جريمــة في الأقصــر

وائل عباس

يناير 2007

في المشهد المسرحي الذي نقله التليفزيون المصري للرئيس مبارك ومعه مجموعة من الوزراء والدكتور أحمد نظيف وجمع مجهول الهوية في صالة صغيرة مكيفة بالأقصر ، صفق الحاضرون طويلا للرئيس مبارك عندما سأل شارح المشروعات أمامه عن نزع ملكية بعض الأراضي من المزارعين من أجل إقامة مرسى سياحي عالمي ، حيث طلب الرئيس منه أن يعوضوا المزارعين بقطع أراضي بديلة في الصحراء ، فصفق الحاضرون تصفيقا حارا للمبادرة "الحنونة" من السيد الرئيس .

 لكن ما لم يقولوه للرئيس في الشرح أن هذه الأراضي التي تعتبر من أخصب الأراضي الزراعية المتاخمة للنيل في منطقتي الضبعية والماريس بالأقصر تصل إلى خمسمائة فدان من أجود وأخصب أنواع الأراضي الزراعية في مصر ، مائة وأربعون منها في الضبعية وثلاثمائة وستون منها في الماريس ، يملكها ملكية قانونية مزراعون بسطاء توارثوها عن أجدادهم وكل ذرة من طينها ممزوجة بعرقهم الجميل على مدار السنين ، ألف وخمسمائة أسرة تعيش على خير هذه الأرض الطيبة ، الباشاوات في القاهرة استكثروا على هؤلاء المصريين الغلابة البسطاء أن يملكوا مثل هذه الأراضي الجميلة والخصبة على نهر النيل ، ورأوا أن إقامة قرى سياحية يسكنها "السواح" أهم من قرى مصرية يسكنها المواطنون الصعايدة الفقراء ، وبالتالي صدر القرار بنزع الملكية من أجل إقامة منشآت سياحية كقرى سياحية ومرسى للمراكب النيلية لعدد من المستثمرين الأجانب منهم مستثمر إسباني كبير بالإضافة إلى نجيب ساويرس .

 وتنتظر جحافل الأمن المركزي الآن على أهبة الاستعداد لانتهاء محصول القصب الأخير من أجل تحريك كتائب التحرير لمطاردة أصحاب الأرض وسحلهم في طينها إذا هم رفضوا الخروج .

الأهالي من جانبهم أعلنوا أنهم لن يتركوا أرضهم وأرض أجدادهم وأنهم يفضلون الموت في طينها على تركها للأجانب أو حتى لمصريين آخرين لمجرد أنهم يملكون المال والنفوذ والجاه والقرب من السلطان ، بينما هؤلاء البسطاء الغلابة مجرد "همل" من ملايين "الهمل" الذين تصفهم الأوراق الرسمية بأنهم "مواطنون" ، والرأي العام ينتظر خلال الشهرين المقبلين نتائج المعركة الحاسمة "لتطهير" أرض الضبعية والماريس من المصريين لتسليمها إلى الخواجات والمعلم ساويرس من أجل مواصلة احتلاب كل شبر عليه العين من تراب مصر ، لا أعرف ما هي المعلومات التي وصلت للرئيس مبارك بالضبط في هذا الموضوع .

 ولكن الأهم الآن أن يكون هناك شرفاء في هذا الوطن يعلنون تضامنهم مع مزارعي الأقصر الغلابة الذين ينتظرون الطرد من أرضهم أو الموت تحت سنابك خيل الحكومة أو مدرعات الشرطة إذا هم تمسكوا بأرض أجدادهم  .

وإذا كان المعلم ساويرس ورفاقه الأسبان والطلاينة وغيرهم يبتغون الخير لهذا البلد أو الإسهام في نهضته أو تطوير النشاط السياحي فيه فليذهبوا هم لتعمير الصحراء أو ينتقوا قطع أراضي يباب أخرى تكون قريبة من مجرى النهر الخالد ليعمروها ويحيوا مواتها بدلا من التواطؤ على تخريب الأرض الطيبة والمعطائة التي لم تكل على مدار آلاف السنين من منح المصريين خيرها وبركتها ، وبدلا من السطو والاعتداء على حقوق مواطنين وملكيتهم التي هي "مقدسة" وفق القانون ووفق الدستور الذي لم يتعدل بعد .

 ومن جهتي أعتبر هذا نداءا إلى المنظمات الحقوقية في مصر وخارجها للتضامن مع ضحايا هذه الاستباحة ، ولوقف مسلسل يبدو أنه لا ينتهي من الاستهتار بكرامة المصريين وآدميتهم .

الوعي المصري
http://www.misrdigital.com
http://misrdigital.blogspirit.com 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية