الاتحاد السوفيتي؟

ستيفان اف كوهن

ذي نيشن؛ 18 ديسمبر 2006.

وقع بشكل خيالي منذ 15 عام في موقع صيد منعزل في غابة بيلوفيزه بالقرب من مينسك حدث ترتبت عليه اعظم النتائج في النصف الثاني من القرن العشرين.  في الثامن من ديسمبر 1991، اجتمع هناك ثلاثة من رؤوس خمسة عشر جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي، بقيادة بوريس يلتسن رئيس الروسيا، لتوقيع وثائق الغاء تلك الدولة التي بلغت 74 عاما من العمر.

اختلفت ولا تزال تختلف بعمق ردود الافعال على انهاء الاتحاد السوفيتي.  بالنسبة للاغلبية الساحقة من المعلقين الامريكيين، كانت تلك نقطة تحول لا لبس فيها في تاريخ روسيا والعالم.  وبينما اصبح سريعا تفكك السوفيت لحظة فارقة في الرواية الجديدة للانتصارات الامريكية، تناسى الجميع ما كانت تأمله الحكومة الامريكية من نجاح لاصلاحات جورباتشوف الديموقراطية واصلاحاته للسوق عام 1985-1991 تلك الامال التي كانت تتمنى الحفاظ على الاتحاد السوفيتي.  توصف روسيا الان في وسائل الاعلام على انها كانت "سبع عقود لدولة بوليسية قاسية وباطشة"، تاريخ "كل فصل منه ينضح شرا كما كنا نعتقده فعلا – وفعليا اسوأ مما توقعناه".  احد كتاب الاعمدة في النيويورك تايمز افترض أن "روسيا فاشية" يمكن ان تكون حتى "شيئا افضل مما كانته كثيرا".

وقد كان رد فعل الاكاديميين المتخصصين الامريكيين مماثلا، وإن كان كل بطريقته الخاصة.  مع استثناءات قليلة، ارتد هؤلاء الاكاديميون، متناسين ايضا ما كانوا قد كتبوه مؤخرا جدا، الى استخدام القوالب المحفوظة الجاهزة في الشئون السوفيتية في حقبة ما قبل جورباتشوف بأن النظام كان دائما عصيا على الاصلاح ومحكوم عليه بالفناء.  النظرة الاكاديمية المعارضة التي افترضت وجود احتمالات اخرى في تاريخ السوفيت، "طرق لم يسلكها بعد"، رفضت بوصفها "افكار غير ممكنة" تقوم على اوهام "مبهمة" ان لم تكن غير موالية.  اصلاحات جورباتشوف، رغم انها قد فككت بشكل ملحوظ ديكتاتورية الحزب الشيوعي، كانت "وهج بلا نار"، ولذلك مات الاتحاد السوفيتي نتيجة "لافتقاد البدائل".

وبالنتيجة، لم يعد معظم المتخصصين الامريكيين يتساءلون، حتى في ضوء المآسي الانسانية التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي في اعوام التسعينات، اذا ما كان اتحادا سوفيتيا اصلاحيا يمثل املا افضل لروسيا ما بعد الشيوعية او اي من جمهورياتها السابقة.  (ولم يتساءل حتى اي معلق من التيار السائد اذا ما كان الاتحاد السوفيتي بعد اصلاحه افضل بالنسبة للشأن العالمي).  على العكس، خلصوا بنتيجة، كما تصر السلطات الجامعية الرائدة، ان كل شيء سوفيتي يجب التخلص منه بواسطة "اجتثاث كامل البنيان بعلاقاته السياسية والاقتصادية".  مثل هذه الافكار اليقينية هي الان، طبعا، الافكار الوحيدة الصحيحة سياسيا في السياسة الامريكية، ووسائل الاعلام والدوائر الاكاديمية هناك.

اغلبية كبيرة من الروس، من الناحية الاخرى، من خلال استطلاعات الرأي التي اجريت بشكل منتظم في الخمسة عشر سنة الماضية، اظهروا بشكل جلي اسفهم على نهاية الاتحاد السوفيتي، ليس بسبب شغفهم "بالشيوعية" ولكن لانهم فقدوا دولة مألوفة لهم وطريقة آمنة للحياة.  وليس اقل اهمية، هم لا يشاركون الرأي الاجماعي تقريبا للغرب الذي يرى ان "انهيار" الاتحاد السوفيتي كان "امرا لا مفر منه" بسبب عيوب قاتلة موروثة به.  بدلا من ذلك يعتقد الروس، لاسباب وجيهة بالنسبة لهم، ان ثلاث عوامل "ذاتية" فجرت الاتحاد السوفيتي: الطريقة التي نفذ بها جورباتشوف اصلاحاته السياسية والاقتصادية؛ صراع السلطة الذي اطاح فيه يلتسين بالدولة السوفيتية من اجل التخلص من رئيسه جورباتشوف؛ ونخب البيروقراطية السوفيتية التي كانت تقبض على زمام الملكية العامة، نومينكلاتورا، الذين فضلوا "خصخصة" الثروة الهائلة التي كانت تملكها الدولة في 1991 اكثر من الدفاع عنها.

لذلك، معظم الروس، بمن فيهم حتى الطاغية المالي في حقبة ما بعد السوفيت والمسجون حاليا ميخائيل خودوركوفسكي، ما زالوا يرون في ديسمبر 1991 "مأساة"، وهو المنظور الذي يعبر عنه في القول المأثور: "اي شخص لا يأسف لانكسار الاتحاد السوفيتي هو شخص لا قلب له".  (بقية القول: واي شخص يعتقد ان الاتحاد السوفيتي من الممكن اعادة بناءه هو شخص لا رأس له").

اضافة الى ذلك، عدد متزايد من المثقفين الروس يصل الى قناعة ان شيء ما جوهري قد ضاع – فرصة تاريخية، احبطت عبر قرون، من اجل تحقيق تحديث اقتصادي وسياسي للأمة بواسطة اعادة تشكيل سوفيتية، بجورباتشوف او دونه، اي البريسترويكا، كما سماها جورباتشوف نفسه.  وبينما ادى تحطم الاتحاد السوفيتي الى عودة المتخصصين الامريكيين الى مفاهيم حقبة الحرب الباردة عن الحتمية التاريخية، فقد اقنع هذا الانهيار العديد من اندادهم الروس انه "توجد دائما بدائل في التاريخ" وان اعادة تشكيل سوفيتي كان واحدا من "البدائل الضائعة" – فرصة مقرطة روسيا وانشاء سوق لها بواسطة وسائل اكثر تدرجا، وعن طريق الاجماع، واقل ألما وخلقا للمعاناة، وهكذا اكثر منفعة واقل تكلفة، افضل من تلك الوسائل التي اتبعت بعد 1991.

سواء هل بعض نسخ معدلة من بريسترويكا جورباتشوف ام لا كانت فرصة ضائعة من اجل "التحويل الغير كارثي" لروسيا بدلا من "عملية التحديث الجارية الان بواسطة الكارثة" فتلك مسألة سوف يقررها المؤرخون.  ولكن الامر كان جليا في وقته، او لابد وانه كان واضحا، ان الطريقة التي انتهى بها الاتحاد السوفيتي – في ظروف كارثية تصمت امامها الروايات الامريكية الكلاسيكية تماما او تتحدث عنها بشكل خرافي – كانت نذر سيئة للمستقبل.  (احد الاساطير التي روجها مؤيدو يلتسين ليزعموا ان يلتسين انقذ البلاد من مصير دموي مثل يوغوسلافيا، هي ان تفكيك الاتحاد السوفيتي كان "سلميا".  في الواقع، الحروب العرقية الاهلية واشكال الصراع العنيف الاخرى سرعان ما نشبت في اسيا الوسطى ومنطقة عبر القوقاز، لتقتل مئات الالاف من المواطنين السوفيت سابقا وتزيح بشكل وحشي عددا من السكان يزيد حتى عن ذلك، وهي عملية ما زالت مستمرة حتى اليوم).

بشكل عام جدا، هناك متوازيات رهيبة جدا بين الانهيار السوفيتي وانهيار القيصرية في 1917.  في كلتا الحالتين، الطريقة التي انتهى بها النظام القديم نتج عنه تقريبا تدمير كامل للدولة في روسيا مما نكب البلاد بفوضى وصراع وبؤس ممتد.  يسمي الروس ما تلى ذلك من احداث بكلمة ’سمطا‘ (smuta)، وهو مصطلح مشبع بالرعب القاتل مشتق من التجارب التاريخية السابقة ولا يستخدم في الترجمة المعتادة، "زمن المشاكل".  فعليا، في هذا المقام، انتهاء الاتحاد السوفيتي ربما لا يمت بعلاقة الى الطبيعة الخاصة لذلك النظام اكثر من علاقته بما يلي الانهيارات في التاريخ الروسي.

التماثلات بين 1991 و1917، رغم ما بينهما من اختلافات هامة، كانت تماثلات ذات مغزى.  مرة اخرى، الامال في تقدم ارتقائي نحو الديموقراطية، والازدهار والعدالة الاجتماعية تم سحقها؛ مجموعة صغيرة من الراديكاليين، هذه المرة حول يلتسين، فرضت تدابير قاسية على الامة؛ صراع وحشي حول الملكية والاقاليم مزق مؤسسات وهيئات دولة شاسعة متعددة العرقيات شر ممزق؛ دمر المنتصرون الهياكل الاقتصادية والهياكل الاساسية الاخرى من اجل بناء هياكل اخرى من جديد، "كما لو لم يكن لدينا ماضي".  مرة اخرى، تصرفت النخب باسم مستقبل افضل ولكنها خلفت وراءها مجتمع منقسم انقساما مريرا حول "اسئلة لعينة" اخرى مطروحة على روسيا بشكل دائم – لماذا حدث ذلك.  ومرة اخرى دفع الشعب الثمن.

كل تلك الملخصات انكشفت للعلن، وسط اتهامات متبادلة (وباقية) بالخيانة، اثناء الثلاثة اشهر من اغسطس حتى ديسمبر 1991، عندما دمروا الاتحاد السوفيتي الى شظايا.  بدأت الفترة وانتهت بانقلابات (كما في 1917) – اولا تمردا عسكريا فاشلا ضد جورباتشوف نظمه وزراءه انفسهم في وسط موسكو، والثاني تصفية يلتسين للدولة ذاتها في غابة بيلوفيزه.  بلغت الفترة اوجها في ثورة من اعلى ضد النظام السوفيتي للسلطة والملكية بواسطة نخب السوفيت انفسهم.  استخلص الروس من ذوي الاراء المختلفة، عند النظر الى الوراء، انه اثناء تلك الشهور كلف التطرف السياسي والطمع الغير محدود الروس فرصة التقدم الديموقراطي والاقتصادي.

بالتأكيد، من الصعب تصور تصرفا سياسيا اكثر تطرفا من الغاء ما كان، رغم كل ازماته وعيوبه، ما زال دولة نووية عظمى يعيش بها 286 مليون مواطن.  ومع ذلك، فعلها يلتسين، كما يقر بذلك حتى المتعاطفين معه، بقصد وبطريقة لم تكن "شرعية ولا ديموقراطية".  ابتعاد عميق تام عن التزام جورباتشوف بالاتفاق الاجتماعي والدستورية، طبقا لتوصيف العديد من الكتاب الروس وحتى قلة من الكتاب الغربيين.  وكان محتما ان تتابعات ذلك عرضت عملية المقرطة التي تحققت اثناء سنوات البريسترويكا الست السابقة الى الخطر والموت.

وعد يلتسن ومعاونيه، على سبيل المثال، ان تدابيرهم المتطرفة كانت "تدابير استثناءية"، ولكن كما حدث سابقا في روسيا، واكثرها حداثة اثناء الارغام الجبري لتعاونيات الفلاحين اثناء عهد ستالين في 1929-1933، تطورت تلك التدابير الى نظام حكم.  (التدابير المشابهة التالية، وهي تدابير تم التخطيط لها مسبقا، كانت "العلاج بالصدمة" الاقتصادية).  تلك الخطوات الاولية ايضا لديها منطقا سياسيا ابعد.  جماعة يلتسين الحاكمة، وقد انهت الدولة السوفيتية بطريقة افتقدت الشرعية القانونية والشعبية – في استفتاء تم قبلها بتسعة اشهر فقط، 76% من النتائج صوتت لصالح الابقاء على الاتحاد – هذه الجماعة سرعان ما اصبحت تخشى الديموقراطية الحقيقية.  على الاخص، اخبرنا روسيون ديموقراطيون حقا بشكل موثق، ان قضايا مثل وجود برلمان مستقل ومنتخب بحرية وامكانية النزول عن السلطة باي اسلوب قد اثيرت واصبحت تهديدا حقيقيا، وبالتالي شبح "التقديم للمحاكمة والسجن".  وفعليا، سرعان ما اعقب ذلك الاطاحة المسلحة ليلتسن بالبرلمان الروسي.

لم تخف الابعاد الاقتصادية لبيلوفيزه ما اعقبها من نتائج.  حل الاتحاد دون اي مراحل تحضيرية هشم اقتصادا على مستوى عال من التكامل.  اضافة الى استفحال تدمير الدولة، قرار بيلوفيزه كان سببا كبيرا لانهيار الانتاج عبر الاقاليم السوفيتية السابقة، وهو الانتاج الذي انخفض الى النصف طوال حقبة التسعينات.  وهذا بدوره ساهم في الفقر الجماعي الواسع والامراض الاجتماعية التي صاحبته، والتي ما زالت، طبقا لاقتصادي روسي مرموق من موسكو، "الحقيقة الكبرى" للحياة اليومية في روسيا اليوم.

جذور الدافع الاقتصادي خلف تأييد النخبة ليلتسين في 1991 كانت اكثر من متشعبة.  كما كتب احد مؤيدي يلتسن ذات مرة بعد ذلك بثلاثة عشر عام، "تقريبا كل شيء حدث في روسيا بعد 1991 كانت تحدده لحدود بعيدة جدا توزيع الانصبة في ملكية الاتحاد السوفيتي السابق".  هنا ايضا كانت هناك سوابق تاريخية محملة بالمعاني.  مرتان من قبل في روسيا القرن العشرين ملكية الامة الاصيلة تم مصادرتها – اقطاعيات كبار ملاك الارض الواسعة وارصدة البرجوازية الصناعية وارصدتها الكبيرة الاخرى في ثورة 1917 و1918، ثم ارض 25 مليون فلاح في عملية ستالين لفرض التعاونيات الفلاحية.  الاثار التي اعقبت كلا المرحلتين نكبت البلاد لسنوات عديدة تالية.

استولت النخب السوفيتية على الكثير من ثروة الدولة الهائلة، التي جعلوا تعريفها في القانون والايديولوجية لعقود طويلة من الاعوام بوصفها "ملكية كل الشعب"، دون اي اعتبار او نظر الى اجراءات عادلة او الرأي العام.  هذه النخب، للمحافظة على وضعهم المسيطر ولاغناء انفسهم، ارادوا ممتلكات الدولة الاكثر قيمة لتوزع بينهم من اعلى، دون مشاركة من اي هيئات تشريعية او اي هيئات تمثيلية اخرى للمجتمع.  وقد حققوا هذا الهدف اولا بانفسهم، من خلال "خصخصة تلقائية"، ثم، بعد 1991، من خلال مراسيم من الكرملين اصدرها يلتسين، الذي لعب، طبقا لوصف احد كبار المعاونين، "صاحب طاولة القمار الاول في تقسيم الانصبة".  ولكن كنتيجة لذلك، تلبست عملية الخصخصة من البداية، في كلمات دارس اخر من الدارسين الروس، "انعدام شرعية مزدوج" – في عيون القانون وفي عيون الشعب.

من السهل آنذاك توقع النتائج السياسية والاقتصادية.  اصحاب الممتلكات الجديدة، خوفا على ارصدتهم التي اكتسبوها بطريقة غير شفافة وحتى خوفا على حياتهم نفسها، والذين شكلوا نخبة ما بعد الحقبة السوفيتية، صمموا مثل يلتسين على تقييد او عكس مسار الديموقراطية البرلمانية الانتخابية التي شرع فيها جورباتشوف.  جاهدت النخب الجديدة في خلق نوع من النظام السياسي الابوي، بدلا من هذه الديموقراطية الانتخابية، مكرس لخدمة ثروتهم ومفسد بسبب ثروتهم، وعلى احسن الفروض ديموقراطية "مدارة".  (ومن هنا اختيارهم لفيلاديمير بوتن، رجل الاجهزة الامنية الحيوي، ليحل محل الرئيس يلتسين العليل صحيا في 1999).  ولنفس السبب جما، اهتمت هذه النخب اكثر، وهي غير متأكدة من الوقت الذي سوف يستمر فيه احتفاظهم بتلك الثروة المهولة، في تهريب ملكياتهم اكثر من الاستثمار فيها.  النتيجة كانت انخفاضا قدره 80% في الاستثمار في الاقتصاد الروسي بنهاية التسعينات وحدوث عكس تحديث الامة، تخلفها الفعلي.

بأخذ كل تلك الظروف العصيبة في الاعتبار، لماذا يهلل هذا العدد الكبير من المعلقين الامريكين السياسيين والصحفيين والدارسين انفجار الاتحاد السوفيتي بوصفه "انطلاقا" نحو الديموقراطية ورأسمالية السوق الحر؟  حيث يتعلق الامر بروسيا، ردود افعال هؤلاء كانت، كالمعتاد، تقوم اساسا على ايديولوجية مناهضة للشيوعية واساطير متفائلة، ولا تقوم على حقائق معاصرة او تاريخية.  وقد علق بمرارة فيلسوفا موسكوفيا، مشيرا الى قصر نظر جانب من الشعب الساعين الى تدمير الدولة السوفيتية، "صوبوا ناحية الشيوعية ولكنهم اصابوا روسيا".

احد اكثر الاساطير الايديولوجية المحيطة بنهاية الاتحاد السوفيتي كانت، نقلا عن كلا من احد كتاب اعمدة صحيفة التايمز واحد كبار المؤرخين الامريكيين، ان الاتحاد السوفيتي "انهار بايادي شعبه انفسهم" وجلب الى السلطة في روسيا "يلتسين والديموقراطيين" – حتى "قادة اخلاقيون" – مثلوا هذا الشعب.  لم تخول او تشرع اي ثورة شعبية ولا انتخابات قومية ولا استفتاء وطني هذا التحطيم، ولا يوجد شاهدا ماديا واحدا على هذه الفرضية.  فعليا، كل شيء يرجح بشدة تفسيرات مختلفة جدا، وهذا ما استخلصه معظم الروس منذ زمن طويل.

فيما يخص دور يلتسين، حتى معظم القادة صانعي الحدث يحتاجون الى مؤيدين لتنفيذ الاحداث التاريخية.  الغى يلتسين الاتحاد السوفيتي في 1991 بدعم من تحالف له مصالح خاصة.  كل جماعات هذا التحالف اطلقوا على انفسهم اسم "الديموقراطيين" و"الاصلاحيين"، ولكن اثنين اكثر اهمية لم يكونا على الارجح حلفاء: النخب الجديدة التي كانت تسعى خلف "رائحة الممتلكات كسعي الذئب خلف الفريسة"، في الكناية الفاضحة لرئيس وزراء يلتسن نفسه، وارادت الممتلكات اكثر كثيرا من اي نوع من الديموقراطية او منافسة السوق الحرة؛ وجناح موال للديموقراطية بشكل صريح من النخبة المثقفة.  اصطدم الجانبان بشكل واسع في 1991 ، بوصفهم الاعداء التقليديون في النظام السوفيتي ما قبل جورباتشوف، لأن افكار السوق الراديكالية لنخبة المثقفين بدت انها تبرر الخصخصة للنخب الحاكمة.

ولكن معظم المثقفين ذوي النفوذ الموالين ليلتسين، الذين لعبوا دورا رائدا في حكومته في حقبة ما بعد السوفيت، لم يكونوا رفقة رحلة بمحض المصادفة ولا ايضا ديموقراطيين حقيقيين.  منذ اواخر الثمانينات، اصروا على ان اقتصاديات السوق الحر والملكية الخاصة الكبيرة يجب فرضها على مجتمع روسي متحجر بنظام ذي "قبضة حديدية".  "هذه القفزة الكبرى"، كما هللوا لها، سوف تتبنى سياسات "شديدة وغير جماهيرية" تنتج عنها "سخط جماعي" وذلك سوف يحتم ضرورة "اتخاذ تدابير غير ديموقراطية".  ومثلهم مثل النخبة الباحثة عن الملكية، هؤلاء المثقفون رأوا في الهيئة التشريعية المنتخبة حديثا في روسيا عقبة.   المعجبون بالجنرال اغسطو بينوشيه، الذي فرض بوحشية التغييرات الاقتصادية في شيلي، يقولون عن يلتسين، الذي هو الان قائدهم، "دعه يكون ديكتاتورا!"  وقد هللوا، بشكل لا يثير الدهشة، (ومعهم حكومة الولايات المتحدة ووسائل الاعلام السيارة هناك) ليلتسين عندما استخدم الدبابات لتدمير البرلمان الروسي المنتخب شعبيا في 1993.

لا تزال البدائل الاقتصادية والاجتماعية في روسيا قائمة بعد 1991.  ما زال امامها نضالات وقرارات مصيرية.  وليس هناك عامل من العوامل التي ساهمت في انهاء الاتحاد السوفيتي غير قابل للهزيمة او ذو طبيعة حتمية.  ولكن حتى لو كانت الطموحات الديموقراطية وطموحات السوق الصحيحة هي من بين هذه العوامل، فالطموح الجامح الى السلطة، والانقلابات السياسية وجشع النخب، والافكار المتطرفة والشعور المنتشر بعدم الشرعية والخيانة موجود كذلك.  تستمر كل تلك العوامل في لعب دورها بعد 1991، ولكن ينبغي توا ان يتضح ايها سوف يسود في نهاية الامر.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية