تهللت وسائل الإعلام
الغربية فرحا وهى تعلق على الرحلة الآسيوية التى قام بها الزعيم
الكوبي، "فيدل كاسترو". على سبيل المثال، تحدثت "الهيرالد تريبيون"
الدولية عن الصداقة الحرجة بين كوبا واثنين من الدول الشيوعية – الصين
وفيتنام – تحت عنوان: "كاسترو فى الصين: لكم تغيرتم".
كاد أن يكون
المعيار الاساسى لكل التقارير واحدا: بينما الصين وفيتنام يندفعان بلا
توقف فى اتجاه أبهة اقتصاد السوق، تدور كوبا فى مدار أيديولوجية لم يعد
يقتات عليها احد (ربما، ما عدا كوريا الشمالية).
عند وصول "كاسترو" إلى "هانوي"، ازدانت شرايين
المواصلات الرئيسية فى المدينة كالمعتاد بالمناجل والمطارق الحمراء.
تحتقن شوارع العاصمة الفيتنامية بمئات الآلاف من الدرجات النارية وتصطف
على جانبيها خليط متنافر من محلات ودكاكين القطاع الخاص التى تفوق الحصر.
جاء الناس للترحيب بكاسترو. جاءوا إلى المطار، والى
الميدان أمام ضريح "هوشي منه"، ولكنها لم تكن تجمعات تلقائية. كانت
الزيارة بأكملها معدة سلفا – حتى كاسترو لم تسنح له فرصة ليلقى واحدة من
خطبه الشهيرة التى تستغرق الساعات الطوال. لم تكن هناك وسيلة للاقتراب
من الزعيم التاريخى لكوبا إلا إذا كنت مدعوا من الحكومة لذلك، ذلك الزعيم
الذى جاء فى زمن "الحرب الأمريكية" إلى هانوي وأعلن أن الشعب الكوبي
مستعد للتضحية بالدم من اجل فيتنام.
زار "كاسترو" الجنرالات الفيتناميون القدامى، وأجرى
محادثات مع المسئولين الحكوميين والحزبيين، وتلقى وعدا بالأرز الفيتنامي
وناقش فرص زيادة التجارة بين البلدين. وذهب إلى حفلة بأوبرا "هانوي"،
حضرها مسئولون من المستوى الرفيع ودبلوماسيون. كانت هناك ابتسامات
وأحضان وسط مصافحات وتبادل المجاملات. ولكن أى بلد تلك التى زارها
الزعيم الكوبي؟ هل هى فعلا الدولة الشيوعية التى كان الشعب الكوبي على
استعداد للقتال والموت من اجلها؟
بالطبع الإجابة "لا". رغم أن وسائل الإعلام تحب أن
تصف فيتنام "بالشيوعية"، مع باقي الدول الشيوعية، مثل لاوس، وكوبا،
والصين، وكوريا الشمالية، فقد أصبحت فيتنام مؤخرا هجينا شديد الغرابة من
الكونفوشيوسية والرأسمالية المتوحشة، مع بعض بقايا الشعارات الماركسية.
لا زال الحزب الشيوعى الفيتنامي يحكم البلاد رسميا،
ولكن الدولة تمتلك اقل من 70% من الإنتاج القومى العام. بعض المشاريع
يسيطر عليها المسئولون الحكوميون الفاسدون وتدار تقريبا مثل شركات القطاع
الخاص.
لا يوجد ضمان للرعاية الطبية المجانية ولا التعليم
المجاني كما صار إليه الحال فى كل بلاد الكتلة السوفيتية السابقة. حق
السكن غير مكفول. يضطر المواطنون الفيتناميون لدفع تكاليف العلاج الطبي:
الجراحات، أو أى إمراض خطيرة تبلع كل المدخرات العائلية. بعض المرضى
داخل المستشفيات الحكومية يضطرون إلى بيع منازلهم أو شققهم السكنية لدفع
فواتير العلاج. تقريبا لا احد يتمتع بتأمين صحى. التعليم الاساسى
اجبارى ولكنه ليس مجانيا.
ينتشر البؤس فى كل مكان. تظل فيتنام، بعد عقود من
انتهاء الحرب، واحدة من أفقر بلاد العالم، بمعدل إنتاج قومي عام بالنسبة
للفرد 480 دولار. متوسط الأجور (رفعوه حديثا جدا) بلغ 18 دولار فى
الشهر. ولكن هذه الأرقام كانت لا تعنى شيئا لو كانت فيتنام دولة
"اشتراكية". أليس كذلك.
توزيع الثروة فى فيتنام هو أكثر سوءا من بعض الدول
"الرأسمالية" كتايلاند وماليزيا، على الأقل كما يقول الورق ، هو أسوأ من
الهند. لا يوجد ما هو "اجتماعي" أو "اشتراكي" داخل فيتنام، ولا حتى ما
يمكن اعتباره كالمحاولات التى ثبت فشلها وفسادها التى قام بها الاتحاد
السوفييتي السابق لخلق جنة العمال.
لا توجد وسائل النقل العام فى المدن الفيتنامية
الكبيرة، ما عدا بعض خطوط الباصات القليلة. حتى فى مدينة "هوشي مينه"
و"هانوي"، اقل من 10% من السكان يستخدمون وسائل النقل "الجماعية". لا
توجد محلات "قطاع عام" (التى كانت غالبا نصف خاوية فى روسيا ولا زالت
قائمة فى كوبا، ولكنها على الأقل اعتدنا أن نجد فيها بعض الأغذية
الضرورية بأدنى الأسعار، التى تناسب أفقر شرائح المجتمع). تقريبا لا
يوجد أى دعم للطعام. أسعار الألبان والزبادي والفاكهة التى هى أساسية
لغذاء الأطفال هى اقتصاديا فوق متناول أغلبية السكان.
لتصبح من أغنياء المجتمع المشهورين. فى مقالة حديثة
بمجلة "فيتنام ايكونوميك ريفيو"، ورد تقريرا أن من المعتاد أن يحرق أطفال
قادة الحزب الرسميين ورقة بمئة دولار فى النوادي الليلية الجديدة
والديسكوهات، لمجرد إظهار أنهم فى درجة تعلو كثيرا عن عوام الشعب
الفيتنامي.
بينما يضطر المواطن لدفع نفقات العلاج الطبي ويتحمل
تكاليف تعليم أطفاله، تنمو البنايات الحكومية فى المناطق الثرية من
العاصمة. تنطلق الموديلات الجديدة من السيارات من نوع الـ
SUV والليموزين بلوحات
حكومية وعسكرية فى شوارع هانوي التى تموج ببحور من الدرجات النارية.
فيتنام هى البلد التى تزار سنويا من طلبة الجامعات
الأمريكية الراقية وهم على شغف بها.
ومن الواضح، أن الكثير من الغرب يرى فى
فيتنام نموذجا اقتصاديا لامعا: اقتصاد ينفتح أكثر فأكثر (إذا وماذا لو
اصطحبه الفساد الفاضح) وتقريبا بلا أى إنفاق اجتماعي!
كوبا وفيتنام لا يشتركان فى شيء على العموم.
فى زيارتي الأخيرة "لهافانا"، دعيت لشقة احد أعضاء
اللجنة المركزية. كان يبلغ أكثر من 60 عاما وكان مريضا. ولكنه فى كل
صباح يذهب لعمله على دراجته – "شعبي يعانى وأنا سوف أبدد فلوس الدولة على
السيارة ووقودها". بشقته غرفة نوم واحدة وبدون مصعد كهربائي. لا زال
يمتلك تلفزيون ابيض واسود.
حتى بعد انهيار الكتلة السوفييتية، لا زالت كوبا
الفقيرة بشدة تتولى مسألة توفير الرعاية الطبية الممتازة بالمجان، وتوفير
التطعيمات، وتوفير العلاج المجاني، وبطاقات الطعام الذى يكاد أن يكون
مجانيا. حتى الآن هى أكثر بلاد أمريكا اللاتينية التى تمتلك أعلى معدل
لتوقع طول الحياة بعد الميلاد، وهو معدل مساو للولايات المتحدة تقريبا،
هذا إلى جانب أفضل السكان تعليما.
بينا يتميز المثقفون والفنانون والكتاب والموسيقيون
والراقصون وصناع الأفلام الكوبيون ويتفوقون عالميا: يقترب التصدير
الثقافي لفيتنام من الصفر. كوبا دولية وكذلك أممية: فيتنام منغلقة تنكب
على "المحافظة على تراثها". الكوبيون مهووسون بالكتب والأفلام من جميع
أنحاء الكوكب. تقيم "هافانا" واحد من أفضل مهرجانات الأفلام فى العالم،
بينما "هانوي"، بمليونين من السكان، تمتلك ثلاثة دور صغيرة للسنيما فقط
وتقريبا لا يسمح لأي فنانين مشهورين من الخارج بالقدوم إليها لعرض
أعمالهم.
الكوبيون تغمرهم الحماسة للسياسة. تناقش القضايا
السياسية ليل نهار فى البيوت، وعلى المقاهي أو الحانات المحلية الضيقة
حول كاسات الروم ودخان التبغ الأسود. بينما الظاهر أن الفيتناميون لا
يبالون بالسياسة. الثورة ليست شغفا، ولكنها مجرد اكليشهات لم يعد احد
يأخذها مأخذ الجد بعد الآن.
فى هانوي، أوضحت لي الآنسة "ها" أن الثورة
الفيتنامية يفترض أنها وحدت البلاد ولكنها لم تخلق دولة اجتماعية.
فى "هافانا"، لا تزال الثورة عاطفة مشبوبة. يحبها
الناس أو يكرهونها، ولكن لا يوجد احد لا يبالى بها. أنهم يكتبون الأغاني
عنها، ويؤلفون عنها الكتب والأشعار. أنهم يرحبون بالجوع من اجلها لو
كانوا "ثوريين حقيقيين" أو يرحبون بالمخاطرة بحياتهم للهرب من الجزيرة لو
كانوا ضدها.
"هانوي" مكانا موجه ناحية البراجماتية والبيزنس.
التضامن قائم داخل العائلة ولكنه لا يوجد فى الشارع، ولا فى البلد ككل.
تكاد المثالية إلا يكون لها وجود: الشوق للنجاح المالى يحكم أرواح مواطني
العاصمة المتميزين. هؤلاء الذين فى عداد الفقراء، الأغلبية الكبيرة من
سكان هانوي والريف، يبدو أنهم لم يبق لديهم أحلاما ولا آمالا، ولكنهم
مستسلمين لحياة تحافظ على سد رمقهم فى الحدود الدنيا، دون انتظار لأي
معونة جوهرية أو عدل اجتماعي.
لا تبدو أى مظاهر للبهجة فى شوارع "هانوي". المدينة
تزدان بالألوان وبعض مناطقها جذابة. ولكنك المرء لا يسمع ضحكا. يبدو كل
شخص يبدو مستغرقا فى حياته أو حياتها الخاصة. يبدو كل فرد شاخصا إلى
أمامه بشكل مستقيم لا يتلفت يمنة ولا يسرة، لا ينشغل بالآخرين، ولا ينشغل
بما حوله فى المدينة، ولا حتى بما فى العالم كله. انتهت الثورة! أم
تأجلت؟ أم أنها لم تحدث حقيقة من الأصل؟
أغادرهم فيدل. عاد إلى جزيرته الخضراء التى ما زالت
تثير المشاعر عند ملايين البشر عبر الكوكب كله. انه محبوب ومكروه. انه
يثير الإعجاب وكذلك يثير السخط والاستنكار. ولكن الكل يعرف اسمه، أيا ما
كان مكانه! انه فخور ينفسه وشعبه أيضا فخور بنفسه. قد يكونوا فقراء،
ولكنهم يطعمون الجائع، ويساعدون المريض ويعلمون أطفالهم.
تعلم الأفارقة، عندما كانوا تحت ذل الاحتلال
الاستعماري العسكرى، أن يضعوا فى حسبانهم الجنود الكوبيين الذين حاربوا
وماتوا من اجل الحرية فى أفريقيا. عشرات من الأمم البائسة فى العالم كله
قبلت بامتنان الأطباء والمدرسين الكوبيين إلى جانب التطعيمات الكوبية.
"الهيرالد تريبيون" الدولية على خطأ. كوبا ليست
"واحدة من الدول الشيوعية". أنها مثال وحده، للأفضل أو للأسوأ. أنها
تعطى عندما يكون فى قدرتها العطاء و، مع الاستثناء العظيم للصين، لا تأخذ
شيئا عندما تكون هى نفسها فى احتياج. كوبا هى ضميرنا المعذب وهى فخرنا.
وعلى الرغم من ذلك، هى ما تزال وسوف تبقى بالنسبة للكثير منا، جرس
التنبيه بأنه ما زال هناك رجال ونساء على هذا الكوكب لا يرحبون ببيع
معتقداتهم مقابل بضع دراجات نارية جديدة أو أجهزة تليفون محمول (هواتف
نقالة (جوالة)) لامعة.
يؤمن الشعب الكوبي بالمساواة (حتى بعض المنشقون عليهم
يؤمنون بذلك)، ويعتقدون كذلك فى العدالة الاجتماعية. أنهم يتغنون بها
ويرقصون لدعم بعضهم البعض فى اللحظات التى يبدو فيها العالم حولهم مخيفا
ومهددا. الإعلام واللافتات والنجوم أمور حقيقية هناك، وليست فقط لإنارة
وتزيين الشوارع الرئيسية. عندما يهتفون
"Socialismo o muerte, carajo!" (الاشتراكية
أو الموت، اللعنة!)، تنطلق صادقة وتكون حقيقية، للعديد منهم على الأقل،
وربما للأغلبية.
|