كوبا وحقبة فيدل كاسترو

فرد هاليداي

اغسطس 2006.

اعلان مرض فيدل كاسترو المعوي الخطير في نهاية يوليو 2006، ومناسبة عيد الميلاد الثمانين للزعيم الكوبي في 13 اغسطس، اثارت دون شك جبال من التعليقات عن النهاية المحتومة او بشكل اخر انتقال السلطة في الدولة الكاريبية الشيوعية.  ولكن اذا كان سؤال "ماذا سوف يحدث بعد فيدل" هو موضوع منهك جدا للمقالات الافتتاحية والحوارات الاذاعية، البؤرة التي سوف تنصب عليها الاجابة لن تكون غالبا اقل انهاكا حيث انها سوف تتركز: على تقييم لطبيعة التجربة الثورية الكوبية – مزيج من الطبيعة المؤسسية والسياسية والشخصية لها ككل.

للاقتراب من السؤال بهذه الطريقة يدعو ايضا الى ان نتذكر ثلاث لقاءات مفيدة قمت بها مع حقائق في كوبا اثناء زيارتي للجزيرة في اعوام 1968، 1981، 2000.  المرة الثالثة منحنتي رؤية متعمقة لما قد تمضي اليه كوبا بعد كاسترو، ولكن زيارتي الثانية قد زودتني ايضا باحساس منير لكيف تعي عناصر النخبة السياسية الكوبية مكانها في البيئة الدولية – ولقائدهم.

زمن انعدام الثقة

اول فرصة زرت فيها كوبا كان عام 1968، عندما ساعدت مع برتراند رسل في تنظيم زيارة عمل ليست حماسية جدا لمدة شهر قام بها عشرات من الراديكاليين البريطانيين لمزرعة بن في محافظة بينار ديل ريو.  تضمن مشروع الزيارة جولة في الجزيرة، وخبرة حضور خطبتان من الخطابات الماراثونية الطويلة المنهكة لفيدل.

الزيارة الثانية كانت في 1981، عندما دعتني وزارة الخارجية في هافانا لمناقشات حول الاوضاع في الشرق الاوسط في سياق التهديد الاسرائيلي الذي كان حديثا وقتها للبنان، والذي رآه الكوبيون من خلال منظور هجوم محتمل على حليف قريب لهم هو سوريا (والحليف الاقرب للوطن وقتها) الساندينستا في نيكاراجوا.

اثناء الثمانينات، كانت لدي مناقشات عديدة مع الدبلوماسيين الكوبيين في اوروبا حول قضايا تثير اهتمامهم: في الجزء الاول من العقد التهديد الامريكي بغزو نيكاراجوا (وحتى كوبا نفسها) سيطر على افكارهم، ولكن من منتصف الثمانينات وبعدها تحول التركيز الى مشروع ميخائيل جورباتشوف في الاتحاد السوفيتي والخلاف المتجمع بين هافانا وموسكو.

لذلك، فعليا، اوائل الثمانينات سيطر عليها الاهتمام باليانكي، واواخر الثمانينات القلق الذي اصطلح الكوبيون دائما على تسميته، مع بعض من روح السخرية والاحباط، لوس هيرمانوس (الاخوة).  حدد الكوبيون في وقت مبكر جدا ان شيئا ما يتغير الى الاسوأ في الاتحاد السوفيتي ولم يتصفوا بالبطء في التعبير عن رأيهم فيه.  وفي الاثناء التي افسح فيها جلاسنوست وبيرسترويكا جورباتشوف الطريق لسقوط جدار برلين وموجة الثورة في شرق اوروبا ووسطها، اهتم الكوبيون على نحو خاص (ويبدو ان ذلك اثار انزعاجهم واحساسهم بالخطر) بالانتفاضة ضد نيكولاي شاوشيسكو في رومانيا في ديسمبر 1989، والذي رأوها انقلابا عسكريا حرض عليه الكي جي بي والذي يمكن ان يكون سيناريو محتمل لكوبا.

انعدام الثقة هذا انعكس كما هو واضح بشكل مبالغ فيه.  المسئولون السوفيت الذين قابلتهم في هذه السنوات نفسها في موسكو بدا عليهم القلق من ميل الكوبيين الى "نزعة المغامرة" في الشئون الداخلية والدولية.  كانت هناك دلائل توضيحية على هذا الشك المتبادل في مبنى السفارة السوفيتية في البرج الضخم متعدد الاغراض في الطريق من معهد هافانا للعلاقات الدولية في ضاحية ميرامار.  اطلق الكوبيون النكات بأن السوفيت برروا وقتها ضخامة وارتفاع المبنى بأنه لغرض وظيفة التجسس الالكتروني عن بعد على الولايات المتحدة الامريكية، ولكن غرضه الحقيقي هو التجسس عليهم هم. 

معهد هافانا للعلاقات الدولية الملحق بوزارة الخارجية الكوبية، كان مركز زيارتي الثالثة لكوبا في 2000.  هناك القيت محاضرات للدبلوماسيين والمتخصصين في وضع السياسات للعلاقات الدولية، وكانت لدي الفرصة لتبادل المشورة بشكل اكثر قربا مع هيئة خبراء المعهد.  كانت مجموعة متميزة: شاهدوا اربعة عقود من الفوران الثوري والدراما الدولية، معتادون على التعامل مع قادة الدولة الكوبية ودوائر عملها الداخلية، قراء جيدون ومطلعون جيدا على الخارج عن طريق رحلاتهم المتعددة، مخلصون للاهداف العريضة للثورة الكوبية، يتشككون في كثير مما تحويه الكتابات الماركسية او الراديكالية في الغرب، وخالين من نوع المواقف الخطابية المصطنعة التي غالبا ما تميز المسئولين في مثل هذه الانظمة.

تراوحت المناقشات حول مصير الانظمة الثورية الحاكمة في "العالم الثالث"، والتطور المحتمل للسياسات الداخلية في الولايات المتحدة، واثر فترة ما بعد 1991 من المصاعب الاقتصادية على كوبا (نتيجة انتهاء الدعم الاقتصادي من الاتحاد السوفيتي الى كوبا) المعروفة باسم "الفترة المخصوصة".  كان هناك ساعتها احساس حاضر بانتهاء مرحلة من التاريخ في كوبا، حيث اختفى عدد من حالات التقدم الثوري طوال عقدين في الخارج (انجولا ونيكاراجوا) وحيث انشغل الكوبيون داخليا اكثر فأكثر بوضع حلول للاحتياجات، يعملون في وظائف متعددة او يعتمدون على التحويلات الدولارية من ذويهم في الولايات المتحدة.

الصراخ الفجائي للكاميولات العابرة ("جمال"، نظام النقل العام المحسن المعتمد على شاحنات تم تعديلها لهذا الغرض) كانت علامة على هذه الازمة.  كانت احوال السياحة حسنة، ولكن كان هناك كثير من الفساد في النظام الملحق بها، وتضمن ذلك اصدار لوائح واحكام منظمة – مثل حظر دخول الكوبيين انفسهم الى شواطئ وفنادق بعينها – وجد من استضافوني انها كانت مهينة بشكل خاص.  علق الكثير من اللوم على الحصار الامريكي المستمر، وليس كله – من هنا كانت نكتة التصادم في الهواء عندما ضربت طائرة تقل فيدل كاسترو طائرة تحمل رئيس الولايات المتحدة الامريكية.  "من هرب من الحادث؟  11 مليون كوبي".

الحوار الكوبي

رغم هذه الخلفية المألوفة لي بدرجة ما ودرجة الواقعية حول الثورة الكوبية، اندهشت اثناء المساء – حيث تحول مسار النقاش لا محالة الى قضية ماذا سوف يحدث بعد موت الكوماندا – عندما عبر المرافقون لي عن احترام ملموس لشخصية فرانشيسكو فرانكو، المنتصر في الحرب الاهلية الاسبانية والحاكم الديكتاتور حتى مماته في 1975.

السبب وراء هذا الاعجاب لم يكن اي طنطنة لتلميع الفاشية، او السلطوية اليمينية او تفوق الكنيسة الكاثوليكية في الحياة القومية؛ قام الاعجاب على اساس الايمان بأن الجنرال فرانكو اعد اسس التحول الديموقراطي بعد مماته.  القول المأثور عن فرانكو "كل شيء مربوط، مربوط جيدا" كان يراه زملائي الكوبيون مؤشرا على ان فرانكو – عبر انفتاح اسبانيا على الرأسمالية الاوروبية، وتنصيب خوان كارلوس كشخصية قيادية في الاشراف على حقبة ما بعد فرانكو – قد استشرف ووضع اسس انتقال اسبانيا الى الديموقراطية في اواخر السبعينات.

لم تكن النقطة فقط معارضة ملفتة مع شخصية سياسية اسبانية من اليمين المتشدد، فيدل كاسترو نفسه عبر منذ زمن طويل عن تأثره بها، بالاسم الوزير الذي زامل فرانكو طويلا، مانويل فراجا.  بل بالاحرى كان هؤلاء المسئولون في معهد العلاقات الدولية لا يعلقون ملاحظاتهم على فرانكو، بل عن كاسترو.

كلهم يعرفون فيدل، ويعجبون به ويتعاطفون مع دفاعه عن الاهداف القومية الكوبية والراديكالية.  ولكنهم قلقون بعمق من انسحابه عبر السنين اكثر واكثر الى العزلة، محيطا نفسه ببطانة شابة من الشبيبة الشيوعية الذين يخبرونه بما يريد سماعه – ان كوبا اكثر بلد محبوب في العالم، وان حركة مناهضة العولمة تكتسب ارضا عبر العالم، وان الامبريالية في ازمة.

في السنوات المبكرة للثورة، بعض من اقدر زعماءها ومفكريها تركوا الثورة (من بينهم قائد رجال حرب العصابات هوبر ماتوس والكاتب كارلوس فرانكي)؛ واخرون كانوا في السابق قريبين من فيدل ممن كانوا قادرين على قول الحقيقة له هربوا (منهم كارلوس رفائيل رودريجز اقدر زعماء الحزب الشيوعي؛ اوسفالدو دورتيكوس، الرئيس لوقت طويل؛ وليس اقلهم، سيليا سانشيز ماندولي، رفيقة كاسترو لسنوات طويلة، والذي اظهر حزنه الشديد امام قبرها).  ظهور جيل جديد من المعجبين والمادحين من امريكا اللاتينية، هيوجو شافيز في مقدمتهم، لم يفعل الكثير ليحقن رؤية كاسترو للعالم بواقعية متأخرة.

فقط قضية واحدة لم يشعر المضيفون لي بالراحة معي فيها، حتى وهم ينتقدوني على ما كنت قد كتبته في دراسة مقارنة اخيرة لي عن ثورات "العالم الثالث".  تتعلق هذه القضية باحد اكثر الحقب ازدراءا في تاريخ الثورة الكوبية، قضية "اوكوا" في عام 1987، التي تورط فيها جماعة من كبار المسئولين العسكريين الذين اشتركوا في الحرب الكوبية في انجولا.  بدا ان كاسترو ومساعديه قد شنوا حملة محاكمة مسرحية لشخصيات راديكالية ذات جماهيرية عريضة ربما كانت منافسا له على السلطة.  في واحد من اسوأ التقاليد الشيوعية للمحاكمات من هذا النوع، خدع المتهمون حتى يدلوا باعترافات تتعلق بولائهم وقدموا نقدا ذاتيا على امل العفو، فقط ليجدوا انفسهم في النهاية محكوم عليهم بالاعدام رميا بالرصاص او بالحبس ثلاثين عاما.

اه، انك السوبرمان

هذا الاستحياء والانعزال الداخلي الممتد للثورة الكوبية في التسعينات ليس مع ذلك انقطاعا مفاجئا مع المرحلة الطوباوية المبكرة.  انه بالاحرى يشير الى مشاكل في كامل تاريخ الثورة نفسها – مشاكل، المراقبون الاذكياء وحتى لو كانوا متعاطفين لاحظوها مبكرا في الستينات ولكن انصار الدولة الكوبية (الذين سرعان ما يعلقون احكامهم او يرون حقيقة الحياة على ارض الجزيرة الكوبية كما كانت هي هي طوال السنين) يسعون الى تحاشيها.  الامر الاكثر دلالة هو شخصية القائد نفسه: رجل ذو رؤية، شجاعة، شرف وجاذبية شخصية، ولكنه ايضا يتمتع بالغوغائية والتهافت ونوبات من الرغبة في الانتقام والقسوة، والاشباع الذاتي المتضخم، وعدم التسامح، والازدراء للمثقفين والمثليين جنسيا وعدم كفاءة ادارية واضحة.

عرف الكوبيون منذ زمن طويل ان الحل في كوبا هو ايضا مشكلة، وانه موجود في الرأس.  ما رآه الزائران المخموران جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار في 1960 –  بوصفه "الوحدة الديالكتيكية بين كاسترو والجماهير"، تدفق احمق للتصريحات، تغييرات في المسار، تدخلات استثنائية – سرعان ما اصبح خليطا من العجز، والتجاوزات الاستثنائية، والتغيير المفاجئ في الافكار.

مثل هذه الخيبات الشخصية – الخيبات التي جعلها التاريخ اسوأ، بعيدا عن "عدم تبرأه من جريرة الذنب" في عبارته المشهورة اثناء محاكمته عام 1953 – تعاظمت مع الاختيارات التي قام بها هو ومساعديه فيما يخص ادارته للاقتصاد الكوبي.

يشير عديد من المراقبين عن حق ان لكوبا سجلا رائعا بشكل استثنائي في ميدان الخدمات الاجتماعية – الصحة والتعليم ومحاربة الفقر.  ولكن سجله العام في مجال ادارة الاقتصاد هو سجل مرعب، ويرجع ذلك ليس فقط للحصار الامريكي (كما يدعي بسهولة اصدقاء النظام والمبررين له) ولكن لسلسلة من السياسات الكارثية.  ويتراوح هذا من التجريب الطوباوي بالحسابات "الغير مالية" (احلام تشي جيفارا الخيالية) و"العمل التطوعي" (شكل من الحشد والتعبئة التعسفية الغير فعال بشكل عال) الى اعادة فرض قيود الدولة وسحق الاسواق الصغيرة والفلاحين الصغار في حملة "التصحيح" السيئة التخطيط في الثمانينات.

آخر التبديلات الكارثية جاء في 2003، عندما خفض النظام بشكل عنيف دوران الدولار الامريكي في الاقتصاد وعارض المستثمرين الاجانب بمجموعة جديدة من القيود.  اليوم، حتى بعض التعافي من "الفترة المخصوصة"، نصيب الفرد من الدخل في كوبا يبلغ 3000 في العام.  يتقاضى المتقاعدون سبعة دولارات في الشهر ويمكنهم الحصول على وجبة من اللحم مرتين في الشهر.

مناخ من الخوف

هذه العيوب من الشخصية والسياسات يصاحبها شيء ما اخر لا يستطيع الزائر للجزيرة، المسحور بسلاسة سطحية للمعيشة وبالمناخ "الاستوائي"، ان يلتقطها بسهولة: انه مناخ الخوف حرفيا.

سجل كوبا ليس اكثر السجلات دموية بين سجلات الثورات المعاصرة – رغم ان من المهم الا ننسى المحاكمات الثورية المسرحية في اوائل الستينات، والتي ترأسها تشيه جيفارا والتي تقزز منها والده للدرجة التي جعلته يغادر الجزيرة؛ والحبس الجماعي للمنشقين، والمثليين واخرين في معسكرات "اعادة التعليم" في السبعينات والثمانينات.  على اية حال، تلك هي فقط الشواهد الواضحة للعيان اكثر من غيرها للقيود القاسية على حرية التعبير، دعك من حق التنظيم الحر، في كوبا.

النظام السياسي، رغم كل ضجيجه حول "سلطة الشعب"، يخضع لقيود شديدة من اعلى.  هؤلاء الكتاب والمثقفون الاخرون الذين قدموا طوال السنوات حتى صور النقد الموالي للنظام اصبحوا على الاغلب موضوعا للاضطهاد الرسمي وحملات التشهير والفضيحة (جماعة الكوبيين المشتركين مع معهد الامريكتين، الذي سحب منهم فجاءة اذن الترحال والنشر عندما بدأوا يكتبون حول الديموقراطية، ليس سوى مثال على ذلك).  انصب الازدراء انصبابا على هؤلاء المراقبين الخارجيين مثل الاقتصادي الزراعي الفرنسي رينيه ديمون، والكاتب الماركسي البولندي الفرنسي كيه اس كارول، والمؤرخ الامريكي اوسكار لويس.

اشكال الاضطهاد هذه، والاتجاهات المصاحبة لهم، ليس مجرد نتيجة لنمو الديكتاتورية الاضطراري بعد الثورة، او بسبب الضغط الامبريالي من الخارج.  انها تنبع ايضا من كاسترو نفسه.  البطل العظيم في نظره، كما يبدو، زعيم اليعاقبة روبسبير، والذي نشرت سيرته الذاتية منذ بضعة سنوات في كوبا: المعي، قاس، وفي اوقات ذئبقي، وفي الاخير، ضحية للثورة نفسها التي سعى لقيادتها.

ملمح الشخصية هذا يتضح كاوضح ما يكون في عدم قدرة الزعيم الكوبي على اتباع النموذج التي يدين الجهاز الرسمي الكوبي بحبها: الصين.  القيادة الصينية فهمت منذ 1978 ان شعبها يريد ان يجمع النقود وان يمتلك حياة افضل.  تحرك كاسترو تحركات اخيرة في هذا الاتجاه، وقد ساعدته عليه المعونة المالية من هيوجو شافيز في تخفيف عبء الشعب الكوبي.  ولكنه ظل سجينا للعداوة الاخلاقية للثروة المادية والتحسن، ولجأ في مرات ومرات الى اطلاق نداءات بالطهارة الاخلاقية وتخليص كوبا من قيمم الفساد، والنزعة الاستهلاكية.  بالنسبة للجميع كاسترو يزعم انه يتبع تقاليد الزعيم القومي في القرن التاسع عشر خوسيه مارتي، ويتجاهل اراء مارتي بأن بلدا تتكون من صغار ملاك هي بلد غني.

ومن هنا جاءت على ما يبدو في اواسط التسعينات النكتة الكوبية عن كاسترو وقد وجد نفسه في قفص مع بيل كلينتون وبوريس يلتسين، وقد تهددهم كلهم اسدا مفترسا.  حاول كلا من كلينتون ويلتسين بشجاعة منازلة الاسد، ولكنهم تراجعا بعد ان اصيبا بجروح بالغة.  اخبرهم فيدل ان يتركوه وحده يحاول مع الاسد.  اقترب فيدل من الاسد وهمس في اذنه ببعض الكلمات: توقف الاسد برهة، وعبس وجهه ثم تكور جثة هامدة.  تنفس بيل وبوريس الصعداء وسألا كاسترو وهما يضمدان جراحهما ماذا فعل الكوماندا مع الاسد بكلماته السحرية.  اجاب كاسترو: حسنا، قلت له ما اقوله دائما – الاشتراكية او الموت.  كل نكتة، كما يقول جورج اورويل، تتحدث عن شيء من الحقيقة اضافة الى كونها ثورة صغيرة.  معظم الكوبيين يحترمون كاسترو كزعيم وهم فخورون باستقلالهم القومي، ولكنهم فاض بهم الكيل من نظامهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي ويريدون التغيير – كلما كان اسرع كلما كان افضل.

والحقيقة ايضا، هناك قلق ايضا ينتشر في الجزيرة من احتمال العنف (إما بين فصائل في الجزيرة نفسها، او بين المنفيين العائدين من ميامي وقوات الدولة الكوبية) بعد موت كاسترو.  الوضع المثالي – بغض النظر عن السيناريوهات التي تم تداولها لفترات طويلة في ميامي وفي واشنطن عن السقوط الوشيك لنظام الحكم – هو انتقال سلمي نحو الديموقراطية يحافظ على كل من استقلال الجزيرة والمكاسب الاجتماعية لثورتها.  كما في المانيا الشرقية ووسط شرق اوروبا في التسعينات، ربما يكون ذلك وهما.

اذا ما مضت الامور نحو الاسوأ وخرجت عن السيطرة، فجزء من اللوم سوف يقع على السياسيين في المنفى بميامي ونيو جيرسي، الافاعي الجاهلين ببواطن الامور، وعلى التواطؤ الجاهل الاجلف معهم من الرؤساء الامريكيين المتعاقبين.  ولكن بعض اللوم ايضا سوف يقع على فيدل كاسترو وهؤلاء الذين يحيطون به لمنعهم لمدة طويلة من الزمن التغيير السياسي في الجزيرة، وسوء ادارتهم لاقتصادها، وتسببهم في هروب هذا العدد الكبير من المواطنين الى المنفى.  الكثير من الخطايا في كوبا ليست نتيجة خطايا الامبريالية، ولكن بسبب التحجر الفكري ما بعد الثورة والغباء والعجرفة.

نوايا فرنسيسكو فرانكو الحقيقية نحو اسبانيا بعد موته هي موضوع لا يمكن الاستدلال عليه نهائيا ابدا.  الشخص الوحيد الذي ربما يعطينا اجابة مسئولة، وهو الملك خوان كارلوس، من المحتمل انه لن يفعل ذلك ابدا.  منذ عدة اشهر مضت، بعد ان اعطيت محاضرة عن كوبا في قسم التاريخ بجامعة برشلونة والتي ذكرت فيها قصة لقاءاتي في كوبا مع المعجبين بفرانكو هناك، اقترب مني طالب شاب في العشرينات وقال لي ان ابيه كان رئيس محطة الاستخبارات الامريكية المركزية في مدريد اثناء سنوات النهاية لحكم فرانكو وعرف الديكتاتور العجوز جيدا.  اكد لي الشاب مستندا الى سلطة والده، ان فرانكو لم يكن لديه اي رغبة في رؤية الديموقراطية في اسبانيا بعد وفاته؛ وان قول الجنرال المأثور "كل شيء مربوط، مربوط جيدا" كان يعني فقط الاشارة الى ان النظام السلطوي الذي اسسه سوف يستمر.

المضيفون الكوبيون كما يبدو وقعوا في خطأ في وجهة نظرهم عن الديكتاتور الاسباني.  ولكن الديموقراطية، رغم كل شيء، دخلت اسبانيا؛ لذا طبعة برشلونة اذا ما كانت صحيحة ربما تحتوي رغم ذلك على حبة امل بالنسبة للكوبيين بعد ان يغادر الزعيم السلطوي الذي قادهم (حتى الان) لمدة 46 عاما المشهد ويرحل.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية