الأقصى صخرة وطنيّة

هشام نفاع

فبراير 2007.

الأقصى جزء من القضية الوطنية الفلسطينية، وليس العكس. خدمة قضية الأقصى ومكانته تستدعيان الدقّة في وضع المعادلات، ضمن رؤية الصورة بتركيبتها كلها. طالما أن القدس الشرقية محتلة، فهو قضيّة سياسيّة أوّلاً. وحصرُ هذا المعْلم الحضاريّ التاريخيّ، في هذه الحال، ضمن إطار الشعائر الدينية فقط، ستكون له تداعيات سلبيّة. ومن نافلة القول إنه لا نقاش حول مكانة الأقصى الدينية بالنسبة إلى كل أصحاب الإيمان الديني. وهو إيمان يحترمه كلّ ذي فكر حرّ. فمعنى حرّية الفكر والفكر الحرّ هو احترام معتقدات الآخرين.

من المريح لإسرائيل الرسميّة حصر الجدل، في ما يتعلّق بالأقصى والمقدّسات عمومًا، ضمن إطار وحيد هو إطار الشعائر الدينيّة. وكأن الأمر ينتهي بحسم مثل هذه القضايا عبر "تفاهمات" مع ذوي شأن ديني، وليس عبر مفاوضات سياسية مع قيادة الشعب الفلسطيني. (ولننظُر الى استيراد وفد المراقبة التركي الذي سيُفتي في القضية!). لكن أي حسم بغير التفاوض السياسي سيكون أشبه باللعب في ملعب المؤسّسة الإسرائيلية وسادتها. فلو أنّ النقاش انحصر في عدم الاقتراب الملموس من الأقصى أو القيامة أو أيّ معلم مقدّس في المناطق الفلسطينية المحتلة، ماذا ستكون الحجّة في هذه الحالة، على سبيل المثال: لنفترض أنّ المؤسّسة الإسرائيلية تقرّر عدم الاقتراب من تلك المقدّسات، بل تبتعد عن محيطها مئات الأمتار، لكنها في الوقت نفسه تبقي القدس الشرقية الفلسطينية تحت الاحتلال العسكريّ، فهل سينهي هذا الأمر مسّ تلك المقدّسات؟

هل يمكن القول عندها إنّ مسّ حرمة الأقصى انتهى؟ هل يتوقف مسُّه فيما تواصل اسرائيل ضرب حرية العبادة ومنع شريحة واسعة من المصلّين من الوصول إليه، بأدوات الاحتلال؟ إن عزل الأقصى عن مصلّيه هو مسّ للحرية والمعْلم الدينيين. وهو ما يؤكد، ثانية، أن القضية سياسية أولا.

ثم إنّ مسّ الأقصى وحرمته وقدسيّته لم يبدأ اليوم. بل منذ حزيران 1967، حين بدأ الاحتلال الإسرائيليّ. ومن المؤسف أنّ بعض التوجّهات، ومن خلال تشديدها على البعد الديني، تقلل عمليًّا من تأكيد هذه الحقيقة، وبالتالي من الشأو السياسي الكامن في قضية الأقصى. وهكذا، حين تأتي مناشدة تلك الجهات الأنظمة العربية والإسلامية التدخّل، من دون تأكيد قضية الاحتلال، فهي تعفي هذه الأنظمة، دونما قصد، من المسؤولية التي يجب أن تتحملها في الجانب السياسي. وهي أنظمة مكبّلة سياسيًّا ذاتيًّا باذدنابها لحامي الاحتلال الإسرائيلي الأكبر المتمثّل في الولايات المتحدة. هنا تكمن الجذور، ومن هنا ستظلّ البداية.

إنّ المؤسّسة الإسرائيلية تسعى بكلّ جهد للانخراط في التوجّه الأمريكي الذي يبغي تسعير ما يسمّى بـ "صراع الحضارات" بمفهومه الديني. لأنّ هذا الجدل يغيّب جوهر الصراع. ينزع عنه ماهيته الاستعمارية والاحتلالية ويبقيه في فضاء فضفاض كاذب، كأنّ قوامه الصراع الرمزي بأدوات روحانية. هذا مع أنّ الصراع ملموس ومحسوس وممارَس ماديًّا على الأرض. إنّه، بالأساس، صراع على موارد وخيرات وسيادة وليس على رموز. من لا يقبل بهذا فهو كأنه يقبل بالخطاب الأمريكي.

من هنا: من يحصر قضية الأقصى في المساحة الدينيّة فإنه يضرّ بالقضية، بقضيّة الأقصى. ومن يمنح أولوية الأمر لهذا البُعد، فهو يقوم من دون أن يدري بالانخراط في خطاب "صراع الأديان" المشبوه. لأنه يقدّم لأصحاب الخطاب المهيمن، طواعيةً، الشق الثاني من المعادلة التي بها تكتمل هيمنتهم. وهي هيمنة نحتاج الى مقاومتها عبر التأكيد على أنه ليس هناك صراع أديان، بل صراع حول مصالح سياسية يهتمّ طغاة الاستعمار بتغليفها بالأديان، غايتها مواصلة السيطرة على- والتصرّف- بخيرات شعوب المنطقة.

زيادة في التوضيح أقول: إن من يدّعي أنّ الصراع دينيّ بالأساس فهو يقول عمليًّا إنّ التوجه الإسرائيلي ليس احتلاليّا توسعيًّا، بل إنّه ديني. وهذا يخلق مساواة وتوازيًا بين من يمارس البطش والقمع والسيطرة العسكرية وبين من يتصدى له؛ لا يعود هناك قامع ومقموع، بل اثنان متمترسان كلٌّ في دينه! وهو يقول، دونما أن يقصد أيضًا، إن توجه البيت الأبيض هو الصحيح: مجرد صراع أديان وثقافات لا توجد معايير لحسمه، وليس صراعًا بين قامعين متعجرفين استعماريين وبين مقموعين مقاومين وطنيين، معيار حسمه هو ذلك الفاصل بين الاستعمار الاستغلالي وبين التصدي له ومقاومته.

إن قدسية الأقصى، وفقًا لكل المؤمنين بها، ستظلّ قدسية مطلقة حتى لو وقع تحت أي حُكم. فلم تنتقص كل الاحتلالات السابقة للقدس، ولا هذا الحاليّ الإسرائيلي أيضًا، من قدسيته. لكن المسألة ليست القدسية فحسْب، بل المعاني الحضارية والوطنية المرتبطة بها. وهكذا، يظل السؤال الحقيقيّ الأول هو الوطنيّ التحرّري. وهو ما يجعل قضية الأقصى، أيضًا، قضية العلمانيين الرافضين والمقاومين للاحتلال والاستبداد.

إن تحرير الأقصى لا يمكن أن ينحصر في تحريره من جرّافة عابرة، ولا من حفريات راهنة، ولا من مخططات عينية. فحتى لو تحرر منها في حين تبقى القدس الشرقية، فضاؤه الوطني، تحت الاحتلال الاسرائيلي، سيظلّ منتهكًا. لذلك فإن تحرير الأقصى هو جزء من التحرير الوطني الفلسطيني للقدس الشرقية من الاحتلال.

إنّ على الوطنيين الفلسطينيين العلمانيين عدم ترك الخطاب الإسرائيلي المتأمرك يبتلع القضية وكأنها تفصيل آخر في صراع أديان وثقافات. وعلى المؤمنين والمتدينين الفلسطينيين أن يحذروا من الوقوع، دونما قصد، في فخّ هذا الخطاب. فالقضية الفلسطينية كانت ولا تزال مسألة تحرّر وطنيّ قبل كلّ شيء. والدين، كل دين، والحق في ممارسة شعائره والحفاظ على مقدساته، هي جزء من القضية الوطنية. القضية الوطنية وقضايا التحرّر عمومًا هي أكبر من قضايا ممارسة الأديان. فالأديان ليست شعائر فقط، بل نهج حياة وحضارة وثقافة، لا يمكن أن تُمارس سوى على أرضية من الحرية والسيادة الوطنية. وضمان حرمة معالم الأديان في القدس الشرقية مشروط بشكل تامّ وواضح بضمان التحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ بما يشمل القدس الشرقية، كعاصمة للدولة الفلسطينية التي ستقوم حتمًا.

في مراحل التحرر الوطني، السّقف الوطني هو السّقف الأعلى، وشعبنا الفلسطيني لا يزال يعيش بصمود في هذه المرحلة، وهذا هو سقف قضيته. وإنّ الأقصى، أيضًا، صخرة وطنية.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية