أتذكر تلك المسافة التى كنا نعدو
فيها... نتسابق. من منا يصل قبل الآخر. كنت أنت تســبقنى..
كنت لا أجرؤ على اجتياز العقبـات. أقف عند الحـواف وأعجز أن ألج
الأعماق.. كنت( أنت) جســـورا تـأتى من القاع بالأصــداف..تتخذ
القـرارات الصعبة دون أن تجترئ على الأعراف..كنا نتراشـق بالكلمات
والآراء... كان الوجع مشتركا حتى الأحــلام... كنت تدس أصابعك فـى خفايا
الأشـياء ، فـى الفـراغـا،فى مفاصل الكلمات ،لتزيل تخوفى وتوجسى
وشكى.تهدهد تطرفى. تكبح من جنوح نزعاتـى.
هادئا كنت تغفو وأنت واثق من
انتصارنا. تتوسد رأسك حشايا اليقين ،وأنا أعيش فوق فوهة بركان من
لهيب الشك... كنت تقول :للحق ظواهرلاتطمس ،وتفتر ثناياك عن سحـرابتسامة
متسقة مع تفاصيل الوجه فتتألق ملامحك جمالا ورجولة. نفتقد ذواتنا حين
نجالس من لم تتواصل جيناته مع جيناتنا.تتقطع خيوط الاتصال.تتساقط موجات
التآلف والتعاطف.تتنـافى أصلا ترددات الزيف والتملق مع موجات
استقبالنا.تتحطم المستقبلات.
أتشظى... أتحرق.أتلوى.
أتمطى.أتثنى أتأود.أنشـال وانحط. صم أذنيه. أغلق عقله.
يغلظ فى القول.
يتحامق..نتضاحك. تنسحب داخل نفسك لكيلا نتعارك ولا يرتفع ضغط
الدم. ذاتك مستوعبة فاهمة ،إذا لم تستوعب الآخر تصمت.
صدق سارتر حين قال "الآخر هو الجحيم "استغلق علينا فهم الحمقى.
أقاموا بيننا وبينهم سدا فهم لايبصرون. لاسبيــل إلا أن نتسافه...
تجذبنى. ننصرف حزانى !!
تحنو على أولادك. تعشـق عيناك أن
ترنو إلى حجرتهم تنظفـها وترتبها كيـلا تتسرب حشرة بين ثنايا الأغطية…صنعت جنة من حنان حنوك على زوجك
رغم نفورها منك وتأففها من الحياة ،ومن الناس ،ومن الأولاد…
أطلت لها من حبال صبرك سنين عمرك
الغض، لم تعرف لك قدرك ،ولم تدفع عنك ألسنة الملسوعين والحاقدين ،كانت
معول هدم يدك كيانك الصلد الشامخ. لم تحتسب لوجع الرحيل ،وآثارك وهى
تنمحى من على أسطح الذاكرة وتقف بلا سند تنوشها السهام... كنت أشعربرجفة
الغضب تجتاحنى حينما أراها تستهين برجولتنا
وتستخف بمشاعرنا:
كان غيركم أشطر... راح تعدلوا
المايل..إسـرائيل قاعدة على قلوبكم.. هوأنتـم أد أمريكا..كل واحد يدور على
رزقه ،ويبحث له عن سفرية
يومها قلت لك :
زوجتك يا بنى تعمل مع الموساد
أوسى آي أيه أوهما معا.
تضاحكنا كمدا…تساءلت :
ما طعم الاستشهاد... ما شكل
الحياة بعد الموت ؟!!
صمت. صدمت. خرس
لساني... سؤلك أكبر منك ومنى. لم أعلم أنك ترتب لهذا العمل
الجنوني... آسف لهذا العمل البطولي. أمثالك يقودون تتابع
المسيرات.
خطواتك تكشف فراغات هائلة في
عقولنا. لا أجرؤ أن أتخطى حدود قدرك الماثل أمامي منذ يوم 19
أكتوبرسنة 1973 يوم امتطيت ظهر دبابتك "ياعبد الله "
وأمطرت العدو من فوهة مدفعك
العملاق وابلا من غيظك تسحقهم... تفتش عن موضع الداءات العنصرية المتعالية
لتستأصلها ليأتى نهارمتشبع بألق الحرية والسلام والتسامح ،ولتصنع ما عجز
عنه أنبياءهم والفلاسفة ،لكي يعيش الإنسان الإنسان ،
كنت تقول :"الإنسـان هو الذي يأنس
إلي غيره ،وإليه يسكن ،وبه تذهب وحشته ،
وبه تتم المآنسـة والملاطفة "
لكن يا صديقي النائم
هناك... في الضفة الأخرى... الحي هناك ،لم يستوعب عدوك بعد ما قدمته من
تضحيات ،مازال قابعا تحت جلده يتربص بالحياة يقذف نيران حقده على أطفال
الجنوب ،وعلى سهل البقاع ويغتال نهر الليطاني ،ولم يتخلى عن نازيته
ويصر على إذلال وحصد أرواحنا
الغضة في فلسطين وفى شتى أرجاء المعمورة تحت مسميات شتى. كنت تؤمن
أن الدم يروى شجرة الحرية والسلام ،لكن الدم الذي أريق لم يقنع بعد عدوك
وعدوى ،فقد ذبح عصافير الكناريا في الخليل وأريحا وبيت لحم... طارت كل
العصافير..هاجرت من أرض السلام،وأصبحت بلا مأوى ،
وأعشاشها تشكو الفراغ…ومازال وجه الفقمة
،والاستحوازوالتعالى وإذلال وإهانة الآخر،يقتلع أشجار الزيتون ،ويهدم
ويدمر المأوى والأمان،ويقتل الحياة فى كل شبر تطاه أقدام الجراد ،ويضبب
الرؤية... ويعشى البصائر. يخنق البراءة. يزيف الحق، ويحجب
نورالشمس ،ليحل ظلام القوة والاغتصاب. وتجرى أنهارالدم ،ويهرب
السلام من أرض السلام …
أراك غير نادم. تبارك روحك
كل السائرين على دربك الذى يعطى ولن ينقطع عطاءه ،عطاؤك صاعد على مدارج
الصمود فى خنادق جنوب لبنان ،وعلى الحدود وفى وادى عربة، والجولان،
والبصرة ،والفلوجة ،وبغداد …
سأكمل ياشـهيد... لن ينثني
عودي. الآن تجرأت على حمل التبعات،واجتيازالعقبات.
يد تهدهد حلمي.تستحثني على
المسير..تدفعني بقوة نحو غايتي. يستيقظ في الإنسان...
أنتشي. أسمو فوق الغايات... أفتقد في عدوي الإنسان..الرفاق يشدون من
أزرى …أبناء الانتفاضات، وشهداء
الرافدين..
استيقظوا..لن ينـاموا أبدا …
نهضوا ليعيدوا الإنسان...
الإنسان..لاتبتئس صديقي... الشمس لن تغيب عن وادينا
أبدا لن تغيب شمسنا... ياشهيد
مؤلف معجم تصريف الأفعال العربية،
مع آخرين (إصدار دارإلياس للطباعة والنشر)، ونشر عدة قصص فى جريدة الجمهورية
وجريدة المســاء القاهرية، ونشرعلى
ofouq
Magazine قصة (عودة
الذاكرة) فى شهرسبتمبرالماضى.
arlshaf954@hotmail.com