أحمد رمضان فنان " اشتباكى " ، ليس بمعنى
الدخول فى صراعات و مشاكل مع الآخرين
، بل بمعنى الاشتباك مع الواقع
وقضايا المجتمع والوطن ، وهناك فنانون مهمومون بهذه القضايا ، وقد تنضح أعمالهم
من حين الى آخر بهمهمة سرية لا يكاد المشاهد يدركها أو أن يفك
رموزها، أما هو فلا يكتفى بالتعبير الفنى فى لوحاته ومجسماته ، بل يعمد الى الكتابة عما يراه
و يدركه و يرفضه من متغيرات الواقع فى بيانات تصاحب معارضه ، لأنه يرى فى الفن كشفا
و تعرية و مواجهة لانفسنا و
لمجتمعنا . لكن الأهم من "البيان" هوالعمل الفنى بالطبع ، فلو لم
يأت فى قوة البيان بلغة التشكيل والابداع لما كانت له أية قيمة .
وانتاج أحمد رمضان الفنى اشتباكى أيضا مع
القيم الفنية السائدة ، ومع
الخامات التى يستعملها ، فهو يرفض
الحالةالصالونية للفن بمظهرها البرجوازى الذى يخاطب جمهورا أنيقا باحثا عن
الشياكة والزينة ، و يخلخل الثوابت ويستفز القرائح والمشاعر بعمله الفنى ، وهو
يرفض أيضا التقنيات والخامات التقليدية المستهلكة والمتعارف عليها ، فلا يجعل
للوحة اطارا محكما ، كما لا يجعل للقطعة المجسمة ارتكازا ثابتا ، فكلاهما
متحرك وقابل للتغيير والتعديل من مكان الى آخر بحسب البيئة الفراغية والثقافية
التى يعرض فيها ، كما أنه يتعامل مع الخامة بمنطق تجريبى ليس لاثارة
الاستغراب ، بل للبحث عما تحمله من ذكريات الناس و خبراتهم الحياتية ،
و كذلك لتعبيرها - أكثر من غيرها – عن رسالته التى يريد حملها
الى الناس ، حتى لو كانت هذه الخامة من نوافل الأشياء و من مخلفات الحياة
اليومية .
اليوم ينظر احمد رمضان فى صميم حياتنا هذه
من خلال معرضه الجديد عن أوراق " الكوتشينة " و أوراق الجرائد المستهلكة ،
لنتابع من بين هذه و تلك ما يعترى المجتمع من متغيرات ، أو ليدخل
بنا الى ما يشبه لعبة الحــظ والقمــــــار التى نغرق فيها بشكل أو بآخر
شئنا أم أبينا ، ينظر الينا و قد صرنا أرقاما وعلامات فى أشكال قلوب و
أزهار و مربعات ، تتناقلنا الأيدى و تقامر بمصائرنا ، أو نقامر نحن
بأنفسنا ، وفى سبيل الفوز بأى شىء نتوسل بصور الولد والبنت والشايب والآس
والكومى ، أما مائدة القمار فهى صفحات الصحف من كل لون واتجاه ، بدءا من
صحف الاثارة السياسية حتى الاثارة الجنسية ، ومن صخب الاعلام الى هوس
الاعلان ، الكل بات معروضا على موائد القمار واللعب ، ومطروحا للمتاجرة
والمزايدة والمناقصة ، حيث تستلب الارادة من أيديهم لتتركز فى أيدى
اللاعبين الذين لا نراهم فى أوراق اللعلب !
غير أن " المعنى " وحده لا يقيم معمارا
فنيا ، وهنا تكمن مغامرة رمضان فى توظيف هذه الأوراق ذات المرجعية
المعرفية لدى المشاهد ( التى لا تتمتع بحسن السمعة ! ) لتحمل دلالات جديدة
بصريا و تعبيريا ، انه يحيل الشكل من خلالها الى علامات جرافيكية تنتقل من
المشاعية الدارجة فى الحياة اليومية الى الخصوصية التأليفية بنظرة تنتمى
الى الفنان وحده .
وقد يظن المشاهد أن رمضان يساير بهذا
الأسلوب بعض اتجاهات فنون ما بعد الحداثة فى الغرب ، لكن المتابع له يعرف
أنه يستقى تجاربه ورؤاه من حس ابن البلد الفطرى ، ومن صميم الحياة الشعبية
التى منها جاء ، واليها يعود .
صور لبعض اللوحات!