صدام: من وحش كاسر الى شهيد؟

باتريك كوكبرن

5 يناير 2007

كيف قادت اختيارات بوش وبلير الى الكارثة في العراق، وتصاعدت الى اعدام فوضوي يغذي نيران الحرب الاهلية

يحتاج الامر الى عبقرية حقيقية لخلق شهيد من صدام حسين.  فهذا رجل ولغ حتى اخمص رأسه في دم شعبه الذي رفض القتال من اجله اثناء الغزو الامريكي للعراق منذ ثلاث سنوات ونصف.  توا اصبحت مقبرته في عواجة القرية التي ولد فيها مقصدا للحجيج من الخمسة ملايين عربي سني عراقي الذين يشكلون قلب انتفاضة الشعب العراقي.

كان من الواضح ان صدام نفسه، اثناء محاكمته، يحاول ان يضع نفسه موضع الشهيد في سبيل قضية استقلال العراق والوحدة والقومية العربية.  وفشله الظاهر في ان يحقق اي شيء فعال في سبيل تلك القضايا اثناء ربع القرن الذي اساء فيه حكم العراق لابد وانه جعل من مهمته تلك مهمة صعبة.  ولكن اعداما يتفوق في بربريته على عمليات القتل الطائفية في الشوارع الخلفية ببلفاست التي كانت تقع هناك منذ ثلاثين عاما، هذا الاعدام ارتفع به الى مصاف البطولة في عيون السنة - وهم المذهب الاسلامي الغالب بين العرب - عبر الشرق الاوسط.

القول المأثور القديم عن ونستون تشرشل بأن "العشب ربما ينمو في ارض المعركة ولكنه لا ينبت ابدا تحت المقصلة" على الارجح اثبت هذا القول صحته في حالة العراق كما برهن عليها مرارا في اماكن اخرى من العالم.  وليس مرجحا ان تنجح الولايات المتحدة في الادعاء ان الاعدام كان شأنا عراقيا خالصا.

فرح الشيعة والاكراد العراقيون فرحة غامرة ان صدام يرقد الان في قبره.  ولكن توقيت موته في اول ايام عيد الاضحى يجعل مقتله كما لو كان اشبه باهانة متعمدة للطائفة السنية.  اعدام اخوه غير الشقيق برزان في الايام القليلة التالية سوف يؤكد معنى ان الاغلبية الشيعية في العراق لا تستهدف بذلك سوى السنة.

لماذا كانت حكومة نوري المالكي حريصة كل هذا الحرص على قتل صدام؟  اولا، هناك الرغبة التي يمكن فهم دوافعها كاملا وهي الانتقام.  اعضاء المعارضة القديمة لصدام يقع عليهم اللوم غالبا بسبب عدم فاعليتهم السابقة ولكن معظمهم فقد اعضاء من العائلة في غرف التعذيب وفرق الاعدام التي شكلها صدام.  كل عائلة في العراق ففقدت احد اعضائها في حروب صدام الكارثية او من جراء حملات قمعه البربرية.

هناك ايضا تخوف من جانب زعماء الشيعة ان تبدل الولايات المتحدة مواقعها في العراق فجأة.  ليست تلك بلاهة منهم كما تبدو لاول وهلة.  كانت الولايات المتحدة ترعى السنة في العراق طوال الثمانية عشر شهرا الماضية.  كانت تسعى لعقد محادثات مع المتمردين.  وقد حاولت الولايات المتحدة عكس مسار حملة التطهير ضد حزب البعث.  تحدث المعلقون والسياسيون الامريكيون بخفة ماكرة عن حذف رجل الدين الشيعي المناهض للامريكان مقتدى الصدر وقتال ميليشياته، جيش المهدي.  ولا عجب ان يشعر الشيعة ان من الافضل وجود صدام تحت الارض باسرع ما يمكن.  ربما ينسى الامريكيون انهم كانوا حلفاء معه ذات مرة ولكن العراقيون لا ينسون.

عندما سقط صدام توقع العراقيون ان تصبح الحياة افضل.  كان املهم ان يعيشوا مثل السعوديين او الكويتيين.  عرف العراقيون ان صدام خرب بلادهم في حروب باردة وحروب ساخنة.  عندما تبوأ السلطة كرئيس في 1979، كانت العراق تمتلك فعلا عوائد نفطية واسعة، واحتياطات نفط كبيرة جدا، وشعب جيد التعليم وادارة كفء.  بغزوه لايران في الثمانينات، والكويت في التسعينات، هبط صدام بأمته الى مستوى الفقر.  وتحولت الحالة حتى الى الاسوأ بالحصار الاقتصادي الذي فرضته الامم المتحدة لمدة 13 عاما.

ولكن الحياة لم تتحسن بعد 2003.  عن طريق اللقاءات الشخصية وجها لوجه مع 6000 بالغ عراقي بواسطة مركز الدراسات الاستراتيجية والابحاث العراقي في نوفمبر الماضي اتضح ان 95% منهم قالوا ان الحالة في بلادهم كانت افضل قبل الغزو الامريكي في 2003.  فقط 4% من الناس قالوا ان الحالة اليوم افضل.  الاستقصاء جرى في بغداد، وفي محافظة الانبار السنية بالكامل وفي محافظة النجف الشيعية في مجملها.  لم تتضمن الدراسة اراء الاكراد، الذين يفضلون الاحتلال.

هذا لا يعني ان العراقيين يريدون عودة صدام.  ولكن من الصحيح بشكل واضح ان فرص الموت قتلا في العراق هي اليوم اكثر كثيرا مما كانت عليه في 3003.  الخرافة التي روجها المحافظون الجدد من الجمهوريين ان قطاعات واسعة من العراقيين يستمتعون بفترة ربيعية هادئة بعد الحرب ولكن ذلك يتم تجاهله من الصحافة الليبرالية كانت دائمة خرافة من صنع الخيال. فالليبراليون الجدد الذين يدعون ان الاخبار الطيبة في العراق يتم كبتها ولا تخرج للعلن لم يقم منهم احد بأي محاولة لزيارة تلك المحافظات العراقية التي يدعون انها تعيش في سلام.

كان يجب الا يكون صدام عملا صعبا نقوم به.  لم يكن محتما ان تسقط البلاد في تلك الفوضى الهوبزية.  في البداية لم يهتم الامريكيون والبريطانيون بما يفكر به العراقيون.  انتصارهما على الجيش العراقي - وقبلها على الطالبان في افغانستان - كان انتصارا سهلا جدا.  واقاما نظام حكم شبه استعماري.  في الوقت الذي ادركا فيه ان حرب العصابات هي امر خطير كان اوان الفعل قد فات.

الا ان الامر قد يصبح اسوأ.  ما يسمى "الاندفاع الى الامام بقوة" في مستوى القوات الامريكية بزيادة من 16 الى 22 الف جندي اضافة الى 180 الف الموجودين فعلا في البلاد ليس من المرجح ان تنتج عنه عوائد كثر.  يبدو انه قد تم التخطيط لذلك حتى لا يقر الرئيس جورج بوش بالهزيمة او يضطر لاتخاذ خيارات صعبة بالحديث مع ايران او سوريا.  ولكن تعزيز القوات هذا ربما يغوي الولايات المتحدة بالهجوم على جيش المهدي.

بشكل ما اقنع العديد من المسئولين الامريكيين انفسهم انه السيد الصدر، الذي يحترمه ملايين الشيعة، هو العقبة امام حكومة عراقية معتدلة.  في الواقع شرعية الصدر في عيون العراقيين الشيعة البسطاء، وهم اغلبية السكان في العراق، اكبر كثيرا من شرعية السياسيين "المعتدلين" الذين تضعهم الولايات المتحدة في جيبها والذين نادرا ما يخرجون بعيدا عن المنطقة الخضراء.  السيد الصدر يدعم السيد المالكي، الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع واشنطن.

الهجوم على رجال الميليشيات الشيعة لجيش المهدي قد يؤدي الى انهيار العراق في فوضى شاملة.  ساعتئذ سوف يقهقه صدام في قبره.

باتريك كوكبرن هو مؤلف كتاب، الاحتلال: الحرب والمقاومة في العراق، صادر عن دار نشر فرسو.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية