ايران: الحرب تبدأ

جون بيلجر

3 فبراير 2007.

في الوقت الذي تنمو فيه المعارضة داخل امريكا لمغامرة العراق الفاشلة، تجهز ادارة بوش الرأي العام من اجل هجوم على ايران، مستهدفها الاخير، بحلول الربيع القادم.

تخطط الولايات المتحدة لما سوف يكون هجوما كارثيا على ايران.  بالنسبة لعصبة المتآمرين مع بوش، سوف يكون الهجوم وسيلة "لشراء الوقت" بالنسبة لكارثتهم في العراق.  جورج دابليو بوش، باعلانه ما يسميه "طفرة" في القوات الامريكية في العراق، يحدد ايران بوصفها هدفه الحقيقي.  "سوف نقطع تدفق الدعم للمتمردين في العراق الآتي من ايران وسوريا"، هذا ما قاله.  "سوف نفتش عن الشبكات التي تزود اعدائنا في العراق بالاسلحة المتقدمة وبالتدريب وندمرها".

"الشبكات" تعني ايران.  في الرابع وعشرين من يناير قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، "هناك شواهد ملموسة على ان العملاء الايرانيين متورطون في تلك الشبكات وانهم يعملون مع افراد وجماعات في العراق وقد ارسلت الحكومة الايرانية بهم الى هناك".  مثل ادعاءات بوش وتوني بلير بأن لديهم شواهد اكيدة تؤكد ان صدام حسين ينشر اسلحة دمار شامل، "الدليل" يفتقد كل مصداقية.  لدى ايران روابط حميمية مع الاغلبية الشيعية في العراق، وهي تعارض بشكل لا يقبل المساومة تنظيم القاعدة، وتدين احداث 9/11 وتدعم الولايات المتحدة في افغانستان.  سوريا فعلت نفس الشيء.  التحقيقات التي اجرتها النيويورك تايمز، ولوس انجيليس تايمز وصحف اخرى وجهات اخرى، بما فيها المسئولين العسكريين البريطانيين، وصلت الى استنتاج بأن ايران ليست متورطة في تهريب اسلحة عبر الحدود.  الجنرال بيتر بيس، رئيس هيئة الاركان الامريكية، قال انه لا توجد مثل هذه الادلة.

في الوقت الذي تستفحل فيه الكارثة الامريكية في العراق وتنمو المعارضة الداخلية والاجنبية لها، المتطرفون من المحافظين الجدد من امثال نائب الرئيس ديك تشيني يعتقدون ان فرصتهم للسيطرة على البترول الايراني سوف تفلت الا اذا لم يتصرفوا قبل انقضاء الربيع القادم.  هناك اساطير قوية من اجل الاستهلاك العام.  بالتناغم مع جماعت الضغط المسيحية الاصولية وصهاينة واشنطن واسرائيل، انصار بوش يقولون ان "استراتيجيتهم" هي انهاء التهديد النووي الايراني.

في الحقيقة لا تمتلك ايران سلاحا نوويا واحدا، ولاهي هددت ابدا ببناء برنامج واحد لمثل هذا التسليح؛ تقديرات الاستخبارات المركزية الامريكية تقول انه حتى مع التسليم بالارادة السياسية لذلك، لن تكون ايران قادرة على بناء اسلحة نووية قبل عام 2017، وفق التقديرات المتفائلة.  ايران، على عكس الولايات المتحدة واسرائيل، التزمت باحكام معاهدة منع الانتشار النووي، التي كانت احد الموقعين الاصليين عليها، وتسمح بالتفتيش الروتيني في ظل التزاماتها القانونية – حتى اضيفت عليها في 2003 تدابير عقابية لا لزوم لها، بتحريض من واشنطن.  لم يتحدث تقرير واحد ابدا صادر عن وكالة الطاقة الذرية عن ان ايران انحرفت ببرنامجها من اجل الاستخدام المدني للطاقة النووية الى الاستخدام العسكري.

قالت الوكالة ان مفتشيها طوال الثلاث سنوات الماضية سمح لهم الايرانيون بالذهاب الى "اي مكان وان يروا كل شيء".   قام المفتشون بالتحقق من المنشآت النووية في اصفهان وناتانز في العشر والثاني عشر من يناير وسوف يعودون في الثاني والسادس من فبراير.  رئيس الوكالة، محمد البرادعي، قال ان اي هجوم على ايران "سوف تكون له نتائج كارثية" وسوف يشجع فقط نظام الحكم على ان يصبح قوة نووية.

وعلى عكس عدويها اللدودين، الولايات المتحدة واسرائيل، لم تهاجم ايران اي بلد اخر.  دخلت ايران اخيرا في حرب عام 1980 عندما قام صدام حسين بغزو اراضيها، والذي كان مدعوما في ذلك من الولايات المتحدة ومسلحا باسلحتها، وقد زودته الولايات المتحدة ايضا باسلحة كيماوية وبيولوجية من انتاج مصانعها في ماريلاند.  وعلى عكس اسرائيل، القوة العسكرية الخامسة في العالم – باسلحتها النووية الحرارية الموجهة نحو اهداف في الشرق الاوسط وذات السجل الغير الذي لا يضاهيه سجل بالاستهانة بقرارات الامم المتحدة، بوصفها القائمة باطول احتلال غير شرعي بالقوة الجبرية في العالم – لدى ايران تاريخ من اطاعة القانون الدولي ولا تحتل مقاطعات اي دول اخرى غير بلادها.

"الخطر" الآتي من ايران هو خطر مفبرك بالكامل، تساعده وتزيده لغة الميديا الخاضعة المعتادة التي تشير الى "طموحات ايران النووية"، كنفس القاموس اللغوي الذي استخدم مع اسلحة الدمار الشامل الغير موجودة عند صدام، وقد اصبح استخدام هذه اللغة امرا شائعا.  ويصاحب ذلك تصوير ايران كشيطان والذي اصبح ممارسة تقليدية.  وكما اشار ادوارد هيرمان، الرئيس احمدينجاد "قدم خدمات جليلة من اجل تسهيل ذلك"؛ الا ان التفحص الدقيق لملاحظاته السوداء عن اسرائيل في اكتوبر 2005، تكشف كيف تم تشويهها.  طبقا لجوان كول، الاستاذ الامريكي لتاريخ الشرق الاوسط وجنوب اسيا في جامعة ميتشجان، وخبراء اخرين في اللغة الفارسية، لم يدع احمدينجاد الى "مسح اسرائيل من على الخريطة".  احمدي نجاد قال "النظام الذي يحتل القدس يجب ان ينقشع من على صفحة الزمن".  هذا القول، كما يقول كولن "لا يفترض العمل العسكري او قتل اي شخص على الاطلاق".  قارن احمدينجاد بين سقوط النظام الاسرائيلي وبين تفكك الاتحاد السوفيتي.  نظام الحكم الايراني نظام حكم قمعي، ولكن قوته منتشرة ويمارسها الملالي، الذين يشتبك احمدينجاد عادة معهم في مشاكل.  اي هجوم على ايران بالتأكيد سوف يوحدهم.

الخيار النووي

"الدليل الملموس" الوحيد هو التهديد الذي تمثله الولايات المتحدة.  بدأ تجمع بحري امريكي في شرق المتوسط.  وهو بالتأكيد تقريبا جزء مما يسميه البنتاجون كونبلان 8022-02، وهو ما يعني القصف الجوي لايران.  في 2004، صدر التوجيه الرئاسي للامن القومي 35، المعنون باسم "تفويض صلاحيات نشر الاسلحة النووية".  التقرير مصنف بالطبع، ولكن الافتراض كان منذ زمن طويل ان التوجيه الرئاسي 35 منح تفويض بصلاحيات تخزين ونشر الاسلحة النووية التكتيكية بالشرق الاوسط.

ولا يعني هذا ان بوش سوف يستخدم هذه الاسلحة ضد ايران، ولكن لاول مرة منذ السنوات الاكثر خطورة في الحرب الباردة، استخدام ما كان يعرف ساعتها باسم الاسلحة النووية "المحدودة" يتم مناقشته علنا في واشنطن.  ما يتجادلون حوله هو افق هيروشيما اخرى واسقاط مواد اشعاعية نشطة في انحاء الشرق الاوسط واسيا الوسطى.  كشف سيمور هيرش في صحيفة النيويوركر السنة الماضية عن القاذفات الامريكية "كانت تحلق في رحلات تحاكي مهمات اطلاق اسلحة نووية.. منذ الصيف الماضي".

الصحيفة ذات المعلومات الجيدة في الكويت الاراب تايمز قالت ان بوش سوف يهاجم ايران قبل نهاية ابريل.  احد اكبر الاستراتيجيين العسكريين الروس، الجنرال ليونيد ايفاشوف، قال الولايات المتحدة سوف تستخدم ذخيرة نووية في صواريخ الكروز التي يتم اطلاقها من البحر المتوسط.  كتب الجنرال في 24 يناير، "الحرب في العراق كانت فقط احد عناصر سلسلة خطوات في عملية زعزعة الاستقرار الاقليمي".

انها فقط مرحلة في الاقتراب من التعامل مع ايران وبلاد اخرى.  [عندما يبدأ الهجوم على ايران] من المؤكد ان اسرائيل سوف تقع تحت طائلة ضربات الصواريخ الايرانية...  الاسرائيليون، وقد اخذوا وضع الضحية، سوف يعانون من دمار يمكن تحمله ثم تقدم الولايات المتحدة الغاضبة على زعزعة ايران بشكل نهائي، لتجعل منها مهمة نبيلة للتأديب...  الرأي العام هو الان فعلا تحت ضغط.  سوف تنمو هيستريا... معادية للايرانيين...  تتسرب، معلومات مزيفة.. الخ.. يستمر الامر... غير واضح... هل سوف يعطي الكونجرس تفويضا بالحرب.. أم لا".

عندما سئل نائب الرئيس تشيني عن قرار الكونجرس الامريكي برفض "الطفرة" لعدد القوات الامريكية في العراق، قال: "انه لن يوقفنا".  في نوفمبر الماضي، صوتت اغلبية الناخبين الامريكيين لصالح الحزب الديموقراطي ليسيطر على الكونجرس ويوقف الحرب في العراق.

بعيدا عن الاحاديث الجانبية "الرافضة"، لم يحدث ما توقعه الناخبون وهو على الارجح لن يحدث.  الديموقراطيون اصحاب النفوذ القوي، مثل الزعيمة الجديدة لمجلس النواب، نانسي بيلوزي، والمتقدمون للترشيح الرئاسي هيلاري كلينتون وجون ادوارد، يستعرضون انفسهم امام اللوبي الاسرائيلي.  يعتبر ادوارد في حزبه "ليبراليا".  كان ادوارد واحد من الممثلين الامريكيين من المستويات العليا في مؤتمر اسرائيلي اخير في هرتزيليا، حيث تكلم عن "تهديد غير مسبوق للعالم واسرائيل [اف].  على رأس هذه التهديدات ايران.. كل الاختيارات مطروحة على الطاولة من اجل ضمان ان ايران لن تحصل ابدا على اسلحة نووية".  هيلاري كلينتون قد قالت: "سياسة الولايات المتحدة يجب ان تكون اجماعية.. علينا الاحتفاظ بكل الاختيارات على الطاولة".  بيلوسي وهيوارد دين، ليبرالي اخر، ميزا انفسهما بالهجوم على الرئيس السابق جيمي كارتر، الذي اشرف على اتفاقية كامب ديفيد بين اسرائيل ومصر تحمل مرارة تأليف كتاب مملوء بالحقيقة يتهم اسرائيل بانها اصبحت "دولة تفرقة عنصرية".  قالت بيلوسي: "كارتر لا يتحدث باسم الحزب الديموقراطي".  هي على حق، للاسف.

في بريطانيا، تقدم داوننج ستريت للعرض بوثيقة معنونة باسم الاجابة على الاتهامات من تأليف البروفيسور عباس عدلات، الكلية الامبراطورية في لندن، لصالح اخرين يسعون الى فضح المعلومات المزيفة عن ايران.  ظل بلير صامتا.  بعيدا عن الاستثناءات الرفيعة المستوى المعتادة، ظل البرلمان ايضا صامتا بشكل معيب.

هل يمكن ان يحدث ذلك مرة اخرى، في اقل من اربع سنوات بعد غزو العراق، والذي خلف وراءه 650 الف قتيل؟  انا كتبت فعليا مثل هذه المقالة من قبل عام 2003؛ الان من اجل ايران، وكانت العراق وقتها.  وأليس ذلك جديرا بالملاحظة ان كوريا الشمالية لم يهاجمها احد بعد؟  لدى كوريا الشمالية اسلحة نووية.

في عديد من الاستطلاعات، مثل تلك التي نشرتها الهيئة الدولية لخدمة الاذاعة البريطانية في 23 يناير، "نحن"، اغلبية الانسانية، اوضحنا كراهيتنا لبوش زمرته.  بالنسبة لبلير، اصبح الرجل الان سياسيا واخلاقيا عاريا امام الجميع. لذا من يتحدث علنا، بعيدا عن البروفيسور عدلات وزملاءه؟  الصحفيون المميزون، والدارسون، والفنانون والكتاب والممثلون، الذين يتكلمون علنا في بعض الاحيان معبرين عن "حرية الكلام"، هم صامتون مثل تياترو وست اند المظلم.  ماذا ينتظرون؟  اعلان رايخ اخر لالف سنة، او سحابة عش غراب فوق الشرق الاوسط، ام كلاهما؟

جون بيلجر هو مؤلف مشهور وصحفي ومنتج افلام وثائقية.  مراسل حربي وكتاباته تظهر في العديد من المجلات والصحف.

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية