فرق الموت تشنق صدام

روبرت درايفوس

3 يناير 2007.

في عراق اليوم، تنسل فرق الموت خلسة ليلا، تقتحم البيوت في الظلام ممسكين في ايديهم بقوائم تحمل الاسماء، تطلق الرصاص على عائلات بأكملها (عادة) عائلات الزعماء السنة وعلى الابرياء، وهناك في العراق فرق موت صفيقة تجول الشوارع نهارا، تروع احياءا بكاملها لتطهرها عرقيا بشكل محموم.  بعض هذه الفرق يرتدي زي الشرطة، وبعضها يرتدي زي الجيش في ميدان المعركة، والبعض منهم يرتدي الاقنعة السوداء التي يرتديها سفاحو جيش المهدي.  يمضي القتل بلا انقطاع: 2000 في ديسمبر طبقا لاحصاءات رسمية عراقية واكثر من 16000 طوال عام 2006، طبقا لاخر التقارير – رغم ان المجموع الكلي الفعلي للعام الماضي هو 100 الف على الارجح او ما يزيد.

وبعدئذ هناك فرقة الموت الرسمية التي شنقت صدام حسين.  لم يراعوا في شنقه أي مراسيم، مجموعة من القتلة يرتدون الاقنعة السوداء ينشدون ترانيم دينية شيعية بينما هم يلفون وشاحا اسود حول رقبته مع حبل المشنقة، صائحين "مقتدى! مقتدى! مقتدى!".  لقد كان امرا خسيسا بل حتى رخيصا، مفعما بمتفرجين اجلاف يصيحون باسماء من المفترض انها لشهداء من رجال الدين الشيعة.  واقعة الشنق هذه اعقبت محاكمة عشوائية هزلية، قضاتها الذين لم يستطيعوا هضم ادوارهم الهزلية في تلك المسرحية تم اقالتهم ومحاموا دفاع صدام اغتالتهم فرق الموت الواحد بعد الاخر، وفيها الشهود تم استعراض شهاداتهم دون أي تفنيد او عرضهم على المتهمين، في تشابه مع محاكمة اليس التي قطعوا فيها رأس الملكة الحمراء، بينما يصيح الملك شبيه البصلة: "اعدموها اولا، ثم تحققوا من الامر بعد ذلك!".  ثم، في اللحظة الاخيرة، في بغداد، وقف الديكتاتور، فخورا منتصبا، ليتضاءل قاتليه وتلوث صورتهم.  وفي لحظة، الديكتاتور – الذي كان قد ارسل بالالاف الى المشنقة والى فرق الاعدام – اصبح ضحية وشهيدا، والاتقياء الذين عانوا من الالام تحولوا الى مصاصي دماء باحثين عن اشباع شهوة الانتقام.

السلطات العراقية، وقد القت بالملح على الجرح، امرت بتنفيذ سريع لحكم الاعدام في اول ايام احد اعياد المسلمين الدينية (على الاقل طبقا لتقويم السنة الديني)، في عيد معناه العميق هو العفو.  نظام الحكم الذي يهيمن الشيعة عليه، بفعلته هذه، اظهر لكل الناس ان التقويم الديني الخاص بهم، والذي اختلف عن تقوييم السنة، هو كل ما يهمهم في العراق الجديد.

صحيفة الوول ستريت جورنال، في عرض مختصر عن نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي يوم الثلاثاء، نقلت عن كلام احد معاونيه قوله ان جزء من دوافع المالكي في الاسراع باعدام صدام كان خشيته من "صفقة سرية تتم في الخفاء للحفاظ على حياة صدام مقابل ايقاف الهجمات على القوات الامريكية".  ورغم ان بعض التقارير، وبعض مصادري الخاصة، تقول بشكل محدد تماما ان الصفقة كان يتولاها مسئولين اكثر تعقلا في الادارة – لما لا؟ لماذا لا نصدر على صدام حكما بالاعدام كجزء من اتفاقية لوقف اطلاق النار مع المقاومة؟ - فإن ذلك لم يكن خيارا مطروحا بجدية ابدا.  فعليا، منذ البدايات الاولى للتمرد في اواخر عام 2003، رفضت الولايات المتحدة بشكل متكرر فكرة محادثات للسلام مع القوى الرئيسية في المقاومة، بمن فيهم المسئولين السابقين في حزب البعث، وضباط المخابرات والجيش السابقين, ورجال الدين المرتبطين بجمعية علماء المسلمين وجاعات المقاومة مثل لواء ثورة 1920 والجيش الاسلامي في العراق.  الان، وبشكل كان يمكن التنبؤ به تماما، مجمل سكان السنة العراقيين على الارجح سوف يصطفون فعليا خلف المتمردين، جاعلين تخفيف حدة الحرب الطائفية والمجتمعية امرا اكثر صعوبة بما لا يقاس.

الان، أي فرصة لامكانية استخدام صدام كأحد اشكال المقايضة للمساعدة في تسهيل صفقة مع المتمردين قد ولت للابد.

في نفس الاثناء، تدور ادارة بوش وسلطات الاحتلال الامريكية حول نفسها، قبل ايام قليلة من اعلان الرئيس بوش عن طبعة 2007 "من استراتيجية النصر" التي سوف يتبعها في العراق.  التشتت الصرف الذي يميز محاولاتهم يذكرنا بتعليق انتوني كوردسمان، المحلل العسكري المحافظ في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ان غزو الولايات المتحدة للعراق كان "شبيها بارسال ثور ليحرر دكان اطباق من الصيني".

في الاسبوع الماضي، اغارت قوات المارينز والجيش مجمع مباني الزعيم العراقي الكبير، عبد العزيز الحكيم، قائد المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، وهو الرجل الذي يقبع خلف بعض من اكثر فرق الموت رهبة في العراق، للقبض على العديد من الدبلوماسيين الايرانيين.  نتج عن هذه الحادثة التي لم يعرف سببها بعد ان الحكومة العراقية فرضت حمايتها على هؤلاء "الدبلوماسيين الاسرى" – الذين ربما كانوا فعلا جواسيس من فرق الحرس الثوري الايراني يدبرون للاعمال الارهابية– وتولت امر ارسالهم جميعا مرة اخرى الى ايران، بسلام.  وبشكل تقريبا لا يصدق، جاءت هذه الاغارة على بيت الحكيم قائد فيالق بدر العراقية المشكلة من 20 الف محارب بعد اسبوعين فقط من زيارته في ردائه الديني ولقاءه الرئيس بوش في المكتب البيضاوي.

ثم، مثل خاتمة كتاب نموذجية، اغارت القوات الامريكية يوم الاثنين على مكاتب صالح المطلق ودمرتها تماما، وصالح المطلق هذا هو زعيم جبهة الحوار الوطني - الحزب السياسي السني البارز الذي يحتل 11 مقعدا في البرلمان.  قتل في الهجوم العديد من معاوني المطلق وحراسه الشخصيين، وسط تأكيدات فارغة غير معقولة من القادة العسكريين الامريكيين ان تلك المكاتب هي "ملاجئ آمنة لتنظيم القاعدة".

لذا في حوالي اسبوع، دبرت الولايات المتحدة توجيه ضربات شديدة القبضة على مكاتب اثنين من اكبر الاحزاب السياسية العراقية.  طوال اربع سنوات، كان من الصعب تصور شيئا اكثر غباوة وسوء فهم يشبه هذا.  بالتأكيد، لا يوجد خلف ذلك أي خطة او استراتيجية.  وفي ظل نفس التفكير، وقفت الولايات المتحدة برقاعة خلف عصابة من السفاحين بقيادة شيعية وسمحت لهم بالقيام بمثل هذا الاعدام الشنيع لصدام حسين – وهي تعرف انها عملية معيبة تجلب العار يستفحل بسببها شدة الانقسام الطائفي.  (وقد استفحل الانقسام الطائفي فعلا.  وليس فقط الانقسام الطائفي، ولكن قبر صدام حسين في قريته القريبة من تكريت، في اعماق قلب قواعد المتمردين فيما بات يسمى "المثلث السني"، هذا القبر من المضمون انه سوف يصبح مزارا دينيا ومصدر للالهام لكل هؤلاء السنة المصممين على طرد الولايات المتحدة من العراق).

وسط اختلاط الحابل بالنابل هذا، من المستحيل ان نظن ان أي زيادة في القوات الامريكية – او حتى أي استراتيجية اخرى للابقاء على مجرى الامور كما هو عليه دون انهيار – سوف تصنع أي اختلاف في نهاية الامر.  الولايات المتحدة، بقوتها الصرف وتصميم ادارة بوش المتحجر العقل، يمكنها فعلا قتل المزيد والمزيد من العراقيين، ربما حتى بما هو اكثر من الـ 655 الف الذين قتلوا فعلا بمئات الاف اخرى من القتلى.  ولكن في النهاية، اما ان تنسحب الولايات المتحدة من العراق دون النصر الذي يسعى اليه بوش – هزيمة فعلية – او ان يطرد العراقيون بأنفسهم الولايات المتحدة.  حتى الان، لن تكسب أي حكومة عراقية أي مصداقية اذا لم تنحاز الى الرأي العام العراقي، الذي يطالب بشكل كاسح (سنة وشيعة على السواء) بانسحاب القوات الامريكية.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية