زيــــارة

أحمـــد الشــــافعي

15/6/1998

انتصب إلى جوار سريره سروال أبيض وقميص طويل أبيض يصل  إلي ما تحت الركبة ،ولحية سـوداء كثيفـة وطاقية حجازيـة بيضاء مثقوبـةقال ضاغطا علي مخارج الحروف :

- لم آت لأعودك..جئت بسبب قرابتي لك وخوفي عليك من عذاب القبر وجحيم الآخرة ،ولأذكرك بتقوى الله وإيتاء الزكاة والصلاة والصوم وشهادة أن لاإله إلا الله،

وأن محمدا رسول الله بعد أن يمن الله عليك بالشفاء عليك أن تسير علي طريقنـا طريق النجاة ،وأن تحرق كتبك و لا تبقى علي شيء ، فقط ما سأزودك به من كتب إخواننـا في اللهإياك من غرور الدنيا العلم الحقيقي .. علوم الشريعة وما دون ذلك فهو زائل أنت محـتاج إليه الآن تقرب إلي الله ،وتب إليه تفـز بالجنة أدع لك بالشـفاء العاجل

   نظـر إليه من خلف الماسك الذي وضع على الأنف والفم ليسـاعده على استنشاق الأكسوجين ... كان يود لو استطاع أن يتكلم ... هاله إضرام النار في كتبه التي عانى وسـهر على جمعها من على الأرصفة والمكتبات ... أشاح عنه بوجهه وأغمض عينيه . قفز أمامه حرق مكتبة بغداد ونهب متاحفها ، وحرق ألفي نسخة من كتاب نهج البلاغة للإمام عليّ أثناء غزو الفلّوجة على يـد رعاة البقر...

وضع يده علي رأسه وأخـذ يتلو ما تيسـر من آيات الذكر الحكيم ؛وعد ووعيد

إنذار بالعذاب الأغلال إلي الأذقان .والرءوس مشدودة إلي أعلي، وختم "إنـّا نحن نحيى الموتى ونكتب ما قدموا و آثرهم وكل شيئ أحصيناه في إمام مبين"

فكه السفلي طالع نازل يلوك الكلمات.مسنونـة حادة لحيته تهتز إلي الأمام  وإلي الخلف لسانه يلهث ،صوت . فحيح يخرج من أعماق القبوروجه متجهم ينذر

بشـر مستطير صلب الملامح.. ملامح لم تتغير منذ كان مديرا لإحدى التوكيلات الأجنبيـة التى اختفـت من الأسـواق عـيون ماكـرة مذعورة،ومتوجسـة، وخائفةلحيته إبريـة الملمس لم تحلق منذ أن غادرنا إلي بلاد النبوة والزيت الأسود والأرصدة البنكية صافح الرجال وتجاوز النساء ..وقعت عيناه علي طبيبة حسنـاء

تمسك بمعصم المرضى لتقيس نبض القلب  وتسجل ضغط الدم ..بسمل وحوقل وضـع نظارته السوداء علي وجهه فاختفت ملامحه سجلت الطبيبة ملاحظاتها

ابتسمت منصرفة كان يختلس النظر إليها من تحت نظارته المعتمة، قال:

-          ألا يوجد طبيب..المرأة فتنـة في الدنيا ومتعـة في الآخرة،إنهـا جميـلة وتغـرى بالخطيئـة.

أخرج من حقيبته طاقية بيضاء ومسبحة وزجاجة عطر وسواك:"هدية من الأراضـي

المقدسة لعل الله يهديك إلي طريقنا المستقيم ،وتهاجر إليه بنفسك وولدك.لك عندنا خير كثير،واعلم من لم يكن معنا فهو بالضرورة علينا "

ذكرته تلك الطاقية بالجندي الإسرائيلي الذى بقر بطن شقيقته الحامل حين جاءت تزورهم في بئر العبد وسط سينـاء عام الهزيمة .كان الجندي الإسرائيلي يلبس طاقية مثقوبة علي مؤخرة رأسهاجتاحه شعور عاصف بالكراهية لم يستطع أن يسيطر علي انفعالاتهاضطرب القلب ..وارتفع ضغـط الدم ..صفير مستمر يصـدر من الأجهزة المربوط بها الجسد المريض . أسلاك وخراطيم هرول الأطبـاء والحكيمات في كل اتجاه .صاح الطبيب، أرست أرست .القلب توقف جهـاز صدمـات القـلب

مضى ذو اللحيـة السـوداء إلي الخارج وهو يهمهم "إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشـاء " رفع يديه إلى السماء ؛ قائلا :رفقا بالعصاة..كل من عليها فان الموت علينا حــق"

arlshaf954@hotmail.com

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون