من الصعب تخيل زمن آخر غير هذا الزمان، الذى توجد
فيه مثل هذه الهوة الواسعة بين المثقفين والمناضلين، بين المنظرين
للثورة والمجاهدين من اجلها. يبدوا
أن الكتاب، الذين ظلوا ينشرون أعمالا تأخذ شكل الأوراق السياسية لمواقف
قطاعات واسعة من الجماهير الغير موجودة فى الواقع،
قد تلبستهم حالة من التشويش أو أسوأ من ذلك.
وهى حالة
من التعالى الذليل، رغم بزوغ أشكال جديدة من الحركات الجماهيرية فرادى
هنا وهناك تنتشر فى كل مكان. وأنها
لفضيحة، فى جانب محدد من جوانب ما بات يسمى حتى الآن بالحركة المناهضة
للعولمة - دون وجود سبب معقول لمثل هذه التسمية. تلك
الحركة التى دفعت، خلال مجرد سنتين أو ثلاث فقط من عمرها، إلى تحول فى
الوجدان الجمعى للملايين عبر الكوكب، شعورا منهم بالإمكانيات التاريخية
المتاحة. قد
ترجع هذه التسمية إلى مجرد جهل فاضح، أو بسبب إننا نلتقط فقط بواقى ما
تزرعه لنا المصادر المعادية: مثل صحيفة "النيويورك تايمز".
ومرة
أخرى، يبدو أن معظم ما يكتب حتى فى الدوريات التقدمية لا يصيب الهدف لحد
بعيد، أو على الأقل نادرا ما ينصب اهتمام هذه الدوريات على ما يعتقده
المشاركون الحقيقيون فى الحركة انه الأهم بالنسبة لها.
كخبير
انثروبولوجى ومشارك نشط - بشكل خاص فى الطرف الأكثر راديكالية، من العمل
المباشر فى الحركة - قد أكون قادرا على إيضاح بعض نقاط سوء الفهم
الشائعة؛ ولكن ما سوف أنبئكم به قد لا يلاقى قبولا حسنا. وما
أخشاه، أن كثير من التردد يكمن فى تلكؤ بعض هؤلاء الذين توهموا فى أنفسهم
ردحا طويلا من الزمن أنهم راديكاليون أن يصلوا إلى الاقتناع بطريقة من
الطرق إلى أنهم فى الحقيقة ليبراليون: يهتمون بتوسيع الحريات الفردية،
ويسعون إلى العدالة الاجتماعية، ولكن بوسائل لا تتحدى بقاء المؤسسات
الحاكمة كالرأسمال أو الدولة. ولكن كثير من هؤلاء الذين يرغبون فى
رؤية تغييرات ثورية قد يشعرون بالقلق وهم يقررون حقيقة أن معظم الطاقة
الخلاقة للسياسات الراديكالية تنبع الآن من الأفكار الأناركية - هذا
التيار الذى يستمرون فى نبذه حتى اليوم -
وان وضع مثل هذا التيار فى الاعتبار سوف يستلزم أن
يندرجوا فى العمل معه بالاحترام اللازم.
أنا اكتب كأناركى؛ ولكن بمعني ما، أضع في حسباني كم من الناس المنخرطون
في الحركة فعلا يطلقون على أنفسهم "أناركيون"، وفي أي سياق، إلا أن هذا
ليس بيت القصيد لحد ما. جوهر
فكرة العمل المباشر، برفضها للسياسات التي تتوجه للحكومات تتوسل إليها
حتى تعدل من مسلكها، والتي تقف في صف التدخل الجسدي ضد سلطة الدولة
بالشكل الذي يفترض مسبقا انه البديل - كل ذلك انبعث مباشرة من التقاليد
الأناركية. الأناركية هي وجدان
الحركة، هي روحها؛ هي مصدر كل ما هو جديد ومبشر بالأمل فيها. وهكذا
فيما سيلي، سأحاول توضيح ما يبدو انه ثلاثة قضايا تخص الحركة يشيع فيهم
اللبس - ما يفترض انه معارضتنا للشئ الذي يسمي العولمة، وما يفترض انه
العنف الذي نتبناه، وما يفترض أننا فى حاجة إلى أيديولوجيا متماسكة - ثم
بعد ذلك سوف اقترح كيف يمكن للمثقفين الراديكاليين أن يطرحوا تصوراتهم
لإعادة صياغة ممارساتهم النظرية في ضوء كل ذلك...
1 - 2 -
3 - 4
|