والأردن كمعسكر ستوكل إليه مهام "كاسحة الألغام" في مواجهة قوى التطرّف ممن غرّه نصر "حزب الله" واعتزم شق عصى الطاعة! فكان أن صرحت في مقابلة مع مجلس تحرير صحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal، بتاريخ 25 سبتمبر2006: "أعتقد أنه تم تنبيهنا بشدة هذا الصيف مع وقوع الحرب في لبنان لأنه لم يكن قد تم توضيح الوضع حقاً في السابق، لأنه تعين على الشرق الأوسط بكل عداواته التاريخية وما إلى ذلك (إبان تلك الحرب)، أن يواجه بيئته الحديثة، الراهنة، وهي بيئة ظهرت فيها صورة التطرف في جهة والاعتدال في الجهة الأخرى بشكل واضح جدا."، لتضيف إلى قائمة بوش من المعتدلين فؤاد السنيورة في مواجهة قوى التطرّف المتمثلة في كل من حزب الله وإيران وسوريا. وفي تعليق على زياراتها المكوكية للمنطقة أكدت على أن المحميات التي تزورها هي "مجموعة يمكن لك أن تتوقع منها دعم القوى المعتدلة الصاعدة في كل من لبنان والعراق والمناطق الفلسطينية". (6) وفي "حرص" شديد على أمن مركز الاعتدال هذا، أعربت رايس عن التزامها بدعم أمريكي غير مشروط خصوصا أن العربية السعودية ومصر والأردن أعربوا عن "القلق العميق الذي تشعر به الدول العربية المعتدلة إزاء التهديد بزعزعة الاستقرار الذي يمثله سلوك حزب الله المغامر (لاحظوا المغامر في إشارة للموقف السعودي من عملية أسر الجنود الصهاينة) وغير المكبوح بأي قيود." (7) وتعتمد رايس والإدارة الأمريكية في تنسيب أعضاء الحلف المعتدل على ضرورة  التطبيع مع الكيان، وعليه فمعظم الدول الأعضاء في التحالف الجديد تقيم علاقات رسمية مع الدولة العبرية، وتجري اتصالات رسمية معها وعلى تحريك فزّاعتين اثنتين:

  • ما تسميه بـ: "الهلال الشيعي" كما أنذر عاهل الأردن
  • البرنامج النووي الإيراني وطموحات إيران الإقليمية

وفي هذا تقول كوندي لصحيفة نيويورك تايمز New York Times  بتاريخ 25 سبتمبر 2006 : "أعتقد أن على المرء حشد الدول المجاورة، التي أربكها ما حدث في لبنان والتي ترى التهديد الإيراني بشكل أوضح مما كانت تراه في السابق. وأعتقد أنكم سترون أن تلك الدول ستقاوم النشاطات الإيرانية في المنطقة وستضع المال والموارد في يد القوى المعتدلة. وقد وضع السعوديون خلال أيام 1,5 بليون دولار في لبنان، 1,5 بليون دولار لمقاومة حزب الله وإيران." (8)

هذا بالنسبة لظروف النشأة والمنتمين لقوى الاعتدال حسب المنظور الأمريكي فما المقصود بالاعتدال؟

تصنّف الولايات المتحدة الأمريكية الحلفاء والأعداء وفق معيار أوحد وهو المصلحة القومية وصفة الحليف أو العدو ليست ثابتة ما دامت مصالح الإمبراطورية تتغير بتغير الخرائط الجيوسياسية. وما دام المشروع الإمبراطوري المرتبط مصيره عضويا بما سيتمخّض عنه احتلال العراق فإن الحلفاء هم من سيقفون سندا أو صدا ضد كل قوى المقاومة لهذا المشروع. ستلتقي المتضادات بقدرة قادر والممالك بالجمهوريات الوراثية، لا بأس، ما دام ذلك في خدمة المشروع!   تمشيا مع هكذا منطق ننتهي إلى التصنيفات التالية : في لبنان، يقف فؤاد السنيورة وقوى 14 آذار في صف المعتدلين  ضد «حزب الله» المتطرّف، وفي فلسطين، محمود عباس وعرابو خيانات أوسلو سيئة الذكر ضد «حماس»، وفي العراق، نوري المالكي والعملاء المدعومين بقوى الاحتلال البغيض ضد المقاومين من سنّة شيعة وغيرهم.

طبعا تلقّف الكيان الصهيوني الشريك في صنع القرار الأمريكي والمخلوعة عليه صفة الاعتدال هذه المبادرة ليستأنف اختراق الصف العربي مدعوما بالثلاثي العربي مما حدا بالجنرال الصهيوني عامي أيالون أحد قادة حزب العمل للقول: ""علينا أن نشرع فوراً في بذل كل الجهود الممكنة من أجل إقامة تحالف بين دولة إسرائيل والدول السنية المعتدلة في المنطقة، لا سيما مصر والسعودية والأردن وحكومة السنيورة في لبنان". هذا عن التحالف، أما بالنسبة للمهام المنوطة بعهدته فسنحاول إيجازها كالتالي:

1-    فلسطينيا:

  • تسفيه خيار المقاومة وجعله سببا في معاناة الفلسطينيين بدل إدانة الاحتلال
  • رفض الخيار الديمقراطي الفلسطيني بجعل "حماس" عاجزة عن الوفاء بعهودها الانتخابية عبر محاصرتها ومقاطعتها دبلوماسيا وممارسة سياسة التجويع والابتزاز.
  • تسويق خيار الاستسلام على انه الحل الأمثل عبر التلويح بطعم الدويلة الذي لم يعد ينطلي حتى على أطفال ومعتوهي غزة
  • تعزيز موقف عباس وجماعته والدفع بحكومة حماس على استقالة قسرية أو اعتراف مستحيل بالكيان الصهيوني
  • القيام بتدريب و تسليح الأجهزة "الأمنية" الموالية لمحمود عباس تحت إشراف أمريكي و بمعونة ضباط من مصر والأردن، بهدف تحضيرها لمواجهة قادمة مع القوات المسلحة التابعة لحركة حماس: (ما يعرف بخطة المنسق الأمني الأمريكي في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، الجنرال كيث دايتون التي خصصت لها إدارة الرئيس جورج بوش مبلغ مليوني دولار كمنحة للرئاسة الفلسطينية في رام الله بهدف إقامة معسكر خاص معد ومجهز للتدريب والتأهيل.)
  • الدفع نحو أفق مسدودة ولو كلّف ذلك حربا أهلية لا تبقي و لا تذر
  • تكفّل الحلف المعتدل بخنق المقاومة والتضييق عليها من خلال ما يسمّى بالتعاون الأمني وغلق المعابر وغلق الأرصدة المالية الداعمة لفصائل المقاومة في إطار خطط "تجفيف المنابع"!
  • منح عباس وزمرته صلاحيات غير عادية وتعويم أرصدة حركة فتح البنكية لتحل هي الأزمة الخانقة وتكون بذلك أوفت بما لم تستطعه حماس

2-    لبنانيا:

  • قطع الطريق أمام استحقاقات النصر الذي حققه مناضلو حزب الله للكسب بالدبلوماسية ما خسره الكيان عسكريا  وللتعويض عن "فشلها في الميدان على امتداد ثلاثة وثلاثين يوماً طويلة لم تترك خلالها سلاحاً إلا وجرّبته: من الطيران الحربي (وضمنه الأم. كا) إلى المدفعية الثقيلة، إلى الصواريخ، إلى مدافع الدبابات، إلى الأسلحة المحظورة كاليورانيوم المخصب.
  • العمل على وأد حالة الصحوة القومية لدى أبناء هذه الأمة ممّن رأوا في نصر "حزب الله" حافزا على النهوض والعودة للقاعدة الذهبية: ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة!
  • تحميل "حزب الله" المسؤولية كاملة عن حرب عدوانية لم تبدأ أمس
  • التلويح بالخطر الطائفي ليصبح سلاح "حزب الله" أخطر من ترسانة الكيان النووية!
  • الادعاء أن الحرب من تدبير إيراني أو سوري رغم كل الدراسات التي بينت أن الحرب كانت حربا بالوكالة، فأمريكا التي خاضت الحرب في العراق طالبت الكيان برد الجميل ليخوض حربا بدلا عنها، ألا تذكرون رايس حمالة القنابل الرافضة لإيقاف الحرب مصرحة بكل وحشية أن دماء الأطفال والشيوخ والنساء هي معمودية ميلاد شرق أوسط جديد!
  • ممارسة الابتزاز المعهود من خلال ربط عملية الإعمار بالمواقف السياسية من الكيان ومن "حزب الله"
  • محاولة عزل حزب الله والمطالبة بنزع سلاحه عنوة. نخشى ما نخشاه أن يزاد في صلاحيات جيوش اليونيفل لتتولىّ بنفسها المهمة التي عجز عنها المحتل.

3-    عراقيا:

  • خنق نهج المقاومة من خلال وسمه بالإرهاب والتعتيم على عملياته التي يعترف العدو نفسه بنوعيتها ومدى أثرها البالغ وما آخر ضربة لأحصن قاعدة أمريكية إلا خير دليل
  • التعاون الأمني والتخابري وتسليم البيانات لأجهزة المخابرات الأمريكية لتعقّب من يشتبه بهم
  • مراقبة الحدود والعمل على منع المجاهدين من أبناء هذه الأمة الراغبين في الذود عن العراق من العبور إلى الداخل
  • القيام بدور شاهد الزور في أفظع جريمة يشهدها العصر والتستر على حرب الإبادة التي يشهدها العراق، فحتى اللقاء الذي نظمته المملكة العربية السعودية داعية المرجعيات السنية والشيعية العراقية من أجل الاتفاق على حقن الدماء وتوقيع "وثيقة مكة" التي تحرّم الاقتتال الداخلي وسفك دم المسلم على يد أخيه المسلم، كان كما لقاء القاهرة سابقا، بوصاية وضغط أمريكيين في إطار البحث عن سبيل للتخفيف من حدّة عمليات المقاومة من جهة ورفع الحرج الذي يلحق بسمعة الولايات المتحدة نتيجة ارتفاع عدد ضحايا العراق، ولم يكن مطلقا بدافع صحوة ضمير سعودية فالعراق ومنذ 3 سنوات ونصف يرزح تحت احتلال أمّنه "محور الاعتدال" كلّ ودرجة تواطئه، استشهد منه 655 ألف حسب آخر إحصائية  لمجلة لانست الطبية The Lancet (9) وهجّر منه 4 ملايين ودمّرت كل بنيته التحتية وأصبح مستباحا بمباركة عربية رسمية 
  • تلميع صورة الاحتلال والادعاء بأن العراق الآن أفضل مما كان عليه تحت حكم الرئيس السابق
  • تسفيه خيار الرفض للاحتلال و الاعتراف بحكومة العمالة
  • تسويق مشاريع المحتل وتسهيل عبور شركات النهب والنصب الصهيو-أمريكية والأردن ضليع في تعريب الشركات الصهيونية التي اجتاحت العراق تحت غطاء ورعاية أردنية!  

4-    عربيا:

  • فرض الأجندة الأمريكية بما يعنيه من تكريس للتبعية وفقدان للقدرة على المواجهة
  • الدفع بالمترددين نحو قطار التطبيع مع الكيان كسبيل وحيد للبقاء ومن خانته الذاكرة فمثال ليبيا معمر القذافي لا يزال ماثلا
  • تشديد الضغط ومحاصرة ما تسميه الإدارة الأمريكية وحلف الاعتدال بالـ"راديكاليين" من قوى الرفض والممانعة من خلال تجنيد قوى إقليمية ومحلية لتغيير موازين القوى كخطوة أولى نحو خلق هلال ممتد من عمان حتى كردستان
  • إجهاض كل نفس مقاوم من خلال ربط حركات التحرير بمنظمات الإرهاب واللعب على هلامية وضبابية التعريفات
  • حرف حركات المقاومة وجرّها نحو مستنقعين إما التطبيع أو الحرب الأهلية
  • وضع الأقطار العربية نحو الوصاية وذلك من خلال تدويل كل المشاكل مهما بلغت بساطتها وكأننا غير قادرين على حلها بأنفسنا
  • توفير السجون والقواعد السرية وتأمين نشاطات عملاء المخابرات المركزية والمكتب الفدرالي (الأردن،مصر...)
  • دفع فاتورة حروب الإمبراطورية من دم ومقدرات ومستقبل أبناء هذه الأمة: ألم تدفع العربية السعودية تكلفة الحربين في أفغانستان مرة مع حركة طالبان ومرة ضدها كما دفعت فواتير حروب الخليج جميعها مضيا في سياسة الشيزوفرينيا العربية الرسمية؟
  • إعادة الاعتبار لنظام رسمي سلبه نصر "حزب الله" آخر ورقة توت كان يواري بها سوءاته ومقايضة البقاء أو التوريث بالسيادة الوطنية
  • المضي في مخطط وبرنامج التذرذر السوسيولوجي المنظّم قصد تفتيت المفتت والإجهاز على هذه الأمة من خلال الحروب الأهلية والإثنية والطائفية..... 

المضاعفات:

لا شك أن حالة التردد والسلبية والتواكل التي تتسم بها الحركات والقوى التقدمية العربية التي لم ترتفع برأينا لمستوى الإنجاز الذي حققه حزب الله في حرب استرداد الكرامة الأخيرة، بحيث لم يلتحموا به خلال المعركة و لا ناصروه إبان حصاره ولم يساعدوه للحفاظ على استحقاقات نصر مؤزر قد يتحول لا قدر الله إلى وبال على لبنان الذي يوضع تدريجيا وبرعاية أمريكية وتواطؤ عربي رسمي تحت الوصاية الأطلسية. كل هذا مضافا لما يملكه تحالف الاعتدال من هامش مناورة وإمكانيات مادية وإعلامية ضخمة لتخريب الذمم وحرف المناضلين وبث ثقافة التسليم والركوع للغاصب يجعلنا نتوجس خيفة من مستقبل عربي يكاد يعصف به الأعداء المتحلقون حول هذا الوطن المستباح يساعدهم في ذلك أحفاد ابن العلقمي من أنظمة وملوك طوائف لا هم لهم سوى الحفاظ على العروش. فكلما عرف المشروع الإمبراطوري تقهقرا وتراجعا كلما انبرى هذا المعسكر لنجدته.

لكن ما يبعث على التفاؤل أن المرحلة مرحلة فرز للقوى ولم يعد من الممكن التعلل أو التخفي وراء شعارات "ضرورات المرحلة" و "الانحناء للعاصفة" و"الواقعية" فقد تعرّت كل المواقف وصار المواطن العربي يعرف جيدا من هو عدوه الحقيقي. ألم يرفع هذا الجمهور صور المناضل السيد حسن نصر الله الشيعي في قلب الأزهر الشريف ومدن ومخيمات وقرى فلسطين وبلدان الخليج والمغرب العربي، السنة قبل الشيعة، لأنهم يدركون أن السيد يخوض معركته مع العدو ليس من منطلق مصلحة طائفية ولكنه يرفع راية أمة ؟! 

الخاتمة

إن الاعتدال كما تريده الولايات المتحدة وإدارتها الحالية ليس وسطية ولا عقلانية بل هو انحناء وركوع!  تكريس لمربع الهوان المتمثل في التفريط والتوقيع والإقرار فالتسليم!!! . إنه التفافة جديدة على سياساتها الخرقاء التي جعلت من المنطقة "فأر تجارب" لشطحات منظريها، وإذا كانت واشنطن ترى في المقاومة العربية في فلسطين والعراق ولبنان والسودان وفي كل شبر من هذا الوطن "تطرّفا" فليس لنا خيار إلا أن نقاوم حتى لا يجرفنا طوفان فوضاهم الـ"خلاقة"!  وما تمر به الإمبراطورية الأمريكية المترنّحة يدعو شرفاء هذه الأمة إلى الخروج من الإستقالة الجماعية التي يحترفونها لنقاد كالنعاج إلى مسلخ مفتوح من غزة إلى بغداد، فهذا ريتشارد هاس Richard Haass أحد المستشارين السابقين لجورج بوش، وفي مداخلة أمام مجلس العلاقات الخارجية، أحد أكبر مراكز البحوث نفوذا في الولايات المتحدة، يسفّه دهاقنة الوقوعية من مثقفي الطابور الخامس العرب الذين ينعقون صباح مساء مطالبين بضرورة التسليم والقبول بما اقتسم لنا القدر الصهيو أمريكي ليجاهر هو بالقول: "إن العصر الأمريكي في المنطقة قد ولّى، كما أن الرؤية الآملة في بروز شرق أوسط جديد شبيه بأوروبا ديمقراطي وآمن، لن تتحقق! على العكس، فإن هذه المنطقة، (في ظل استمرار إدارة بوش الرعناء على نفس النهج) ستكون مصدر أذى كبير يلحق بها وبالعالم"!!! (10)

إن أمة أنجبت 3 حركات مقاومة في كل من فلسطين والعراق ولبنان رغم الصلف الأمريكي وجبروته لقادرة على النهوض من جديد. إنها معركة وجود، ولم يعد أمامنا خيار غير مواجهة قدرنا لنخوض حرب الإنسانية في مواجهة إمبراطورية الشر المحض!

نبيل نايلي، باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.


 1- للإطلاع على نص الحديث كاملا الرجاء استعمال الوصلة التالية : http://usinfo.state.gov/xarchives/display.html?p=washfile-arabic&y=2006&m=September&x=20060923195940ssissirdile0.37138
2-  راجع حوارها المنشور بالوول ستريت جورنال أو استعمل الوصلة التالية للإطلاع على نص الحوار في نسخته الأصلية: http://www.state.gov/secretary/rm/2006/73106.htm
2-  لمراجعة الوثيقة الرجاء اعتماد الوصلة التالية: http://www.whitehouse.gov/nsc/nsct/2006/nsct2006.pdf
4-  من خطاب بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبتمبر 2006
5-  للإطلاع على نص الحديث كاملا الرجاء استعمال الوصلة التالية : http://usinfo.state.gov/xarchives/display.html?p=washfile-arabic&y=2006&m=September&x=20060923195940ssissirdile0.37138
6-  راجع حوارها المنشور بالوول ستريت جورنال أو استعمل الوصلة التالية للإطلاع على نص الحوار في نسخته الأصلية: http://www.state.gov/secretary/rm/2006/73106.htm
7-  نفس المرجع
8-  من أراد الإطلاع عليه في نسخته الأصلية اعتماد الوصلة التالية: http://www.state.gov/secretary/rm/2006/73105.htm
9-  أنظر التقرير مفصلا بموقع مجلة لانسات: http://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140673606694919
10-  راجع مقال هاس : "عصر حافل بالمتاعب يلوح في الشرق الأوسط" الصادر بالمجلة الفصلية "الشؤون الخارجية"Foreign Affairs  بتاريخ 16 أكتوبر 2006 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية