- العسكرة والحرب -

أسلحة ليبيا للدمار الشامل
إعادة ابتكار القذافى

روبرت فيسك

الاندبندنت البريطانية، 25 ديسمبر 2003.

ترجمة : خالد الفيشاوى


فى نفس الموضوع:

لنفس المؤلف:

مشكلتي مع ملحمة القذافى كلها هى أن ليبيا التى اعرفها تستطيع بالكاد إصلاح ماسورة صرف صحى أو تركيب مرحاض فى احد الفنادق.

إلا أن نفس ليبيا هذه، بعد سنوات من العقوبات، من الواضح أنها تصنع قنابل نووية.  علماء نوويون ليبيون.  كرر هذه الثلاث كلمات مرات ومرات.  حقا؟  وما هى تلك الكلمة الغريبة فى تصريح "داوننج ستريت"؟  "برامج"؟  أليست هى بالضبط ما اتهم مستر "بلير" العراق بتطويره بعد أن انقلبت حكاية أسلحة الدمار الشامل التى حكاها لنا مطولا، إلى حكاية خيالية؟  طبقا للمسئول "الرسمى الامريكى" المعتاد مجهول الاسم الذى يطل علينا بطلته البهية يوميا فى صفحات الجرائد الأمريكية الأولى، ليبيا لا تمتلك فعلا قنبلة نووية ولكنها "تقترب" من تطويرها.  ولكن ماذا يعنى هذا؟  ما مدى قرب قربها؟  سنة؟ عشر سنوات؟  بعض الوقت.

طبعا القذافى معتاد على الانبهار بالأسلحة.  مثل الديكتاتور فى قصيدة "أودين" المدهشة، "الشعر الذى يخترعه يسهل فهمه... انه مولع بالجيوش والأساطيل".

أتذكر الليالي اللزجة الحمقاء فى طرابلس عندما كان هذا الرجل التعيس يحتفل بثورته لمدة سبع ساعات من الاستعراض العسكرى، دبابة تلو دبابة، وصاروخ تلو الآخر، لم يستعمل أيا منها أبدا.  حتى لقد كانت هناك فرقة من 300 مقاتل أشداء من الضفادع البشرية الذين كانوا يلهثون سيرا أمامنا فى منتصف ليل خانق الحرارة يرتدون نظارات البحر، والزعانف التى يرتدونها فى أقدامهم تلتصق بالاسفلت الساخن.

وأستطيع أن اصدق أن من بين الترسانة الهائلة عديمة النفع، من الدبابات البالية سوفييتية الصنع وطائرات السوخوى والميج 23 التى صدأت فى الرمال، والمفروشة كأوراق الخريف فى القواعد العسكرية الليبية الكثيرة والمهملة بلا صيانة، كانت توجد بعض القذائف الكيماوية القديمة.

"الرابطة"، المصنع الذى كان محورا لآلاف الروايات التى تؤسس على معلومات من "مصادر استخباراتية" - -  ذوى القربى للمسئولين فى الولايات المتحدة - - الذين أدانوا المصنع بإنتاج مواد بيولوجية، وكيماوية، واجهزة طرد مركزى وسخافات غبية اخرى.  ولكن من هو بالضبط الذى صممت كل هذه الأسلحة – أو البرامج – من اجل إزالته من على وجه الأرض؟  مصر؟  الجزائر؟  صقلية؟  ولو كان القصد بيعهم "للإرهابيين"، من منهم كان يسكن عقل القذافى؟  هل كان سوف يبيعهم للجيش الجمهوري الايرلندي، عندما كان أفضل ما فى استطاعة القذافى أن يصنعه لهم هو إرسال حمولة زورق من البنادق القديمة تتبعتها البحرية الملكية؟  أو كان سوف يرسلها إلى المتطرفين الإسلاميين الذين أعدمهم القذافى فى بلاده بوحشية لا تقل عن وحشية صدام – ولكن لن تفتح المقابر الجماعية من اجلهم.  هذا انه لن يكون مستغربا انه زودنا بالمعلومات الدقيقة عن العمليات التى قامت بها القاعدة.  إنهم خطر على القذافى مثلما كانوا بالنسبة لصدام؛ غير أنها فقط ليست القصة التى تحكى لنا.

ليست فعلا.  فبعيدا عن كونه قاتل مستبد صغير آخر، العقيد القذافى الآن، كما يقول جاك سترو، "رجل دولة، وشجاع".  وطالما يشتكى السيد بلير من أن كامل حلبة السيرك البائسة فى العراق قد أقنعت القذافى بنزع سلاحه – حتى ولو أنكر الليبيون ذلك تماما – فمن ثم إذا أن كل الأكاذيب التى اخبرنا بها رئيس الوزراء عن تهديد الساعة إلا ربعا الذى هدد به صدام يمكن نسيانه.  أو هكذا يجب أن يأمل هو.

القذافى رجل دولة.  سوف يستغرق العرب أنفسهم فى التدبر مليا فى هذه الستروية ويملؤهم الفزع.  حتى الرئيس المصري مبارك – وهو رجل صبور لو كان هناك مثل هذا الرجل – لم يملك أن يكظم انزعاجه من هذا الليبي المتعب الذى يشحن طاقم حراسته الشخصية من المقاتلات الحسناوات من كل مكان فى العالم لحماية رئيسهن المجدور.

ذهب ذات مرة إلى بلجراد بحصان ابيض كان يخطط لركوبه منتصرا فى شوارع العاصمة الصربية لحضور مؤتمر دول عدم الانحياز.  اعترض المسئولون اليوغسلاف على فكرة الحصان ولكن سمحوا له بنصب خيمة أمام واحد من اكبر فنادق بلجراد يمكنه داخلها أن يشرب طازجا لبن ثلاث نوق (إناث الجمال) قدمن معه خصيصا لهذا الغرض.  هذا هو "رجل الدولة" الجديد الذى يقدموه لنا.

 

ZNet - من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - زى نت العربية