البنت الحلوة "زينب "كنا نلعب سوا في الحارة مع كل اولاد الحارة… ع السطح في حجرة الفرن .. نلعب
"أستغماية" و "ركبتم خيولها"و"الطاقية في العب "..كنت عارف هيّ مستخبيّة
فين ،كنت بشوفها لكن مكنتش أمسكها ..كنت بمسك غيرها ، حتى لو كانت أختي أو
أخويا ،كانت تقول لي:
-مبت مسك نيش ليه؟!..
وشي احمرّ وبصيت في الأرض ..مرة بصّيت ف عنيها ..مسكت إيدي، قلت
لها
- أصلك حلوة ..
ضحكت ضحـكتها إللي بتجلجل وتشنشن
..جـريت ..وجريت وفردت درعـاتي ف الهوا لغاية م تعبت …كنت أتمنى أن يكون لي جنحات أطير
بها ف الهوا..وأنا راجع
للحارة نادت عـليّ.
وقفت.جت.الدنيا كانت ضـلمة.مسكت إيدي ، أنا ارتعشت معرفتش أبلع ريقي
.وداني انسدت ، رحت بيسها،وجريت .ضحكت ضحكتها إللي
بتجلجل وتشنشن..وترن..
بعد كده كل شئ أصبح عادي ..كنا نلعب مع بعض عريس وعروسـة ..كانت ناعمة
وطرية ..ريحتها مش زي ريحة الكبار ..مش زي ريحة أبوك وأبوي وأمي وأمك..
ريحة صبية عفية متحمية بميه
مكلينة .. ريحه تخلينا مكلبشين ف بعض..كنا نخاف على بعض …مره جلها ملاريا ..سخنت زي
الفرن.منعـونا عن بعض ..كنت بيني وبين نفسي أقعد أبكي عليها..كنت
خايف لتموت ،لأنها راحت مستشفى الحميات …لما رجعت أنا كنت فرحان .. أمي
شافت دموع الفـرح ف عنيه .ضحكت قالت أنت كبرت وبتحب كمان . أخذتني ف حضنها
…مرة إكعبلت.وقعت قدامها ،جريت
عليّ ،وقالت:اسم الله عليك…أنا انكسفت وخجلت ،قالت : معلش
قوم ما يقع إلاّ الشاطر…سـواعي كنا نذاكر مع بعض من غير
ما نقول حاجه أي حاجه …هـيّ عارفه أنني بحبها وأنا عارف
أنها بتحبني …لما كبرنا بدأنا نفهم حاجات كتير
، كانت تقول :لما كنت بشوفك بفرح زي الفراشة اللي بتفرح لما تلاقي ورده
تحط عليها وتمص رحيقها وتقف علي كم الوردة ترفرف فرحانة …لما كنت بشوفك باكون زي الأرض
الشراقى المشتاقة للميه تدخل بين شقوقها وتصـفق فرحانة وتئز
وتنـز:إززز إززز وتشـرق وتعطـس بالتراب الناعـم ،وبعدين تسترخي
وتنام …لما كنت بشوفك واجري عليك،واخد
ايدك بين اديّـه ببقى زي الكتكوت لما يشوف أمه يفرد جنحاته الخضرة ويجري
ينام في حضنها…لما كنت بشوفك ببقى زي الطفل
العطشان الصديان المشتاق لصدر أمه ،وفاتح فمه ومغمض عينه ويلوّش شمال
ويمين وتحت وفوق من المجهود ينت ويزن :إه إه لما يلاقي الحلمه البني
المنفوشه يلقفها في بققه ،ويناغي : إغ إغ إغ لما تغيب عني ببقي زى الزوجه
إللي غاب عنها زوجها في سفرية طويلة وكل حته فيها مشتاقه لكل حته فيه…
كنا مع بعض في
مدرسة واحده ..لما يشـوفني الأستاذ معتصم مدرس الكيميا يبص لي ويضحك
…كنا ف نظره عيال مراهقـه يمكن
يجـوزوا بعض زي الأستاذ إبراهيم وأبله آمال عاشوا مع بعض في بلد واحده
ومدرسة واحده حتى الجامعه مع بعض… كان
الأستاذ معتصم من زمان بيشجعني لأني كنت بحب العلوم والكيميا…كان عندي أمل كنا نحلم مع بعض…كنا نذاكر بنفس مفتوحه …كنا بناكل الكـتب …وكنت بحب الوطن ..كانت رؤوسنا
طايله السما ..وطن بيحلم واحنا بنحلم معاه ..لما كانت الطيرات تمر فوق بلدنا
وهيّ راحـه تضرب بورسعيد كنت بهتف من كل قلبي يسقط الإنجليز..يسقط إسرائيل…كانت طيرات سـوده زي الغربان …الثورة كانت حلم الكبار
والصغار …كانت الثوره بتحرر إرادتنـا كان
عبد الناصر حلمنا وفرحنـا… "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد
الاستعباد" .كنت حاسس أنني شئ كبير.رحت
معسكر التدريب أطّوع عشان أحارب
اليهود…كان جسمي صـغير وسني صـغير
قال لي الضابط :سنك كام. قلت له :
تلتاشر سنة ، قال: لما تكبر. ذاكر وانجح الأول.
لما زينب عرفت قالت لي :إنت عايز
تروح تموت وتسبني لمين ..لأ خدني. معاك شفتها
مره بتكلم منصور إبن الحداد…شيك ووجيه ومن عيله غنية أملاك
وأراضي آخـرها علي مدد الشوف،كانت تضحك،طيب بتضحك علي آيه …ليه؟. نهار إسودومهبب
غضبت وكشرت .حسيت بالضعف .
كنا نروح المدرسة مع بعض ونرجع مع بعض
في اليوم ده رجعت وحيـد ،كنت حاسس
أني غريب ، ورجليّه تايـه علي الطـريق. مشيت طريق الزراعيه وقعدت علي
الجسر وبكيت.مش أول مرة،لما تكلم حدأغضب وهيّ تصالحني مكنتش أصفح عنها إلا
ما تدمّع.لما كانت تبتسم لغيري أحس أن السما
إطبقت علي الأرض ..نفسي ينكتم ،
كنت عايز أبقى أنا وبس مفيش حد تاني .كانت تقول :أنت ف عنيه ..ساعتها
الأرض كلها كانت بتضيق من فرحتي ..كنت بحس أنني أهم واحد ف الدنيا …
ف اليوم
الاغبر ده بدل ماروح البيت رحت علي المعسكر ..وقفت اتفرج علي الفدائيين
.الضـابط رآني ..شوّر لي ، قال: يا فـدائي يا صغير لم الطلقات الفارغه لما
الفدائيين يخلّصوا ضـرب النار ..أنا فرحت.رميت شنطة الكتب وملأت صـندوق
بالطلقات الفارغة وسلمته للضابط ،قل لي:من أجل أن تكون فدائي شـاطر لابد
أن تذاكر. بلدنا بلد ثورى مفيش فيه مكان لجاهـل أو كسـول عايزين نملا
البلد عمال ومدرسين ومهندسـين محبش أشوفك هنا تاني .أنا مبسوط منك سمعت
أنك متفـوق، وسمعت أنك بتحب مصر .لابد أن تتفوق أنت وزملائك .ولابد أن
تحبـوا مصر …
أنا فرحت بكلام الضـابط ..حكيت لزينب علي اللي حصل ..فرحت لفرحي ، قلت:
نفسي أكون ضابط ف الجيش ..ابتسمت وقالت : يا رب ..دعوة صادقة طالعة من
قلبها…
لكن كان فيه دايما
حاجه مخوفاني ..اخـواتي كتير وأرضناصغيرة فدانين
وجاموسة وبقرة وحمار..كلنا بنشتغل ف الأرض ، انا واخواتي وأمي وبويه..كانت
العيشه علي القد .لكن كنـا راضين ومبسوطين ..خايف لامدخـلش الجامعة …كان أبوي ديما يقول:بكفاية
المعلمين خليك زي عيال البـلد ..مـدرس الزامي ..مين حمل مصاريف مصر…وكمان عايز تبقى ظابـط واحنا مش
لاقين ناكل …الظابط لابد يكون ابن ناس…واحـد غني …متحلمش خلي حلمـك علي أدّك …إحنا يابني فقرا …أنت ذكيّ وشاطر وخسارة لكن فقير..لاكرامة لفقير أو محتاج .. ابن أبو سرايا سافر أوربا
وبقي بني آدم …إعـمل زيه…متصدقش أننا أحرار .كدب ..كدب
.عمك شهدي مات في السجن لأنه شيوعي ،وعمك عبد الملك في السجن من عـشر سنين
لأنه من الإخوان . كل واحد حر يبقى مسلم يبقي شيوعي ،يبقي درزي كل واحد
حسابه علي الله،لكن تقول آيه لأولاد … يالله ملوش لازمه .سمعت من عمـك
عبد الملك مثـل بيقول "عيش حمار تعيش سعيد" خليك حمار أحسن …
ضحك بمـرارة
ومسح بكم الجلباب دمعـة أسي وحزن ، ثم قال :هات ألوحتين وباكو المعسل
والجوزه …بلا تعليم بلا ديولو …قطيعة تقطع العيال وخلفهم .نظر لي
نظرة لها مغزى …سمعت أنك بتحب كمان ..عشان تكمل…اعمل لنا قصة زى قصة "حسن ونعيمه"
ونشحت بها في العـزب والكـفور إللي حولينا …بصيت في الأرض ولأني كنت شاطر كنت
بصعب عليه كلّ همّه عا يز واحد يسرح معاه الغيط يعزق في الأرض ،وينـقي
الدودة من شجر القطن ويروي ويحلب الجاموسة والبقرة وينقـل السماد من
الزريبة ويوفر أجرة الواد ابن العيوطي الكلاف …
كل
الحارة ..كل الشارع ..لأ كل البـلد عارفه أن "أمجد ابن محمد
ابو عبده" بيحب "زينب بنت ابو سويف" . الناس كانت واخده الموضوع لعب عيال
..لكن كان فيه ناس واخده الموضوع جدّ ، لأن كان لهم قصص وحكيات ،
ولأني كنت الأول علي المدرسه وهيّ كانت الأولى على المركز ، وفيه كانت ناس
بتتمنى نفشل في درستنا
ونكره بعضنا .. بتعرضوا لينا ،
ويعكسوا زينب ف الريحه والجايّه ،كان لازم أتعـلم مصارعة وبكس في الساحة
الشعبية..كان جسمي ضعيف لكن ف مده قصيرة طويلت
ومليت وبان لي عضلات وصوتي اخشن
.. كان أي واحد يفكر قبل ما يحاول يؤذينـا
000000000000000
لما الدنيا
بتمطر ف بلدنا ما تسكتش ،برق ورعد ،وبرد يدخل ف العظـم بدون إذن ..الوحل
للركب .. وف قاعة الفرن ف الدفا حكيات أمنا الغولـة ،والجمل أبو رقبه
مقطوعة والشاطر حسن وسندريللا ، وحكاية قمر الزمـان ابن الملك شهرمان
صاحب جزائر خلدان ،كان أبويا
يحكيها بكل تفصيلها وأنا أحكيها للبنات والصبيان وخاصة البنات الكبار
كانوا ياخدوني وسطهم وأحكي لهم حكاية "قمر الزمان والأميرة بدور بنت الملك
الغيور ، وملك الجن شمهورش " واللي الأمير عملوا مع الأميرة …لما كبرنا كانت زينب بتفكرني
بحكاية الأمير والأميرة ..أنت كنت جرئ وبجح ..تحكي كـده بدون كسوف ولا خشى
..
_ أنتم اللي بتحبوا حكايات الحب
والجنس ..وانت كنت قاعده تسمعي زيهم ..
_ طول عمرك بتاع بنات قاعد
وسطهم ونايم جنبهم ، وكنت بتلعب معاهم عريس وعروسه …
_ كنا عيال صغيرة …وده شئ طبيعي في ظرفنا وسننا
…
_ برر..برر قلة حياك وبجحتك ..
وراحت زغداني
بكعها في كتفي ..
00000000000000000
جت زينب بتنا في يوم
وسألت عني ..طلعت فوق ..كنت بذاكر ..طرقت علي الباب .دخلت في عنيها دموع
واقفه متحجرة ..قعدت حطت وشّها فحجرها..أخذت كتاب تفرّ فيه بدون هدف ، قلت
لها :
مالك فيه آيه
مافيش حاجه
لا فيه ..اتكلمي
أتكلم أقول آيه
قولي ..اللي مضايقك
مفيش حاجه …
نزل من عنيها دمعتين علي
الكتاب .. قلبي اتخلع ...وعنيه رغرغت بالدموع …
نطيت قدامها ،قالت :
جاني عريس من مصر .. ابن الشركسي
الدنيا اسودت
ف عنيه …نفسي انحشر ..دخت للحظات …
ده اللي أنا كنت عامل حسابه
…وبعدين ..ارفضي ..
رفضت… أمي بكت ،وقالت : يبقى كلام
الناس حق بتحبي يا روح أمك…
اعملي لينا فضيحه ،وبوي قال
:مستحيل ترفضي ده لقطه …ولا واحده تحلم بيه
ف كلّ البلد…كان بيصرف عليك …قارئ فتحتك معايا وانت ف إعدادي
…
مهندس ف الحديد والصلب ف حلوان
.سافر روسيا والمانيا . يذاكر ف شهادة كبيره
-يابا..أنا عايزه أدخل الجامعه …
-المعلمات كفاية …وهو مستعد يصرف عليك السنتين دول
كمان …بس وأنت ف بيته .يا بنتي أنا كاتب
عليّ كمبيالات بألف جنيه .أمال أنا بصرف عليك أنت وأخواتك منين .لعب عيال
أنا مش عايز …اختشي عيب …
حسيت أن
السما إطبقت علي الأرض …حسيت أني صغير ..قزم..وأني واقف
معووج ،وبكتف واحد، وراس زي الشمامه،وبق طويل معووج ،ورجلين زي رجلين
المعيز …شئ لا هو بني آدم ولا حيوان
…خايف أكون اجننت …
لما زرت مصر السنة اللي فاتت ، رحت لابن الشركسي … كان معي له زيارة .
كرتونه فيها فيها عيش فلاحي ودكر
بط من عند أمه "ستوتة"…شقة علي النيل ف عمارة يسموها برج
"الأشراف" فيها بوابين وأسنسيرات كتير شقة ف الدور العشرين مفروشة بكلّ شئ
من البوتاجاز للثلاجة …ستاير وسجاجيد . وموبيليا غاليا
شقه كبيرة . واسعة .صور علي الحوائط لفنانين كبار .مالي الشقه زرع ..شقة
ذي شقق التلفزيون ،وستديوهات هوليود حاجه تجنن منين كلّ ده يابن
"ستوتة"منين ، وساكن ف برج ،وكمان اسمه الأشراف ،"ح تروح فين يا صعلوك وسط
أولاد الـ…" ده
كله من الهندزه ياحلاوه علي
الهندزه والهندسة …أبوك علي الله يا ابن الشركسي…
أرزاق … آه نسيت. عنده ورشة للف المواتير
…ولف الدماغ …ولف السجاير …
يلف كل شئ …عمولات …ومناقصات وحجات كتير …أرزاق زي أرزاق وزير البيبسي كولا
،والاستشاري وعشيقته…كل شئ بيتباع .حتى البشر …
طيب يعني اللي معاه يشتري كل شئ
..الأرض والسما ..طيب الفقرا لهم آيه يتباعوا .
كفايه عليهم أن حد يشتريهم ..يعني
رضوا الأكابر بالهم والهم مش راضي بهم …
باعوكي يا "زينب"…الدور عليناأنا وأختي ويمكن
اتبعنا واحنا مش دريانين …طول
عمرنا بنتباع …للفرس،والرومان ،وللعرب
..والمماليك /العبيد ..والترك ..والسخرة،
وللي معاه ورق بمدنة ..بورصة
للبشر أبو لحم أبيض أو اسود .راجل أو امرأه أو حتى طفل.أوطان بتتباع والسمسار ابن
البلد.مفيش فرق . حتى الجيوش دخلت السمسرة
كله بيبيع وبيشتري المهم الأرصدة
في البنوك تبقي بالمليارات ورضا الكبار هنا أوهناك.
سرقوا عرقنا طول السنين ،وحولوه
لأرصده في بنوك أسيادهم …وشقق
وعمارات وأبراج تشق السحاب وتنهار علي اللي فيها في زلزال أو حريق.وسيارات
مصفحة…
عاجز يانن العين …عاجز …ومكسور الخاطر …الإييد قصـيرة والعين بصـيرة
وكسيرة.
Arlshaf954@hotmail.com