(1)
استيقظت ابنتي فزعة ،إليها أسرعت :
-
ما الخبر ؟ما
بك؟!!!
-
نفس الحلم .
كل شيء يهتز ، ألم تشعر بزلزال؟! رأيت كل شيء يسقط ويتحطم ... كان
حقيقيا يا أبي .. صدقني ... فـرّت أمي من باب مفتوح على فضاء فسيح ،
تركتني خائفة مرتاعة . كانت تصبب عرقا...
جففت عرقها ، ضممتها إلى صدري ...
- لا تخافي ، أما زال الزلزال عالق بذهنك ؟!
-
لا أنساه ...
ذلك اليوم ... أذكره .. جيدا أذكره .. بدراجتي كنت ألهو ... فجأة اهتزت
الأرض ، تمايل كل شيء .. تراقص التلفزيون .. تحركت الثلاجة .. الفازات
..النجفة .. سقطت الأطباق .. باطن الأرض يدمدم في صخب .. احتضنتني أمي (
نظرت إليّ بارتباك وخجل) بدا على ملامحها طيف ذكرى كسيرة حزينة،
كأنــها
تقول :أنا لن أكون كأمي ... عينيها .. تقاسيم الوجه ..تعبيرات الأسى تعتذر
عنها جاء ذكر أمها عرضـــــا
- لا أعاد الله هذا اليوم الكئيب ... ربما شاهدت فيلما أو قرأت رواية ..
لا يبغضنك أو يزعجك شيء طالما أنا بجوارك ...
فشـل حياتي الزوجية أورثتها شكوكا ..اهتزت الثوابت ، وارتبك اليقين ...
هواجس المراهقة ... أحاول أن أحميها مما يؤذي مشاعرها الطفولية... مازلت
طفلة في عامها الرابع عشر .... أحيانا تمزقني مشاعر الأبوة والشكوك ... هل
ألجأ إلى تحليلـ ...لا.لا لن تتغير مشاعري تجاهها ... فيها شيء من
شقيقتي ... أصابع قدميها..شعرها المجعد .... كانت تستشعر شرودي ... تحتضن
رأسي وتقبلني في وجنتي كما كنت أ فعـل مع أمها حينما لا أجدها معي .. دون
توقع ، قالت : ماما اتصلت بي أمس .. ابتلعت ريقها .أردفت :" زوجـ..."
توقفت في حلقها الكلمات ... لم تكتمل . صوبت نظراتي النارية ناحيتها ...
تنبهت ... تلعثمت وارتبكت . لا أتمالك نفسي ، صفرة الموت تكسو ملامحي ...
تبرز عينيّ ... ويقف شعر الرأس ... كأن ما حدث حدث في التـّوّ واللحظة ...
جلست ... رجعت إلى نفسي ... حاولت الابتسام لأزيل حرجها . لأنقذها من
ورطتها . تجاهلت ذلّة لسانها ... واصلت مداعبتها . لا ذنب لها ... ربتّ
بحنان على كتفها ... مسّدت شعـرها بيديّ كما أفعل مع قطتها ... جاهدت أن
أبدو طبيعيا ، تحليت بصبر فوق الاحتمال ....
بدلع طفولي مصطنع ، قالت : دراجتي ليست في الشرفة ...
-
أعطيتها
للخادمة مع بعض الكتب المدرسية التي لا أهمية لها 000
-
من فضلك إنها
أشيائي أنا... أنا حرة التصرف فيما أملك ....
-
أخطأت ...
أعتذر..هل تقبلي اعتذاري؟! سأشتري لك أفضل وأحدث منها ...
"حينما
كانت تغضب أمها كنت أ قدم لها هديّة : فستان .. نزهة .. سهرة ..ما الذي
أفعله ؟! .. متلبسا ضبطت نفسي ... نفس الأخطاء ... الرشوة والتدليل وعدم
الحسم .."
-
.... ....
.... .... ...
فجأة احمرت جفونها . أجهشت بالبكاء، تحول نشيجا ... صارت طفلة باكية ...
تملكتني الحيرة ... يجب أن أكون حازما ، لا مجال للتردد والضعف معهـا ...
تماسكت ... استدعيت كل قواي ... أنثى ... ستستغل مشاعري وعطفي ... صراع
داخلي ... لا.. سأكون أبا حازما ، لا أنوي أن أضعف أمام استجدائها ...
في سـن الخامسة طلبت مني أن أشتري لها دراجة وتنزل بها إلى الشـارع ، قلت
لها :
-
اطلبي من
ماما معها كل نقودي ... لم تطلبين مني ولم تطلبي من ماما ؟
-
أنت طيب ،
وماما سترفض ...
ضحكت ... اكتشفت ضعفي . لم أعط لهذا الاكتشاف حقه . يبدو أن الطيبين
أغبياء ... بفطرتها اكتشفت غبائي... ضعفي ... بذكائها الطبيعي عرتني أمام
نفسي .. اكتشافي جاء متأخرا جـدا... تحملين وجهها ... ألن تكوني صورة
منها؟ نفس الوجه . نفس الملامح .أخافك يا ابنتي !!
" بيت أبي وأمي ، مأوى طفولتي وشبابي ... يحتضني وابنتي . مرّ عام ،
البديل هو الشارع.احتالت عليّ ... خدعتني أرتحل ... أعاد مهزوما ومكسورا
من أجل طفلتي . أهي شماعة أعلق عليها ضعفي ؟!. كنت أحاول أن استرد بعض
مدخراتي ... كان أبي يقول لي : ثلاثة لا أمان لهم ، المال وإن كثر
،والمرأة وإن طالت عشرتها، والدنيا وإن أقبلت عليك ... لم أصدقه ... ينتمي
إلى جيل غير جيلي . الواقع تجاوزه بعقود وعقود ... هكذا كنت أفكر... نسيت
خبرة وتجارب السنين ....
(2)
جافا وناشفا كان صدر أمي ... ناتئة وبارزة عظامه. يحصى ضلعا ضلعا ...
بخيلة في مشاعرها ... ثديان ضامران . ميتان لا حياة فيهما ، عروق متدلية
مهترئة . وجه حاد وصارم ، وفم مزموم مطبق لا يعـرف كيف يقبل طفلا ، تنهـر
نسوة الدار لو قبلن طفلا ... الأوامر والنواهي والشتم والسب ... لا
أذكرأنها طبعت على فمي قبلة،أبي كان يضمني إلى صدره ويقبلني خلسة ... لا
أدري كيف تعايش مع هذه السيدة كلّ عمـره ... مصريّ قحّ . . . رأسي
الذي ثقل عليّ بهواجسه أعياني ... أحلم – وبعض الحلم حق مشروع –
بصدر أنثى أريح عليه رأسي المعلق كرأس السلطان الغوري علي باب زويلة ...
حلمت بها ، بنصفي المفقود . يشاكسني الأمل وأشاكسه ... عمري كله أبحث عن
ثدي ثرّة ... على دروب اللهفة أعدو ... عشت سنيّ عمري على سـفر ،
علي فوهة بركان ... يحاصرني القلق ... أتعثر في انطوائي وهواجسي وعجزي
المزمن ... المرأة علامة استفهام كبرى منذ أن وعيت ... عجزت أن أفك
طلاسمها... في العمل . في البيت . في الفراش ... أسائلها ... يا نصفي
الضائع ... أستجديها . أقف على بابها ...
"راتبك
لا يطمع جائعا ولا يصلب عودا" . الجمعيات ، نعم . الجمعيات هي الحل ! في
أدبيات الشمال يسمونها البنوك الأهلية، الست فكيهة وأم فكرية وسكينة
ونعيمة وبهية ... عشرات من النسوة العباقرة ... احتيال على الظروف
بعشرة جنيهات ... تجمع لدي مبلغ لا باس به ... ذهبت إليها ... تضاءل ما في
جيبي أمام جمالها ... تلعثمت ... تعثرت الكلمات في حلقي ... ظلّ ابتسامة
أومأت بها على شفتيها أحلت عقدة لساني .انطلقت الوعود والأحلام وانفتحت
بلاد الزيت والذهب الأسود والقار ....
0000000000
لم أخدعها. أ لديك صبر على صغائري وفلسي ؟ تاريخي كله هزائم . قليلة
انتصاراتي ... لا تنصتي لصوت أمي فهي مصرة على أن التراب يصبح ذهبا في
يديّ ، ومعاركي كلها انتصارات . من قرن وربع القرن أجدادي . آبائي وأنا
نبحث عن كنز مفقود كلما نعثر عليه يسرق منّا . ندور في حلقة مفرغة .
كل يوم يسقط منّا شهيد ... تجاوبت لأول مرة ... تضع يدها في يدي ... نسير
متجاورين .... لم أعدها بأحلام مستحيلة ...
(3)
بهرها الشمال بقنواته الفضائية ... الإعلانات . البوتيكات .
السوبرماركت والمولات والأبراج .الملابس الداخلية والميكياج ...
الأثير والموجات الكهرومغناطيسية وأجهزة الجنس التعويضية والفياجرا تآمروا
عليّ . رحلت البراءة ... ذهب الولاء للمكان ، كل إنسان مستعد أن يترك
الأرض التي استقبلته يوم مولده المسماة بمسقط الرأس ... تتغير الرفقة
والرفيق كما نغير أحذيتنا المهترئة ... برمجت الرءوس وسقطت القناعة.الشرف
والأمانة قيم نسبية ... عصر العولمة ... عصر اللاعصر ... انتفي الزمان
والمكان ... عصر السباحة في الفضاء .الحياة في اللامكان ... والنوم علي
نهود الباريسيات والأمريكيات والإيطاليات والعربيات والأسيويات بالفيزا
كارت ....
0 0 0 0 0 0 0
استدنت . حططت على مواني البحار السبع .ألهث في صحراء ظمئة (لا ندري ما
تخبؤه) وراء العمولات، والعملات. ريالات . دولارات . ماركات . يورو. ين .
استرليني ... العطور والسراويل ، على جناح السرعة أرسلها ... التلكس
.توكيلات بالبيع للنفس والغير والرهن . الشيكات مقبولة الدفع لحامله ...
بكل منجزات ثورة المعلومات ؛ في ثوان ادفعوا لأمر فلانة بنت فلان مبلغ
وقدره عشرة آلاف ...عشرين ألفا ..خمسون .. ربع مليون . ين . استرليني .
دولار . فرنك . كوبيك . تكرز : فرص استسمارية ... هوس . جنـون ....
0 0 0 0 0 0
حــــمّى . طاعون . وباء . لا أدري !! تتوقف كل وسائل الاتصال
... من يحل اللغز يكسب عشرة آلاف من الجنيهات ...خمسة جنيهات ذهبية؟
!! من الذي الذي خلق الكون في سبعة أيام؟0الدولار ونجمة داوود
والزيت الأسود والاسترليني يكسبون ... ياسر عرفات علي منصة جائز
نوبل / الصفقة يتعثر وهو يتسلم الجائزة .... اغتيالات .... خيانات زوجية
كتغيير الملابس الداخلية ... عقوق كتناول المياه الغازيـة ... الطواقـى
المثـقوبة واللحى، والمسابح والمساجـد مكتظة بعباد الرحمن، بالأتقياء
صفوفا صفوفا ،والنقاب والحجاب ، والخمار... رصيدك لدينا صفر...
لا أدري أين أنا؟ ملهى . سيرك . أسواق للنخاسة . الهاتف النقال ،
والإنترنت عبر مسنجر بالصوت والصورة : سأدخلك الجنة من خرم إبرة ، سأبحر
بك أعماق المحيطات دون أن تبتل ... سأنقلك إلى أجدادك الذي تعشقهم وتتغنى
بهم وأعيدك على بسـاط الريح ... آلة الزمن....
في نشوة الحسابات البنكية ، والأرصدة الفلكية /الوهمية /الصفر . في الزمن
الآبق أغرق ... أغوص ببطء ... لا أحــد يمـدّ لي يده ... يمرون
يطرقعـون أصابعهم . يضحكون ويصفرون . يمضغون العلك . كانـوا يرتـدون
سـراويلي ومعاطفي وأربطة العنق وأحذيتي : ما لنا ووجع الرأس ، سلم نفسه
للتنين والعنقاء ... وضع رأسه بين فكيّ الأسـد . لم تتوقف .. لم
تعرني اهتماما . أدارت لي الحياة ظهـرها ، ولم تأبه ... نفاية ... مشت
ومضت . ظننت أن الكون سيتوقف عن الدوران ، وأن الله سيبرز للخلائق جهرة ،
وسيبكي القــمر...ضحكـوا .. سخروا مني، قالوا : مازال يعيش في وهمه ...
مازال ينشـد الحلم الموءود ...
سافرت وما سافرت ، همت وما همت . أحببت وما أحببت ، قلت شعرا ونثرا وما
قلت ... كأني لم أرفع الصاري،
ولم
ترفرف رايات ، ولم أشدو بأناشيدهم " نرفع رايات النصر" ... كأني أتكلم
الخرس ، كأني رجع صدى... كأن
شفتيّ لم
تمطرها قبلا . أحضاني فراغ ... هشـيم ساعديّ . كأن عينيّ ما برقت بحنان
شوق ، ولم يخفق قلبي لخطوها....
0 0 0 0 0 0 0
تبكين يا بنيتي على دراجة وبضع وريقات ، وقد أضاعت أمّك عمرا ونضال سنين
من أجل نـزوة ... نسيت أشياءنا الصغيرة والكبيرة التي عذبتنا
وأرهقتنا وغربتنا... كرهت هواجسي وأفكاري ، وملّـت أحلامي ؛ وكفاحي من أجل
حياة أفضل...
Arlshaf954@hotmail.com