كأنه كان في نوم عميق أيقظه
ارتعاش ذبذبات في جيب سترته الداخلي..صوت رنين موبايل.. موسيقى
أغنية كان يطرب لها في شـبابه،مـدّ يده وأخـرج جهازا اندهش لرؤيتـه.لم يره
من قبل. نظر في لوحـة الجهاز وضغـط على زر بطريقـة آلية فرأى
صـورة امرأة حول عينيها آثار إجهاد وسهر. وحول فمهـا بعض تجاعيد
الزمـن. بجوارهـا صورة لفتاة جميلة شابة تشبه امرأته في أيام
الصبا.لم يعرفها علي وجه اليقين. أفاق من ذهوله وتأملاته واصطياده لأفكاره
الشاردة على نداء(ألو) وضع الجهاز على أذنـه وقـال :
- ألو..
جاءه صوتها الأنثوي الرقيق رخيما وشجيا في نبراته
وحشة وعزلة...
-ألو..أنا سعاد ابنتك
-سعاد؟سعاد ابنتي في الخامسة
عشـر..من أنت؟
-أنا ابنتك ... ابنتك يا بابا
-ابنتي؟1أين أنت؟
-أنا في نيويورك ... معي لؤي
وواصل وابنتي عطاء
تلعثم.. حاصرته بأسماء لا
يعرف عنها شيئا.. لؤي.. واصل.. عطاء..
-أنا لا افهم شيئا عما يحيط
بي.. ولا تلك الأسماء التى ترددينها.. ولا حتى المدينة التي
تحتويني.
-أين أنت الآن علي وجه
الدقة.
-أنا في المترو.. لم أره من
قبل.. لامع ونظيف.. الناس.. الناس.. الناس
رائحتهم معطرة وملابسهم نظيفة وأنيقة. لكن وجوههم عابسة وكئيبة
وشمعية لا أحد يبتسم كأنهم ريبوتات.. لا أحد يثرثر..
حركاتهم محسوبة وبدقة وعناية.. ماذا يحدث؟ لدي إحساس بالعزلة
والغربـة، ملابسي علي غير العادة منظمة وهيئتي في المرآة تنـم عن اهتمام
بالمظهر على غير عادتي و.. وأنا غريب عن نفسي.. أين أنا؟ أنا لاأعرف
من أنا؟
-لا تخف التزم الهدوء وضبط النفس،
كن رابط الجأش.. عادت لك الذاكرة فجاءة كما توقع الأطباء..
ستخرج من محطة المترو مع الركاب. اتبع اللوحات الإرشادية.كل شيء في
الخارج قد تغير تماما.. ستري مدينة جديدة لا تعرفها.لا
ضوضاء. ولا باعـة
جوالين. تماثيل شامخة علي
قواعد تعكس أشعة الشمس في كل اتجاه.. في الموبايل مفتاح عليه تمثال
الحرية. اضغط عليه ستظهر مفكرتك الألكـترونية. فيها أرقام
تليفوناتـك. وعنوان الفيلا في الحي الأمريكى شارع 5 يونية.
-ما معنى هذا ... أنا أسكن
في فيـلا في الحي الأمريكى. وتحادثينني من نيـويورك؟
-بابا ممنوع الكلام أو الثرثرة
إياها.. ألم تكن تقول :لعن الله السياسة، وكل لفظ يشتق من السياسة
... لقد أفقدتك الذاكـرة، هذه المرة سنفقـدك إلي الأبد.. لاعلاقة لك
بأحد..كل من كنت تعرفـهم رحلوا، لا يوجد إلا من كنت تمقتهم.. أنقـذك
فقـد الذاكرة..ممنوع الكلام في الوطنيـة والقوميـة والدين أو حتى حقوق
الإنسان إياها.. حقوق الإنسان الجديدة تواضع عليها مجتمعنا الجديد..
نشاطك في المحافظة على البيئة
وإدارة أعمالك.. اذهب إلى
مزرعـة ماما واستمتع بوقتك وبما تبقى لك من عمرك..
تبرع لمستشفيات أمراض القلب
والعقم والذكـورة والأمراض النفسيـة والعقليـة والسـل الرئوي والسرطان
والفشـل الكلوي.. تطوع في الأعمال الخيرية بما يناسب حيثيتـك ومركزك
الرسمي والاجتماعي... ستكون تحت المراقبـة الألكترونية؛الآن علمت
السلطات بعودة ذاكرتك... إحـذر الثـرثرة...
-مـاذا حـدث ... أنا لا أفهم شيئا
مما يدور حولي؟ هـل انـا ما زلت في بلادنا الحبيبـة؟
-نعم ... كل البلاد هى
بلادنا الحبيبـة. لا فرق بين بلادنا وبلاد كل القارات
-حتى إسرائيل؟!
-بابا افهم أرجوك افهم..
الآن ستخرج إلى الشارع ستجد السيـارة المتالك السـوداء في انتظارك..
السائق يعرفك..اترك نفسك له.. انصـت بكل جوارحك
إلي كلام وتوجيهات ماما.. لا تحيد
عنها. لا تضطرنا أن ندخلك حضانات التأهيل التربوي والاجتماعي
والسياسي ... قال في أسى وحسرة :
-ماذا حـدث يا ابنتي؟؟
-باختصار نمتلك مخزون هائل من
البترول والحديد اليورانيوم واللثيوم والذهب ... تحت رمال الصحاري
أكبر وأطول الأنهار الجوفية في العالم ... الصحاري تحولت إلي مـزارع
وغابات ومـراعي ... لكل إنسـان حق التملك.. مزارع يابانية وأمريكية
وإسرائيلية ...
-أصبحنـا دولـة صناعية كبرى مثـل
اليابان.
-لا لا..نحن مثل الدول
البترودولارية. تعـرفهم؟ هم يصنعون لنا ويزرعون. ونحن
نأكل.. لنا حرية التنقل، والعيش والعلاج.
-هل نملك جيشـا قويا.
-مازلت أسيـر أوهام المـاضي...
هم يكفلوننا
-نحن فقط نعيش لنأكل ... كم عـدد
السكان الآن؟
-أربعـون مليـونا
-كنا سبعـون مليونا..أين ذهب
الباقي؟!...
قـالت بنفـاد صـبر :
-ساعـد الفقـراء ؛وساعد علي إقامة
العدل ومجتمع الرفاهيـة.. كن عينا يقظـة
لإرسـاء أسـس المجتمـع العـالمي
-مـاذا عن الأدب والفنـون
والحيـاة العقليـة
-كل شيء تحت السيطـرة ... استنشـق
الهـواء النظيـف..
-مـاذا عن الحيـاة الروحيـة؟!
-تستطيع أن تنتمـي إلي أي
جماعـة صوفيـة..كنت تحب اليوجا
قـال في كبريـاء كسـير:
-أنـا لا أعرفـك ولا أعرف
عالمـك؛ولا أنتمـي إليـه؛ولا أنت تنتميـن إلي..
من أنت ومن أي عـالم ذليـل
أتيـت...
وقف ذاهلا والدمـوع تتسـاقط
بغـزارة ؛قـال أحـد المـارة في صـوت خـائف مرتعـش هامـس:
-أما زلت تستطيـع البـكاء لقـد
نسيـنا هـذا الـترف....
مؤلف معجم تصريف الأفعال العربية،
مع آخرين (إصدار دارإلياس للطباعة والنشر)، ونشر عدة قصص فى جريدة الجمهورية
وجريدة المســاء القاهرية، ونشرعلى
ofouq
Magazine قصة (عودة
الذاكرة) فى شهرسبتمبرالماضى.
arlshaf954@hotmail.com