مــس راجــــــــــــــــــــــــــــــية

أحمـــد الشــــــــــــــــــــافعيّ

القاهرة في21/3/2005

     المدرسة النشيطة "مس راجية " والمشهورة بحسن الخلق والمظهر والجمال الأرستقراطي الهادئ ... يحـــّمر وجهها خجـلا لأدنى إطراء يصـدر من زملائها أو زميلاتها ، لا تراها إلاّ وهي منكبّة على تحضير دروسها أو استذكارها في أوقات فراغها بين الحصص قبل أن تواجه تلاميذها ... لو مررت أمام فصولها ترى الحماس والجـديّة باديا بصرامة على ملامحها وهي تناقش وتشرح ... تستحسن إجابة تلميذ وتبين بلطف وحزم المربية أخطاء الآخر... وتنهــر برفق الأشقياء الذين يتصنعون الاستظراف ... يأتيك صوتها عبر النافذة المفتوحة على الشــرفة رخيما وشجيا بلا ضعف أو رخاوة ... لا تتعاطى الدروس الخصوصية ... تعمل بعـد انصراف التلاميذ في فصول التقوية ؛ ضآلة المرتب أجبرتها ... حاول بعض الظرفاء أن يتقربوا منها ... قابلتهم بابتسامة مستاءة تسبب لهم الحرج ، وتشعرهم بالتفاهة . إذا همّت بالانصراف بعــد يوم حافل بالنشـــاط فسيرها متأنيا بين تلاميذها تداعب المجتهد وتشجع الكسول بعطف الأم وحنان الأب ... تترفق كمدرسة مشرفة بزملائها التي تشرف عليهم لا تبخل بنصيحة ... تعطيهم من خبرتها وتســتفيد من ملاحظاتهم الميدانية ... وتنقل لهم توجيهات الموجه وأوامر الإدارة ... تدافع عن المقصر وتلتمس له الأعذار المناسبة ، تقول  للزائر:

في الزيارة القادمة لن تجـد هذه الملاحظات ، وسأقوم بتدريبهم للقضاء عليها ...  

تسعى دائما مع الإدارة والموجه لتستخلص لهم أعلى الدرجات ... تساعد المدرسين حديثي التعيين فــــي

السيطرة علي المشاغبين . نادت بمشروع يساعد أولاد الفقراء المتعثرين دراسيا بأجر رمزي من صندوق ينشأ لهذا الغرض يكون رأس ماله من متبرعي أغنياء الحيّ ؛ وقفت اللوائح والقوانين وانعدام الثقة حجر عثرة في سبيل إنجاح المشروع ، الذي وصفه مدير المدرسة بأنه أكثر من رائع ، لكن ما باليدّ حيلة . وصفه مدمني الدروس الخصوصية بأنه منفذ للسرقة ومجال للاتجار بأولاد الفقراء الغلابة !! فاقترحت أن يقوموا هم  بتنفيذ المشروع دون أجـر ، فحدث هرج ومرج ، وقال أحدهم :

هذا كثير ... الأستاذة تزايد علينا ... لماذا لا تعطي مثلنا دروسا خصوصية ، قال آخر :

قصــر ذيل ... وحقــد أســود..

    أنهى مدير المدرسة الاجتماع بعـد أن لقن أصحاب الألسنة الحـادة درســا في احترام الرأي والرأي الآخر واحترام حقوق الغير في طرح مقترحاته مادام ذلك في مصلحة العملية التعليمية لأننا مربّون ومعلمون ولسنا تجارا أو مرابين ... أريد أن أترك بصمة في هذه المدرسة قبل أن أرحل . لست معاقا ذهنيا... قال أحدهم، بصوت فيه كثيرا من التبجح:

-  هذا تعريض بنا سيادة المدير ...

     أعرض عنه ولم يلتفت له وخرج مسرعا إلى مكتبه وراءه ناظر المدرسة ومديرة شؤون العاملين يهدّئون من روعه ويعتذرون عما حدث في الاجتماع .....

     قال : سأطلب من مجلس الآباء أن يتبنى هذا المشــروع ، حتى لواستعـنّا بمدرسين من المدارس المجاورة، سأسند الإشراف عليه للأستاذة راجية ....

                                         00000000000000000000000000000000                  

     عندما تخرج من باب المدرسة تسير في طريقها المعتاد الذي يمرّ عبر السوق إلى مسكنها ... تشتري بعد انتظار في طابور ليس قصيرا ، الخضار والفاكهة وأحيانا لحما أو سمكا أو دجاجة مجمدة من المجمع  التعاوني الاستهلاكي ... تمشي وهي تئن تحت حمولتها. أحيانا تقف لتستريح ... أثناء سيرها لا تعـدم معاكسة شاب رذيل .. أومزحة من آخر خفيف الظل ، أوكهلا  يتحسـر على شباب تبـدد في مغامرات الوطن أوحول موائد المقاهي ، فتعرض عنهم كأن أحــدا لم يعترضها أو يخدش حياءها ... تستقبلها على باب شقتها أمها التي تقيم معها ، تربي طفليها وترعاهما حتى تحضر من عملها بعـد الساعة الثالثة والنصف ماعـدا يوميّ الاثنين والخميس التي تحضر فيهما الساعة الواحدة والنصف ... كانت تنتظر يوميّ الجمعة والسبت أجازتها الأسبوعية ... دائما كانت شقتها نظيفة ، تنظفها بمسـاعدة أمها  وجارة لها محتاجة لإعالة زوجها المريض بالسرطان ... تمنحها كل أسبوع أو أسبوعين  ما تستطيع أن تساعدها به ، كانت تتحمل العبء الأكبر فلا تثقل عليها... بالصدفة علمت أنها تبيع الدواء المستورد الذي يصرفه زوجها من التأمين الصحي والذي يتبرع به بعض أهل الخير لشراء تلفزيون ملون بدلا من الأبيض والأسود القديم ، فامتنعت عن الاستعانة بها أو مساعدتها ... لم تكن تتصور يوما أن ترى مثل هذه السيدة ...

                                                                0   0   0   0  0  0  0

     تدخـل المطبخ .. تنظف الخضار وتجهزه في أكياس بلاستيكية ، وتضعه في الثلاجة ... تطهو الطعام .. يتناولون طعام الغذاء ، وهي منهكة متصلبة العضلات . أصابها الاستياء والملل ... كل شيء حولها أثر على تصرفاتها العصبية تجاه طفليها وهم يتناولون الطعام ... الواقع أصابها بالإحباط  .... رغم حبها  المتوارث لمهنتها من ناحية والدها الذي كان معلما ، ثم خبيرا للمناهج التربوية ، إلاّ أنها أحست بعدم جدوى عملها ... هل سيهزمونها؟!!

      زوجها المحاسب بمصنع استثماري بإحدى المدن الجـديدة لا يحضر قبل الساعة التاسعة مســاء متعبا منهك القوى ... يحاول أن يكون ودودا .. يداعب طفليه ، يتناول طعامه ويتصفح الجريدة .. تعد له كوب الشاي بالنعناع الذي يحبه .. أحيانا كثيرة يغلبه النوم قبل أن يتذوقه ... أجازته الأسبوعية الأحــد ... ينام حتى الساعة الواحدة ... اليوم الوحيد الذي كان يتناول فيه طعام الغذاء مع عائلته الصغيرة .. يشاهد التلفزيون ، و في الخامسة يتصل بأصدقائه ويخرج  فلا يعود إلاّ بعـد منتصف الليل ... لا تتذكر مس راجية متى أتت بهذين الطفلين ؟!.. أسعـد أيامها كانت فترة الخطوبة والحب الملتهب ، والأحلام ، والفرح الصاخّ وحلاوة الشغف  ساعة قدومه ...الآن  ســاد الصمت والخرس ... يلح عليها سؤال مريب ؛ هل الجنس بديلا عن الحب ؟! في يقينها أن الجنس أصبح  واجبا يؤديه زوجها نحوها لكي لا تبحث عنه عند غيره ... إنها تفتقـد المتعة ألّتي كانت تجـدها في سنيّ زواجها الأولى ... إنها تشتاق إلى ارتعاشات الملامسة البكـر ... إن الجنس ترجمة طبيعية للحب ... ليس واجبا وينصرف كلّ إلى حال سبيله ... الجنس عندها احتياج عاطفي ... تسلط الألم السـاحق عليها حينما لا تجــده متجاوبا مع أحاسيسها ... لا يشاركها أحلامها ، فقط يتمتم: عظيم .. عظيم ، تحس أنه يستعظم شيئا لم يسمعه ، فاجأته ذات مرة : ما العظيم الذي تستعظمه ... تلعثم .. انصرفت إلى ما في يدها وتركته في تعثره وتلعثمه ...

     يستيقظ الساعة الخامسة والنصف ليلحق بسيارة المصنع ... يغتسل ... تجهز له ساندوتشا يتناوله مع  كوب من الشاي . يخرج مسرعا ليبدأ عمله في الثامنة صباحا ... وينتهي منه الساعة الثامنة مسـاءا يتخلله ساعة للراحة يتناول فيها غذاءه في كافيتيريا المصنع . حينما ينام على جانبه الأيمن  يظل عليه حتى يستيقظ على رنين المنبه صباح اليم التالي ...

    أحيانا كانت تلتمس له العـذر وتشفق عليه ، لكن احتياجاتها العاطفية والجسـدية كانت عاصفة مسـتبدة وطاغية ... كانت تصاب بالأرق أحيانا . تدور في الشقة كمن يبحث عن شيء ضائع . قادتها قدماها إلى الشرفة ... كان الجو حارا وخانقا ... تسلل إلى أذنها آهة شـبقة ... نظرت إلى مصدر ألآهة رأت أم سمير في البيت المقابل من نافذة نصف مغلقة تمارس الحب مع زوجها ... تسللت إلى داخل شقتها وأغلقت الشيش وظلت وراءه تستمتع بالمشاهدة . ساعدت نفسها على الارتواء . فتحت التلفزيون وشاهدت فيلما على أحد القنوات المشفرة ... تسللت إلى الحمام وأراقت على الجســد ماء باردا لعله يهدئ من  حرارته ، أو يطفئ ظمأه ....

Arlshaf954@hotmail.com

 

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون