الزنزانة 21 انفــــرادي

أحمـــد الشــــافعي

15/6/1998

في لحظة مــرّ شريط  سينمائي أمام عينيّ لحياة هذا القابع في الكرسيّ المتحـرك . شريط لذكريات مؤسـية ... صامت كناسك بوذيّ .. تتحرك يده اليســرى حركات لا إرادية يكبح رعونتها بيده اليمنى الفارغة من كوب ماء يتجرعه بصعوبة ، أو خالية من لقيمات يزدردها في عناء ، أو غير مشغولة بمسح فمه ، أو تنظيف جلبابه مما علق به من مخلفات بقايا خبز أو أرز أو قطرات مـاء...

لو أراد أن يتكلم يشـير إلى زوجته لتترجم ما يخرج من فمه ... حروف يخرج معها بعض اللعاب تتقيها بقطعة قماش تضعها بينه وبينها ... مجرد تأتآت وثأثآت و عنعنات وكأكآت وهمهمات ... أصوات حاولت باستماتة أن تكون مفهومة ، كانت تحاوره وتترجم لنا ... ندت مني آهة تجاوب صـداها مع جدران المكان الأصم الأخرس ... تتصارع داخـل هذا الصامت الذي يرنو بنظرات ثابتة خلال النافذة آلاف المشاعر والحكايات والذكريات ... تمرد على الفقر صغيرا ... صمّ أذنيه لتوسلات أمّه ... هجرهم إلى المدينة ... بعيدا عن روث البهائم وتوحش البعوض وحشرات الفراش وجيوش الذباب . كان حصوله على الابتدائية مخرجا له ... عمل بائعا وكاتب حسابات عند تجار العتبة والموسكي والأزهــر . التحق بالمدارس الليلية ...

                                         000000000000000

    هجره وحيده ... ولــّى وجهه نحــو جبال مســنونة حادة  ... ملّ الجلوس على المقاهي والوقوف ، على النواصي ، والقعود على حصـر الزوايا والمسـاجد ... مهمّش ... بلا هوية ... راوده عن نفســه نفـر يطلقون لحاهم ... منوه أن يولوه عليهم ... حافظ لكتاب الله ... يحمل شـهادة جامعية ... هم مجرد صنيعية وحملة شـهادات متوسطة... تذكر ما حدث لأسرته بسبب انتمائهم لتيار خرج هذا النفر من رحمه  ... كاد أن ينزلق إلى ظلام المخدرات ... جب عميق ... متاهات لو دخلها لن يخرج منها ... سيقضي كل شبابه في السجون ... لن يقع في معصية الله ...

   كانت أسرته مولعة بالزعامة ، فوهب أبوه حياته للجهاد / الوهم . منوه .. كلام منمق معسول ... مموّه وخادع ... إمعانا في خداع النفس ، منّى نفسـه بإحدى الحسنيين : النصـر ، فيغنم المراكز ... سـفيرا فوق العادة .. مديرا لمديرية مثلا . أو الشـهادة فيفوز بالجنة ....

                                   0000000000000000000000

    كان يملأ هذا الصامت المقعد الدنيا حركة وصخبا ... كان حكّاء وخطيبا ... مفوّها ... يكاد أن ينفجـر كلاما وحروفا  وعلامات ترقيم ... يستحضر كل السابقين ...

   حيرة ميتافيزيقية أضـلتني . اسـتغفرت من غواية الشـــيطان ، وما ارتكبتــه خــواطري من ظنــون وآثـام ...

    ضـــباب كثيـف . عتمة تطبق على النفوس الأبيّة . مسـتقبل مجهول لا ينبئ إلاّ بالضياع والزوال والاندثار . سـؤال يدفع بالسـؤال . علامات اسـتفهام .. نصال في الصـدور المملوءة بالرصاص وبالأنباء المفجعة ، الجثث مملحــة ومحفـوظة بالنفتالين والفرمالين . تســير مدثـرة بالفائف . مغلفة ومعلــّبة ومقولبة ... محنطة من آلاف السـنين بالقطران والقار ...  

     لابد أن يكون هناك خطأ ما ... أنا لســت أنا ... منفي . أشـــعر أن أحـــدا ســطا على عقلي ومشــاعري . زيف عواطفي . سلبني ماضيّ وحاضري ومسـتقبلي ... مسـتهدف أنا ... أمن مصــل يحمي كياني وعقلي من القوي الكونية والغيبية؟ ! طعم ضـــد الدمار والتخريب والشوشرة / العولمة

                                     00000000000000000000000

    جـاء هـذا القابع زوار الفجــر اصطحبوه ... لم يتركوا شيئا على حاله ... قلبوا الشقة ... بقروا بطون الحشايا ... الفزع أصاب بناته التي نبتت بصدورهن نتوءات في حجم الليمون وأخرى في حجم البرتقال البلدي ، وصبي لم يتعد ّمرحلة زغب الحواصل ... أمّا الماء والشجر فحدث ولا حرج ؛ إعانة اجتماعية أسميناها مرتبا ، لو لم يعد ستقطع ويموتون جوعا .....

    نزل من الشاحنة بعاصفة من الركل والشدّ والجذب والصفع على الوجه والقفا ... كان معه عشـرات ... كان يعرف بعضهم ... تحاشوا أن يتحدثوا ... تنكروا لبعضهم ... اصطفوا وقوفا ... ساد الظلام ... صاح أحــدهم

ـــ الزنزانة 21 إنفرادي

    أسـقط في يده : إنفرادي . حمل حقيبة صغيرة بها بعض ملابسه ولوازمه الشخصية . صفعه أحدهم على قفاه . أخذها منه عنوة وبفظاظة :

ـــ إمش يابن الكلب . فاكر نفسك في معسكر جوالة ...  بصق في وجهه حين أدار له وجها محتجا ومستاءا ... جرى والجندي وراءه يلهب ظهره وقفاه بالسـوط . قدر المسـافة بكيلو ونصف حين أشــار الضابط جهة الزنزانة . أقسـم ألا يمســك قطعة الطباشير ويقف أمام الطلبة  مرة أخرى . أحس بالخزي والعـار ... خيل إليه أن المسافة أصبحت مئة كيلو مترا ... ظل يعـــدو والسوط يسلخ في أكتافه وظهره ، الزنزانة الأولى ثم الثانية والثالثة ... 14، 15 ، 16 . أصابه اللهاث والإغماء . ســال رواله ... سيخ ملتهب على الإليتين والظهر والأكتاف ... ســوط يلســع . يسلخ الجــلد .. يتصبب عرقا وإعياءا ؛ والمدى مختنق ينذف غموضا ودما ، والأفق معتم ينفث صهـدا وحيرة ، اقتربت الزنزانة 21 ، فرح منى نفسه ... سينقطع الضرب المهين الموجع . حانت منه التفاتة إلى الوراء فتلقى السوط على خده وعنقه . وصـل إلى الزنزانة 19، 20 وأخيرا 21 قذف نفسه داخلها

فاصطدم بحائط بشـري . ديناصور له ملامح آدمية . لم يشـعر . معلق بين السماء والأرض .. ريشة في الهواء .. في مهب الريح كابن آوى

ـــ يابن الوسخه ، الزنزانة لها قداسة . الدخول إليها له طقوس ... زريبة مواشي يدخلها جاموسة مثلك . إستأذن أهل الدار أولا يا حمار ...

    أنزله . جلد به الأرض أحس أنه يتكســر . سـلخ جلـده سـوط يستحثه النهوض انتزع نفسـه من الأرض بعناء كمن تهشمت عظامه .. يتأوه مهانة وألما ... خرج خارج قدس الأقداس يتوكأ على عظامه دامي الوجه ، استأذن بمذلة وخنوع كتلميذ بليد هايف ، أمره أن يدخل زاحفا على أطرافه

ـــ اسمك ومهنتك

ـــ صـابر ... مدرس ..

ـــ خوجـه ياابن الكلب ..

     سيل من الشتائم والسباب والتحقير ... دفع بين إليتيه بقــدم جندي داخل زنزانة . اندفع كقاطرة بلا فرامل . ارتطم بحائط صلد لا يرحم . سـقط مغشي عليه .. حين استرد وعيه وجــد الأرض مبتلة ظن أنه بال على نفسـه ، تذكر أنه كان يريد أن يتبول . الظلام يعم المكان . اختلط عليه الزمن . نســى اسم اليوم : السبت . الأحــد . الاثنين لا يهم ... كم الســاعة الآن . حتى هذه لا أهمية لها . تحسس معصمه فلم يجــد ســاعته . أحس بها تحت فخده مهشمة غارقة في المياه . شــم رائحة نتنة . هب واقفا ... بحث في كل الأركان عن مكان مرتفع يجلس عليه ... أســند جســده عـلى الحائط . شعـر بعظامه تطقطق . تتكسـر قطعة قطعة . ماذا جنيت؟ ... هل يظنونني ضالع في الحوادث الأخيرة؟ نسـيت من زمن بعيد .... ما الذي ذكرهم بي ؟!

        على ضوء نور سيارة عابرة  توهم أنه رأى حبل يتدلى على هيئة مشنقة ... انكمش . تكوم على نفسه . انخرط في نشيج باك مكتوم رغما عنه . في حياته كلها لم يرتكب إثما . ربما وقع في سـوء تـقدير. ربما  حمـاس صبياني مراهق . كان يسـير بجوار الحائط . تعليمات مشـددة من الطفولة . صحيح أنـه يكـره الظـلم ، لكنها مجـرد مشـاعـر. له بعض الآراء لا يشـاركه أحـد فيها ، ولم يـدع أحـدا إليها ... مشــاعـر وآراء سـجينة . وضعها في محبس وأغلق عليها بإحـكام داخـل نفسـه ؛ فهل يحاسـب علـيها ؟!

       حين انـدلعت مظاهرات شـهر يناير الماضي ترك المدرسـة وعـاد إلى المنزل ، وأثناء عـبوره شـارع بور سعيد اصطدم بمظاهرة في" بين السورين" و"باب الشـعرية" ... لم يجـرؤ أن يسـير فيها بضع خطوات . فـرّ ، اخترق شارع الشـعراني حتى الحسـينية ، إلى درب الشيخ الصايم مرورا بشـارع الجيش  حتى ميدان قشـتمر . كان يلهث من التعب والفزع . دخـل شـقته والرعب يرتسـم على ملامحه ... البـلد ولعـت ... التف حوله أولاده و زوجته سـيدة البيت التي لا تخرج إلا بصحبته ... نام يرتعش من الخوف زعم لهم أنه مصاب بالإنفلونزا . خشــى أن يكون أحـد رآه قريبا من المظـاهـرات نسى أن ينظـر خلفه ،  يؤمن نفسـه . رأى في نومه المحموم النار تخرج من نوا فذ مخازن البنك البلجيكي في " بين السورين" . السـنة اللهب كيوم السـعير . أخذ يهذي ويلوك كلمات غير مفهومة ... أوراق البنكنوت .. حريق القاهـرة .. الإنجليز . وضعت زوجه "كمادات" على جبهته وأطـرافه .  مخـازن البنك كانت قريبة من ا لشعـبة التي كان يخطب فيها خطبة الجمعـة وهو مـازا ل صبيا … كان يتلقى تدريبا عمليا على الخطابة والزعامة . كان يحمل شـارة الجوالة . تلقى تدريبا على الاشتباك والمصارعة الحرة والرومانية . كان يسـتمع في زهـو إلى دروس أيام الثلاثاء للمرشد العام . كلهم في السجون أ و غادروا الوطن .. الشيوعيون هم أقدر على تنظيم مثل هذه المظاهرا ت.

       أظلم المســاء. من خلف السـتائر تتراقص أضـواء الإعـلانات : خضـراء وحمـراء وصفـراء وزرقـاء ... أفاق من كابـوسه .هل ستحـترق القاهـرة كما احترقت من قبل ؟! ... أضغاث أحلام وهذيان الخـوف ...

     فتح باب الزنزانة . انبلج ضوء ا لصباح الباهر . عشـا بصره ... خرج خلف الجندي يخب في ماء كريه الرائحة .. اغتسـل بصابون يسـتخدمونه لتنظيف بلاط شـقته.هـم أن يحلق ذقنه التي استطالت. لا يدري كم من الأيام مكث على أرض هذه الزنزانة . يحـس جوعا قاتلا ... مثل أمام المحقق . أجلـسه . قدم له شـايا في علبة سـردين وسـاندوتشا بجبن قديم كعما ل التراحيل . وسيجارة بستاني بدون فلترمن النوع الرديء ...

ـــ النهار ده آيه يا صـابر ..

ـــ لا أدري يا سعادة الباشا ... نسـيت ..

ـــ طيب . كم السـاعة الآن ..

ـــ سـاعتي تهـشمت . ضاعت لا أدري أين هـي

ـــ أنت خـائف يا صابر ... تأخـد سـيجارة كمان ...

ـــ شـكرا يا سـعادة الباشـا ...

ـــ نمت كويس يا صابر ...

ـــ .... ....

ـــ أنت عارف جاي هنا ليه ..

ـــ لا يا سـعادة الباشـا ...

ـــ نريد أن تبحث لنا عن ابن أخيك ... أنت مدرس حسـن الـسير والـسلوك . ومعلم مشهور لك بالكفاءة ... ومربي أجيال ...

     كاد أن يضحك ... هم أن يشـرح له أن كرامته امتهنت ، وأنه فقـد الثقة في نفسـه وفي العالم لأنه يكره القسـوة كراهية شـديدة بعقله وفطرته التي فطره الله عليها ولكونها على قمة الرذائـل في الأديان كما في المذاهب الفلسـفية ... جفـل من خواطره ... اسـتفاق من غشـيته

ـــ لا أعلم أين هو ... لم أ ره من شـهور بعيـدة ... سمعت أنه سـافر ... يعلم الله أين هو ... منه لله "حسبي الله ونعم الوكيل " ...

ـــ وا ضح أنت لا تريـد أن تتعاون معنا ... عضـو خطـير . خـطر على مستقبل البلد ... أقـصـد على مسـتقبلك ومستقبل أولادك ... تربيتك يا صـابر ... أنت المسـئول ...

ـــ أ قسم يا سـعادة الباشا ... انفصـل عنا ... رفضت أن أزوجه ابنتي ... لم تعجبه حياتنا ا تهمنا بالضـعف والكفر والاستسلام

ـــ أنت تراوغ. الرجـل المختطف في خطـر وقتـله يعقـد المشـاكل . لابـد أ ن تتعـاون معـنا و أنت لا تريـد . لابـد من القبـض  عليه بأي ثمن ... أنت تسـمعني ...

ـــ ... ... ... ...

ـــ لا نريـد  أن نحـولك إلى متهم . أنت عضـو نشـط . أ حــد أعـواننـا رآك تحـوم حـول معسـكرا ت حـلوان ... فاكـر حـادث سـرقة الـذخيرة ... وجدنا عندك متفجرات ، وهذا المسـدس كان بين طيا ت ملابسك  . صمت برهة .يعني حبـل المـشنقة قريب من رقبتـك . عندك أربع بنات علي وش جواز يا صابـر ... سنفرج عنك ... سـتذهب إلي بلدكم تبحث عنه ... هناك أهلك ... بلغنا بكل المعلومات ...

صنوف من التعذيب والقـهر... أنات وآهات المكلومين ... جحيم لا يطاق ... زمان سمـع عن العسكري الأسـود ... تنـدر بأسى  وقتـها . لماذا لا يكون أبيض ؟! ... تفرقة عنصرية ...

لم ينس هذه الليلة . لا .. بل كانت ليلتان ويومان ونصف . كان يتفنن في الحكي ... صحيح أنه أعتـقل ثلاث مرات ، لكنه لا ينسى هذه المرة ... المرات السـابقة كانت روتينية ... تزيـد في قوله . روى أحـداثا كثيرة .. كانت عيناه تدمعان بغزارة ... كان عاطـفيا ... يبـرر بحثـه عن ابن أخيـه ... يردد كثيرا أربع بنات وصبي ....

صـغا قلب الصغير لكل حرف وحكاية . ضيعته حكاياته ... دون أن يـدري ، بث الكراهية في كل خلاياه ... الماضي بلا أخطاء ... جنات وملائكة …  عالم كله مثاليات  ...  دنيانا آثام وخطايا ...

حنث في قسـمه ... اضطرته الحاجة ... وقف أمام التلاميذ يشـرح ويفسـر ما ا ستغلق على أفهامهم ... فجعـه سـقوط ابنه الوحيـد الهارب الدي عاد متخفيا من جبال الأفيون والقنب يفتي ، ويقتل ... أصبح نزيل الـزنزانة 21 انفرادي ....

arlshaf954@hotmail.com

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون