الدين والعنف

ايه جيه تشيين

23 ديسمبر 2006.

عندما اقتبس البابا بينيديكت السادس عشر عن امبراطور بيزنطي ما نسبه لمحمد من اوامر "لنشر العقيدة التي يبشر بها بحد السيف"، اسرع الناقدون للبابا من المسلمين ومن غير المسلمين بالاشارة الى ان النقد الموجه للاسلام يجب توجيهه بنفس القدر الى المسيحية.  تقف الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش كأمثلة واضحة على ذلك.  واصبح من اللائق ان نذكر عقيدة البابا نفسها، ولكن يستطيع المرء ايضا ذكر، قل مثلا، العنف القاتل ضد المسلمين الذي يرتكبه القوميون الهندوس في جوجارات، وارهاب عصابات شتيرن والمتطرفين اليهود الاخرين الذي يستلهمونه من رؤى اسرائيل التوراتية، او مؤامرة زن البوذية في جرائم الحرب اليابانية في القرن العشرين.  من منظور ميكروسكوبي للتاريخ على الاقل، من السهل نسف وهم ان هناك أي صلة بين الاسلام والعنف لا تشاركه فيها باقي الاديان الكبرى الاخرى.

ولكن ليس من السهل لهذا الحد القول أي صلة تلك التي تربط الاديان بالعنف.  فكر بموقفين متعارضين.  سام هاريس، في كتابه الاكثر مبيعا نهاية العقيدة، يجادل بأن الدين يؤدي منهجيا الى استخدام العنف لانه يطالب بتعطيل العقل: لأنه "لو ان التاريخ يكشف أي حقيقة قاطعة، فذلك لأن أي استقبال منا غير كاف للأدلة يستخرج منا بشكل منتظم اسوأ ما فينا".  بل، كثير من النص الذي يعتبر نصا مقدسا يشرع ويجيز بوضوح استعمال العنف ويحض عليه، مثلا العديد والعديد من الفقرات في العهد القديم التي يأمر فيها الرب بالابادة التامة لسكان ما او برجم الخطاة حتى الموت على اختلاف ذنوبهم.  تتبنى التوراة ايضا العبودية، والعقاب الجماعي، وقتل الاطفال الجماعي.  حقا، معظم انصار العقائد الكبرى لا يمارسون العنف ولا يقرأون كل نصوصهم المقدسة حرفيا.  ولكن هاريس يجادل بأن هؤلاء المعتدلين يقدمون دروعا تصون الاصوليون المتطرفون من وزر افعالهم العنيفة، وهم في نظرهم مؤمنون صادقون حقيقيون، عند اصرارهم على "التسامح" معهم وقبول اعذارهم.  هذا التسامح لا يسمح للمرء بأن يشير الى جذور المشكلة – "لنقل مثلا، ان التوراة والقرآن كلاهما يحتوي على جبال من كلام مبهم يحض على تدمير الحياة".  كتاب ريتشارد هاوكينز الاخير يحمل نفس الروح.

من الناحية الاخرى، قتل الموضوع بحثا ان الناس تميل لضبط معتقداتها الدينية طبقا لما هي عليه من طبيعة توا.  طبقا لهذه الرؤية، الدين لا يمثل دافعا حقيقيا حتى بالنسبة للاصوليين الذين يستخدمون العنف.  وكما يعلق برتراند رسل: "يميل الرجل الى المعتقدات التي تناسب عاطفته.  الرجال غلاظ القلوب يؤمنون برب قاسي ويستخدمون معتقداتهم للممارسة قسوتهم.  فقط الرجال الطيبون يؤمنون برب طيب، ويتصرفون باسلوب رحيم في كل الاحوال".  ويليام جيمس يقول: "نصب الشراك لليهود، واصطياد البدائيين، ورجم الكويكرز، وتغطيس البروتستانت، وقتل المورمون، ومذابح الارمن، تعبر عن الكراهية الانسانية البدائية للجديد، التي نتشارك كلنا فيما تخلف عنها من عدوانية فينا، وان الكراهية المولودة معنا ضد ما هو غريب عنا، وضد الرجال غريبي الاطوار والغير متوافقين في نظرنا، بأكثر مما تعبر عن الرحمة الايجابية على مختلف انواع الجناة.  الرحمة هي القناع، القوة الداخلية هي الفطرة القبائلية".  "قبائلية" ربما تعني المفارقة التاريخية.  ولكن الواقع هو ان الاديان تتجمع جغرافيا – حتى اننا نجد مثلا بلدان ومناطق مسيحية اكثر مما نجد مسيحيين موزعين بشكل عشوائي – مما يوضح ان ما يحدد عادة دين المرء هو التوافق مع الطائفة الاجتماعية التي ينشأ بينها (كما لاحظها راسل في مكان اخر).

عندما ننظر الى الامثلة بشكل اكثر قربا من عين الطير، كلا هذان الموقفان يمكن ان نالا دعما.  خذ الصليبيين مثلا.  لقد كان الاعتقاد لوقت طويل ان حماسة الصليبيين كانت تحركها دوافع الرغبة في الارض والمال بين الاوروبيين الذين تنموا مجتمعاتهم بسرعة.  ولكن طبقا لايمون دفي، اطروحات الدراسات العليا الحديثة تظهر ان تكلفة الحملات الصليبية كانت فادحة، دائما ما كانت في حاجة الى دعم مالي من عائلة المتطوع وربما رهن ارضه.  وهذا الامر يجعل اكثر قبولا فكرة ان هؤلاء الذين استجابوا لنداء البابا اوربان "للقضاء على هذا الجنس الشرير" من الكفرة المسلمين في اسيا الصغرى والقدس كان وراءهم فعلا دوافع دينية.  ولكن هناك جوانب اخرى مثل الحملة الصليبية الرابعة، التي كان المقصود منها اولا غزو مصر ولكنها انتهت الى تدمير بيزنطة، أي اصبحت غزو قام به المسيحيون الغربيون ضد المسيحيين الشرقيين.  فأولئك الغربيون طالما استهجنوا الكنيسة الارثوذكسية الشرقية وكذلك الحضارة التي عاشت فيها هذه الكنيسة.  (كلمة "بيزنطي"، مقصود بها معنى مركب جدا وغامض، ويعكس الاحساس التاريخي لبيزنطة عند حضارة اكثر جهلا).  لذا هنا تبدو "الفطرة القبائلية" باكثر مما يظهره النص المكتوب.

ولكن عموما، السلوك العنيف مثله مثل أي شيء اخر لديه اسباب عدة.  دعنا نرجع الى العلاقة بين الاسلام والارهاب المعاصر، وهو الاهتمام السائد الذي يعطي مغزى لملاحظات البابا بنيديكت.  ربما يمكننا الاتفاق مع لويزا ريتشاردسون في ان "لا يمكن ابدا ان يكون الدين هو السبب الوحيد للارهاب؛ بل الاحرى هي الدوافع الدينية مضفورة مع عوامل اقتصادية وسياسية" وعموما هم الدوافع الثلاث: الانتقام، والشهرة، ورد الفعل.  التقاط واحد فقط من هذه الدوافع المتعددة يعكس مصلحة ذاتية اكثر من ابراز حقيقة موضوعية.  كما علق الفيلسوف ان ار هانسون ذات مرة: "هناك اسباب عديدة وراء ’س‘ تساوي ما هناك من تفسيرات لـ ’س‘".  فكر في عدد اسباب الوفاة التي يمكن ان يعددها طبيب "للنزيف المتعدد"، ومحامي لاسباب "إهمال ارتكبه سائق السيارة"، وصانع السيارة لأسباب "عيوب في نظام الكوابح"، وبمخطط مدن لأسباب "وجود شجيرات تحجب الرؤية عند منعطف طريق حاد".

لذا بدلا من الاستمرار في تتبع عامل الدين، ربما علينا ان نفكر في قضية مختلفة: ما هي اسباب الارهاب التي يجب علينا في الولايات المتحدة ان نهتم بها اكثر ما يمكن؟

دعنا نأخذ اول دافع عند ريتشاردسون، الانتقام.  في سبتمبر الماضي، قبض على رجل اسمه نبيل جعورة في الاردن بعد ان فتح النار على مجموعة من السياح، وقتل احدهم.  طبقا لاحد كبار رجال الامن الاردنيين، لم يكن جعورة اسلاميا او عضوا في أي جماعة ارهابية.  ولكن اثنين من اخوته قتلا في معسكر لللاجئين في جنوب لبنان اثناء الاجتياح الاسرائيلي في 1982، وقد قرر الثأر لهما منذ ذلك الحين.  كان جعورة يبعد الفكرة عن ذهنه لسنوات عديدة، لان لديه اطفال يجب ان يرعاهم، حتى تم القبض عليه في اسرائيل لانه كسر الفيزا التي منحوها اياه لزيارة عائلته.  يفترض مروان شحاته، المتخصص في الحركات الاسلامية، ان "من المحتمل خروج جعورة من اسرائيل وقد انتوى ان يقدم على ما فعله.  الاحتلال الامريكي للعراق واسرائيل تستثير غضب كل مسلم مما جعلهم يفكرون في مسألة الثأر.  هذا الرجل لا يستطيع ان يصل الى الولايات المتحدة، لذا استهدف اقرب شيء يستطيع ان يصل اليه".

القضية تظهر، وإن لم تكن جوانبها واضحة حتى الان، ان الانتقام يكفي كدافع اضافة الى العوامل الدينية والعوامل الاخرى او بمفرده.  ومن الواضح ايضا، القضية تظهر لماذا تجد النخب الامريكية مصلحة لها في التركيز على مثل هذه العومل الاخرى (مشتملة على عوامل مفبركة، مثل "كراهية نوع الحرية الموجودة عندنا") اكثر من التركيز على عامل الانتقام.  تحليل عامل الانتقام يعني كشف الاحداث التي اوجدت هذا العامل.  في هذه القضية، لدينا الغزو الاسرائيلي المدعوم امريكيا للبنان والذي قتل 20 الف مدني طبقا لتقديرات الحكومة اللبنانية.  مع تتبع افتراضات شحادة، الخسائر في المدنيين نتيجة للغزو والاحتلال الامريكي للعراق يقدر بمئات الالاف طبقا لتقدير لانست، مع حصة ملموسة وان كانت اخذة في التضاؤل (من الثلث الى الربع خلال الثلاث سنوات الماضية) تقع مسئوليتها على الضربات العسكرية الامريكية.  لو تناولنا معاناة اخرى معروفة جدا، لوجدت ان الولايات المتحدة هي الجاني فيها والدافع وراء العقوبات ضد العراق والتي كانت عاملا اساسيا في موت مئات الالاف من الاطفال العراقيين طبقا لدراسات عديدة.  ليس صعبا ان تتصور العديد من الناس، سواء كانوا اصوليين ام لا، يمتلكون من الدوافع مثل ما كان لدى جعورة.  تقديرات الاستخبارات الوطنية الامريكية تتفق مع شحادة في كون الحرب ضد العراق احد دوافع الارهابيين.

المراقبون المحايدون قد لا يغفلون هذه الامور جانبا.  ربما هم حتى، وقد هالهم حجم هذه الخسائر، قد اثارهم سؤال مختلف كلية: بدلا من "ما هي دوافع الارهابيين؟"، اصبح السؤال "ما هي دوافع الولايات المتحدة؟" ولا يأخذون الاجابة من تصريحات المسئولين الامريكيين والافتراضات المعتادة.  في حالة احتلالنا للعراق ربما ينظرون الى، على سبيل المثال، رغبة البنتاجون القائمة منذ وقت طويل الى استبدال القواعد العسكرية في المملكة السعودية بوجود متقدم طويل المدى في العراق، لممارسة ضغوط على سوريا وايران؛ والبناء المكثف ببلايين الدولارات في فترة ما بعد الحرب لقواعد عسكرية مكثفة في بلد، واسد، وتاليل وفي اماكن اخرى في العراق، بقدر ضئيل من الاعلان عن ذلك.

لا شيء بالطبع يبرر ما اقدم جعورة عليه ولا أي عمل ارهابي اخر.  الامر بالاحرى هو اننا يجب اولا ان نفهم اشكال عدواننا نحن لاننا مسئولين عن هذه الافعال ونستطيع ان نتخذ اجراء حيالها.  وهذا يعني هل هناك "تعادل اخلاقي" بين عدواننا وعدوانهم ام لا.  (سوف اناقش اذا ما كان هذا في اعقاب ذلك ام لا).

توجيه النقد لانفسنا هكذا هو امر صعب ولا يصاحبه شعبية.  الى اين يمكننا المضي من اجل الحصول على دعم معنوي؟  لماذا، نعم.  نقطة هاريس حول النصوص المقدسة ليست هي انها سيئة في مجملها، ولكن هي ان عليك التقاط الثمرة الطيبة منها.  دعنا ننهي الامر بقليل مما يبدو ان الاديان على تنوعها تتفق عليه.

لا تحكم بما لا يمكن محاكمتك به.  لان الحكم الذي سوف تصدره سوف يكون حكما عليك انت ايضا، والمعيار الذي سوف تقدمه سوف يقيس تصرفاتك انت ايضا.  لماذا تنظر الى الشوكة التي في عين اخيك، ولكنك لا تلحظ الخشبة التي في عينيك؟  او كيف تقول لاخيك، "دعني اخرج الشوكة التي في عينك"، في الوقت الذي توجد خشبة في عينك؟  ايها المنافق، فقط اخرج الخشبة التي في عينيك انت، ثم ساعتها سوف ترى بوضوح كيف يمكنك اخراج الشوكة التي في عين اخيك. (انجيل متى 7:15)

وعلى نفس الشاكلة من الهندوسية: "الشرير جاهز ابدا لالتقاط ذنوب الاخرين، رغم انها قد تكون صغيرة مثل حبة الخردل، وبشكل دائم يغمض عينيه عن ذنوبه هو، رغم انها قد تكون كبيرة في حجم ثمرة الفيلفا" (جارودا بيورانا 112).  ومن الاسلام: "السعيد من يرى ذنبه هو بدلا من اكتشاف ذنوب الاخرين" (حديث).  ومن البوذية: "الاسهل هو رؤية ذنوب الاخرين، والصعب فعلا ان ترى ذنوبك انت.  مثل قشر الحنطة الذي يغربله المرء هي ذنوب الاخرين، ولكن ذنوب المرء نفسه تختفي، مثل الفرخ الماهر الذي يخفي نفسه بالتنكر عن الصياد.  هذا من يرى ذنوب الاخرين مهموم وقلق دائما – وفساده ينمو ويزداد".  (دامبادا 252-253).

المصادر:
Karen Armstrong, Holy War.  New York:  Doubleday, 1991.
Eamon Duffy, The Holy Terror, New York Review of Books, October 19, 2006.
Hassan Fattah, New Scourge Attacking the West: Personal Anger Compels Killers, New York Times, Sept. 6, 2006.
Joy Gordon, Cool War.  Harper's, November 2002 (and http://www.harpers.org/CoolWar.html?pg=1).
Charles Hanley, Signs of a Long US Stay Ahead, Boston Globe, March 26, 2006
Sam Harris, The End of Faith, New York, W. W. Norton 2005
Al Seckel, ed., Bertrand Russell on God and Religion.  Buffalo, NY: Prometheus.
William James, Varieties of Religious Experience.  New York: Modern Library, 1902.
Louise Richardson, What Terrorists Want.  New York: Random House, 2006.
Thom Shanker and Eric Schmitt, Pentagon Expects Long-Term Access to Four Key Bases in Iraq, New York Times, April 20, 2003.
Sabrina Tavernise and Douglas G. McNeil Jr., Iraqi Dead May Total 600,000, Study Says, New York Times, October 11, 2006.

 

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية