ملاحظة: عن الرجال والبنادق.

خالد بركات

2 فبراير 2007.

ما يدور في قطاع غزة من إنتحار مجاني سماه البعض " إقتتال داخلي " بين حركتي فتح وحماس  يثير الاسى والحزن ويستنهض أسئلة جارحة عن راهن ومستقبل الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية. انها اسئلة تاخذ صفة البداهة وهي تبحث عن معنى الوحدة الوطنية  ووظيفة السلاح الفلسطيني، الذي لم يعد سلاحا وبعضه لم يعد فلسطيني الهوية. ثم ماذا بشأن الحركة التي قادت النضال الوطني طوال العقود الماضية لتنتهي بعد 42 سنة الى " حركات " و" كتائب" و" مجموعات " و " قبائل "؟  وكل يوم نشهد انطلاقة جديدة لحركة فتح؟! بينما على الطرف الاخر هناك " صحوة " ما بعدها صحوة!

في غزة،  يمكن لبندقية فلسطينية أن تكون في خدمة تيار  داخل تيار، داخل طرف، في تنظيم حركة فتح . بندقية بترخيص اسرائيلي؟ انها كاذبة بالضرورة والان تأكل ما تبقى من امن  للمواطن الممعوس تحت الحصار في غزة. ويتحول السلاح الى لعنة على يد مرشد السلاح  الذي يصير اداة الجريمة والموت في حصار وقتال الاخوة!.  

والشباب؟

الشباب فقراء وقتلى، ضحايا بلا سبب، ولم يشيعهم الناس الى المقابر. لانهم لم يعودوا شهداء . هم زعران  في العشرينات من العمر بلا مستقبل وبلا امل، وتحت الحصار والموت. ومعهم ما يلزم من الوقت والدقائق على هاتف " الخليوي " وفي المخزن ما يكفي من رصاص للجريمة، وللبطولة ان جاءت على يد قذيفة اسرائيلية . هؤلاء الشباب، لم يقرأوا  تاريخهم ولا  تاريخ  أعدائهم قرأوا، ولم يعرفوا صورة موتهم الا في بوستر ملون ومؤقت سوف يصمد بدوره على هذا الجدار!  

والشباب؟  

بعضهم يرفض ثقافة الموت  ولا يتبنى سياسة " رد الصاع صاعيين"! لكنه قد يجد وظيفة (مقاتل) او (عضو) او (شرطي) المهم ان يضمن له كهنة اوسلو 500 دولار في اخر الشهر وهذا في احسن الاحوال...والشباب؟ ضحايا لمؤامرة أمريكية ينفذها حاكم عربي وشرطي أمن فلسطيني. الشباب فقراء يقفون على بوابات السفارات بحثا عن حلم ما، قد يفضي يوم ما الى طريق ما ياخذهم الى وطن حر وسعيد. الشباب؟ وقود الثورة حتى النصر، لا؟ حراسها أيضا، نعم، والاف الاسرى والمعتقلين من الشباب في سجون اسرائيل.  

كان الاديب الشهيد غسان كنفاني يكتب  (عن الرجال والبنادق- 1968 ) وهو يطل على المشهد الفلسطيني بعد هزيمة 1967. وبعيد انطلاقة التنظيمات الفدائية على اختلاف علاقاتها والوانها، وقد كثر الحديث عن السلاح والثورة. يبدو ان غسان كنفاني أراد ان يقول شيئا ما عن تلك العلاقة الملتبسة بين الانسان، حامل السلاح، وبين البندقية – الاداة. لذلك، ربما، صب جل نقده اللاذع، وفي معظم ما كتب تقريبا، على ثقافة تقليدية كانت ترى في البندقية أو المسدس مصدرا للتشبيح وللسلطة الفردية وتعويض عن حالة الخصي. لذلك، رسم غسان كنفاني  صورة اخرى ومقاتل اخر وسلاحا كان يرى فيه خلاصا جماعيا لشعب النكبة....

وكتب غسان في الاهداء :

" هذه تسع لوحات، اردت منها ان ارسم الافق الذي اشرق فيه الرجال والبنادق - والذين – معا- سيرسمون اللوحة الناقصة في هذه المجموعة ".

عن قصد، يذهب غسان كنفاني الى نبش التاريخ الفلسطيني قبل النكبة ويقرأ دور السلاح في الثورة واهمية الحفاظ على نظافته. يختار عنوانا للمجموعة يفصل فيه بوضوح بين " الرجال"  و بين " البنادق"  ويحدد المسافة اللازمة بينهما. نقرأ في عنوان قصة أخرى في نفس المجموعة عن " الصغير وابوه والمرتينة يذهيون الى قلعة جدين " هكذا، يجعل كنفاني للبنادق ذات مستقلة، المرتينة تتنفس لوحدها وتسير لوحدها وهي ذات فاعلة، لان بوصلتها صائبة وتعرف الوجهة والهدف.

 وان لم تكن كذلك فأنها تتحول الى شئ بلا قيمة مجرد قطعة حديد وماسورة تنام تحت الفراش.

ان السلاح بالنسبة لكنفاني له وظيفة واحدة : تحرير الوطن واسترداده من قبضة العدو. والسلاح، ان كان لازما وضروريا، وهو كذلك، فليكن اذن في خدمة الثورة والجماهير، وليكن ملكية جماعية. لان الدليل الكاذب يمكنه ان يخدع الافراد والرجال ويأخذهم الى الموت في الصحاري لكنه لن يخدع الثورة وكل سكان المخيم. اكثر من ذلك : ان الذي يضل الطريق هو من يملك قرار السلاح ويرشده وليس السلاح  وثنائية الخيانة / البطولة لا تصدر عن البنادق ولا عن الرصاص، فمن وجهة نظر كنفاني، الانسان هو المسؤول وهو الذي يجب ان يعرف ويتسلح بالوعي والارادة ولماذا يقاتل ومن يقاتل وكيف يقاتل، وكلها شروط لازمة تسبق تعلم إطلاق الرصاص!

المرتينة التي تعاقبت عليها فصول الزمن وصارت قديمة انما تتحول الان في عين " الصغير " الذي كبر، الى عروس او فرس. إنها مرتينة ذاهية للقتال في  صفد  (او في اي مكان اخر يحاصره العدو) ويعرف البطل ان الوصول الى صفد لن يستقيم بدون المرتينة، انها ضرورة الرحلة من اجل فك الحصار عن الرجال المحاصرين. أن مجرد التفكير في الذهاب الى المعركة، بدونها، يبدو ضربا من العبث. يذهب "  ويستعير المرتينة "، من خاله، ولكنه يشتري الرصاص من قرية مجد الكروم. ويسير على قدميه ساعات طوال وهو يمشي في الوحل والطين ويصعد الجبال ويهبط في الاودية الى ان يصل.

بين " الصغير " والبندقية تنشأ علاقة تتجاوز فكرة القتال والحرب والرموز. صار يأمرها ويحنو عليها، يريد ان يخبأها من عيون الانجليز والعسس. انها الان مسروجة ومعدة للمعركة وانه يتحدث اليها ويداعبها، بعد ان يغرزها في الارض، أمامه، ويتكأ هو على صخرة :

" سوف أحصل عما قريب على مرتينة خاصة، ستكون لي وحدي، وأنت ستعودين إلى بيتك، تحت فراش الصوف، واذا سمح لك بالخروج، فانما لاصطياد العصافير والسناجب فقط، الثعالب أيضا، ربما، في حالات نادرة "

(..)

ويواصل

" رغم ذلك فانت مرتينة طيبة، وتصويبك لا يكاد يخطئ، المهم في الامر هو انك أمينة، فأنت لا تخرجين رصاصك الا من مكان واحد ، أنني ارجو ذلك على الاقل "       

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية