العولمة تتراجع

والدن بيللو

17 يناير 2007.

العولمة عندما اصبحت لاول مرة جزءا من قاموس اللغة الانجليزية في اوائل التسعينات، كان من المفترض انها موجة المستقبل.  بعد مضي 15 سنة، كتابات مفكري العولمة من امثال كينيتشاي اومئي وروبرت رايخ احتفلت بمقدم نهوض ما سمي وقتها عالم بلا حدود.  العملية التي سوف تصبح بها الاقتصاديات القومية المستقلة نسبيا متكاملة وظيفيا في اقتصاد كوكبي واحد تم وشمها بأنها "عملية لا تمكن من الرجوع لما قبلها".

اما الناس الذين عارضوا العولمة تم اسقاطهم من الحسبان احتقارا لهم واعتبروهم تجسيدا عصريا لفرق اللوديتيون الذين كانوا يحطمون الالات في بداية الثورة الصناعية.

بعدها بخمسة عشر عاما، رغم الماركات الاستهلاكية الكوكبية وتنويع مصادر الانتاج، ما جرى للاقتصاد الدولي ابقاه كمجموعة من الاقتصاديات القومية.  هذه الاقتصادات تعتمد على بعضها البعض بلا شك، ولكن العوامل الداخلية فيها ما زالت بشكل واسع تحدد ديناميكياتها.

بلغت العولمة، في الواقع، قمة وضوح بصمتها على الدنيا وتبدأ في الانحسار.

تنبؤات مضيئة، ونتائج مرعبة

اثناء ايام العولمة الزاهية، اخبرونا انه لم تعد سياسات الدول بذات الاهمية وان الشركات المتعدية الجنسيات العملاقة سوف تتضاءل الدول ازاءها.  في الواقع، ما زالت الدول مهمة.  الاتحاد الاوروبي، وحكومة الولايات المتحدة، والدولة الصينية هم لاعبون اقتصاديون مهمون اليوم اكثر مما كان من عقد من الزمان.  في الصين، مثلا، الشركات المتعدية الجنسيات تمضي منسجمة مع صوت الدولة اكثر منها وفق طريقتها الخاصة.

اكثر من ذلك، سياسات الدولة التي تتدخل في السوق من اجل بناء هياكل صناعية او مشاريع عمالة ما زالت تصنع فرقا.  فعليا، خلال العشر سنوات الاخيرة، السياسات التدخلية للحكومات هي التي حددت الفرق بين التنمية والتخلف، والفرق بين الازدهار والفقر.  فرض ماليزيا قيودا على الرأسمال اثناء الازمة المالية الاسيوية في 1997-1998 منعت ماليزيا من التحلل كما حدث في تايلاند او اندونيسيا.  قيود الرأسمال الشديدة ايضا شكلت حماية للصين من الانهيار الاقتصادي الذي ابتلع جيرانها.

منذ خمسة عشر عاما، قالوا لنا توقعوا ظهور نخبة رأسمالية متعدية الجنسية سوف تدير اقتصاد العالم.  فعليا، اصبحت العولمة "استراتيجية عظمى" لادارة كلينتون، التي ارتأت في النخبة الامريكية اول اقرانها في تحالف كوكبي تقود الطريق نحو النظام العالمي الجديد الحميد.  اليوم، انهار هذا المشروع ركاما.  اثناء حكم جورج دابليو بوش، الفصيل القومي اكتسح الفصيل المتعدي الجنسية من النخبة الاقتصادية.  الدول التي نكبتها النزعة القومية تتنافس الان بشكل حاد مع بعضها البعض، ساعية الى افقار اقتصاد الاخر.

منذ عقد من الزمان، ولدت منظمة التجارة العالمية، منضمة الى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كاعمدة لاركان نظام الحاكمية الدولية الاقتصادية في حقبة العولمة.  في جو احتفالي للمنتصرين، رأى مسئولو المنظمات الثلاث في لقاءهم بسنغافورة اثناء المؤتمر الوزاري الاول لمنظمة التجارة العالمية في ديسمبر 1996، رأوا ان المهمة الباقية امامهم "الحاكمية الكوكبية" بوصفها تحقيق "التماسك والترابط" – اي، تنسيق السياسات النيولبرالية للمنظمات الثلاث من اجل تأمين التكامل السلس والتكنوقراطي للاقتصاد العالمي.

ولكن الان، سباستيان مالابي، المعلق الصحفي القوي النفوذ والمناصر للعولمة في صحيفة الواشنطن بوست، يشكو من ان "تحرير التجارة قد تجمد، والمعونة اقل تماسكا وانسجاما عما يجب ان تكون عليه، والالتهاب المالي القادم سوف يتم التعامل معه بواسطة رجال المطافئ".  في الواقع، الاوضاع اسوأ من وصف سباستيان لها.  صندوق النقد الدولي عمليا جثة هامدة.  البلاد النامية الاكثر تقدما، وقد علمت كيف ساعد دور الصندوق في تعميق وتفاقم الازمة المالية الاسيوية، المزيد والمزيد من هذه البلاد ترفض الاستدانة منه او تدفع اقساط الديون قبل مواعيدها، مع البعض منهم يعلن نيتهم في الا يستدينوا ابدا مرة اخرى منه.  من هذه البلاد اندونيسيا وتايلاند والبرازيل والارجنتين.  وحيث ان ميزانية الصندوق تعتمد لحد كبير على تسديد الديون المستحقة له من هؤلاء المستدينين الكبار، تلك المقاطعة تترجم في ما وصفه احد الخبراء "كتقليص هائل في ميزانية المنظمة".

ربما يبدو البنك الدولي في صحة افضل من الصندوق.  ولكن لوضعه المحوري في كوارث سياسات الاصلاح الهيكلي التي تركت معظم الاقتصاديات النامية والانتقالية التي طبقتها في فقر اكبر وانعدام مساواة اكبر، وفي حالة من الركود، يعاني البنك ايضا من ازمة في شرعيته.  ويمكن ان يسوء وضعه اكثر فقط بواسطة الاكتشاف الاخير الذي خرجت به هيئة خبراء رسمية عالية المستوى يترأسها الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي كينيث روجوف بأن البنك كان يستخدم بشكل منهجي بياناته للترويج لمواقفه المناصرة للعولمة مع اخفاء البيانات الدالة على الاثار السلبية للعولمة.

ولكن ازمة تعددية الاطراف هي ربما اكثر حدة في منظمة التجارة العالمية.  في يوليو الماضي، المفاوضات الكوكبية لجولة الدوحة لمزيد من تحرير التجارة انحلت بشكل مفاجئ عندما تعطلت المحادثات بين ما يسمى جماعة الستة بعد تلاسن حول رفض الولايات المتحدة لتحريك دعمها المالي الهائل للزراعة.  الاقتصادي الامريكي المناصر للتجارة الحرة فرد برجستن قارن ذات مرة بين تحرير التجارة ومنظمة التجارة العالمية وبين الدراجة: انهما يقعان عندما لا يتحركا الى الامام.  انهيار المنظمة التي وصفها احد مدراءها العامين ذات مرة "بأنها جوهرة التاج لتعددية الاطراف" قد يكون اقرب مما يبدو.

لماذا تجمدت العولمة

لماذا سقطت العولمة؟  اول كل شيء، تم الترويج لفكرة العولمة بطريقة مبالغ فيها.  الجسم الاساسي للانتاج والمبيعات لمعظم الكوربوريشن المتعدي الجنسيات استمر داخل البلد او منطقة المنشأ.  يوجد القليل فقط من الكوربوريشن الكوكبي فعلا الذي يوزع انتاجه ومبيعاته بشكل متساوي نسبيا عبر المناطق في العالم.

ثانيا، بدلا من صياغة موقف جماعي تعاوني تجاه ازمات فيض الانتاج، والركود، والخراب البيئي، نخب الرأسمالية القومية تنافست مع بعضها البعض لحرف عبء اعادة التكيف عن كاهلها.  ادارة بوش، مثلا، نفذت اجباريا سياسة الدولار الضعيف لترقية تعافي الاقتصاد الامريكي ونموه على حساب اوروبا واليابان.  وقد رفضت هذه الادارة ايضا توقيع اتفاقية كيوتو من اجل دفع اوروبا واليابان الى استيعاب معظم التكلفة لاصحاج بيئة الكوكب وهكذا تجعل من الصناعة الامريكية اكثر قدرة على المنافسة.  ورغم ان التعاون قد يكون الاختيار الاستراتيجي العقلاني من وجهة نظر النظام الرأسمالي الكوكبي، مصالح الرأسماليات القومية تهتم اساسا بألا تخسر لمصلحة منافسيها في المدى القريب.

العامل الثالث هة التأثير المميت للمعايير المزدوجة التي تظهر بها القوة المهيمنة بشكل فج، الولايات المتحدة.  بينما حاولت ادارة كلينتون فعلا ان تحرك الولايات المتحدة نحو التجارة الحرة، قامت ادارة بوش بشكل منافق بالتبشير بالتجارة الحرة بينما مارست سياسات الحماية الجمركية.  فعليا، السياسة التجارية لادارة بوش تبدو كما لو كانت تدعو للتجارة الحرة لبقية العالم والحماية الجمركية للولايات المتحدة.

رابعا، وجد اختلاف كبير جدا بين الوعد الذي توعد به العولمة والتجارة الحرة والنتائج الفعلية للسياسات النيوليبرالية، وهي مزيد من الفقر، ومزيد من عدم المساواة، والركود.  واحد من الاماكن القليلة التي انخفض فيها الفقر طوال الخمسة عشر عاما الماضية هي الصين.  ولكن سياسات تدخل الدولة التي ادارت قوى السوق هناك، وليس الوصفة النيوليبرالية، كانت مسئولة عن رفع 120 مليون من تحت خط الفقر.  اكثر من ذلك، المدافعين عن انهاء القيود على الرأسمال كان عليهم مواجهة الانهيار الفعلي للاقتصاديات التي اتبعت هذه السياسات باخلاص.   عولمة الماليات جرت باسرع مما جرت به عولمة الانتاج.  ولكن ذلك برهن على انه كان قمة الفوضى وليس الازدهار.  الازمة المالية الاسيوية وانهيار اقتصاد الارجنتين، وكلاهما مارس تحرير الرأسمال المالي حرفيا، كانتا لحظتين حاسمتين في تمرد الواقع ضد النظرية.

هناك عامل اخر فكك مشروع العولمة مستمد من هوس العولمة بالنمو الاقتصادي.  فعليا، النمو الغير متناهي هو بيت القصيد للعولمة، وهو المنبع الاصلي لشرعيتها.  بينما يستمر تقرير حديث للبنك الدولي – للدهشة – في امتداح النمو السريع كمفتاح لتوسيع الطبقة المتوسطة الكوكبية، بينما ارتفاع حرارة الكوكب، وبلوغ ذروة انتاج النفط، وحوادث بيئية اخرى يوضح جليا للشعوب ان معدلات وانماط النمو التي جاءت مع العولمة هي وصفة شيطانية مؤكدة ليوم قيامة بيئي.

العامل الاخير، دون ان نقلل من قيمته، كان هو المقاومة الشعبية للعولمة.  معارك سياتل في 1999، وبراج في 2000، وجنوا في 2001؛ المسيرة الكوكبية الهائلة ضد الحرب في 15 فبراير 2003، عندما اتخذت الحركة المناهة للعولمة شكل حركة مناهضة الحرب العولمية؛ انهيار اللقاء الوزاري في كانكون عام 2003 وشبه الانهيار في هونج كونج 2005؛ ورفض الشعبين الفرنسي والهولندي لمشروع الدستور الاوروبي النيوليبرالي والمناصر للعولمة في 2005 – كل هذه الاحداث كانت مفارق طرق طوال عقد كامل من الزمان في مناهضة العولمة اجبرت المشروع النيوليبرالي على التراجع.  ولكن كل هذه الاحداث الضخمة المميزة كانت فقط قمة جبل الثلج، وهي تجميع لالاف من الكفاحات المناهضة للنيوليبرالية والعولمة في الاف من المجتمعات عبر العالم واشتملت على ملايين الفلاحين والعمال والطلاب والسكان الاصليين وقطاعات عديدة من الطبقات الوسطى.

سقطت ولكن لم تنته

ربما سقطت العولمة التي تقودها الكوربوريشن، ولكنها لم تخرج من المسرح بعد.  ورغم ان هذه العولمة فقدت مصداقيتها، الا ان العديد من السياسات النيوليبرالية المناصرة لها ما زالت مستمرة في العديد من الاقتصادات، ويعود ذلك لنقص مصداقية ومعقولية السياسات البديلة في اعين التكنوقراط.  ورغم جمود المواقف في منظمة التجارة العالمية، ترسخ القوى التجارية الكبرى اتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات الشراكة الاقتصادية مع البلاد النامية.  هذه الاتفاقات من اوجه عدة اكثر خطورة من اتفاقات منظمة التجارة العالمية متعددة الاطراف حيث انها تتطلب غالبا تنازلات اعظم في بنود الوصول الى الاسواق والزام اشد بحقوق الملكية الفكرية وسريان احكامها جبريا.

الا ان الامور لم تعد بهذه السهولة امام الكوربوريشن والقوى التجارية الكبرى.  ازيح النيوليبراليون المذهبيون من المناصب الحاكمة، مفسحين المجال للتكنوقراط البراجماتيين الذين غالبا ما يتسببون في تخريب السياسات النيوليبرالية اثناء الممارسة تحت الضغوط الشعبية.  واما بخصوص اتفاقيات التجارة الحرة، اصبح الجنوب الكوكبي مدركا بمخاطرها وبدأ في مقاومتها.  تحت ضغط المواطنين اوقفت حكومات اساسية في امريكا الجنوبية مسار اتفاقيات التجارة الحرة للامريكتين – خطة جورج بوش العظمى في النصف الغربي من الكرة الارضية – اثناء مؤتمر مار ديل بلاتا في نوفمبر 2005.

ايضا، كان احد الاسباب التي قاوم فيها العديد من الناس رئيس الوزراء التايلاندي تاكسين شيناواترا قبل الانقلاب الاخير الذي اطاح به هو اندفاعه نحو ابرام اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة.  فعليا، في يناير هذا العام، حاول اكثر من 10 الاف متظاهر اجتياح بناية شيانج ماي، في تايلاند، كالعاصفة حيث كان مسئولي الولايات المتحدة وتايلاند يتفاوضون حولها.  الحكومة التي خلفت حكومة تاكسين اوقفت مفاوضات الاتفاقية بين البلدين، بينما الهم نجاح الجهود التايلاندية باقي الحركات التي تكافح من اجل ايقاف الاتفاقيات التجارية المماثلة في اماكن اخرى من العالم.

تراجع العولمة النيوليبرالية ملحوظ بشكل اعظم في امريكا اللاتينية.  بوليفيا برئاسة الرئيس موراليس، الواقعة منذ زمن طويل تحت وطأة استغلال عمالقة الطافة الاجانب في العالم، أممت مصادر الطاقة لديها.  اعطى نستور كيرشنر رئيس الارجنتين مثالا لكيفية قدرة حكومات البلدان النامية على مواجهة الرأسمال المالي وهزيمته عندما اجبر حملة السندات الشماليين على قبول فقط 25% من كل دولار من ديون الارجنتين لهم.  شن هيوجو شافيز خطة طموحة للتكامل الاقليمي، البديل البوليفاري للامريكتين، القائم على اساس تعاون اقتصادي من نوع فريد بدلا من التجارة الحرة، مع مشاركة قليلة او دون مشاركة من الشركات المتعدية الجنسيات في الشمال، هذا التعاون مدفوع بواسطة ما يصفه شافيز نفسه بأنه "منطق ما بعد الرأسمالية".  (انظر مقالة دييجو ازي وديفيد هاريس، "اجابة البديل البوليفاري للامريكتين من فنزويلا على "التجارة الحرة")

العولمة من خلال منظور

من نقطة مميزة اليوم، لا تبدو العولمة انها على اعتاب مرحلة جديدة اعلى في تطور الرأسمالية ولكنها تبدو كاستجابة على ازمة هيكلية واضحة للعيان لهذا النظام من الانتاج.  العولمة، بعد خمسة عشر عاما من التهليل لها كموجة جديدة للحياة في المستقبل، تبدو اقل من "مرحلة جديدة جريئة" للمشروع الرأسمالي عن كونها محاولة يائسة من الرأسمال الكوكبي للافلات من الركود والاختلال الذي يجتاح الاقتصاد الكوكبي منذ السبعينات والثمانينات.  انهيار انظمة الاشتراكية المركزية في وسط وشرق اوروبا حرف انتباه الناس عن هذه الحقيقة في اوائل التسعينات.

لا تزال العديد من الدوائر التقدمية تعتقد ان المهمة المباشرة هي "جعل العولمة اكثر انسانية"، مهما كانت العولمة قوة آفلة.  تشبه النزاعات الاقتصادية والسياسية المتعددة اليوم اذا ما كانت تشبه اي شيء الفترة التي اعقبت نهاية ما يشير اليه المؤرخون بوصفه الحقبة الاولى من العولمة، التي امتدت من 1815 الى نشوب الحرب العالمية الاولى في 1914.  المهمة العاجلة ليست تحويل مسار العولمة التي تقودها الكوربوريشن الى اتجاه "ديموقراطي اجتماعي" ولكن ادارة عملية تراجعها حتى لا تتسبب في نفس الفوضى والنزاعات التي ميزت افولها في تلك الحقبة الاولى.

والدن بيللو: استاذ علم الاجتماع في جامعة الفلبين والمدير التنفيذي لمعهد الابحاث والنضال فوكا س على جنوب الكوكب ومقره بانجوك.  ظهرت هذه المقالة بتوسع في العدد الاخير من فصلية العالم الثالث بعنوان: "مفترق طرق الرأسمالية: التراكم الزائد، والازمات المالية، وتراجع العولمة". 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية