خرج دفعا للملل وأشـياء
أخــرى. لم يصطحب أحــدا. وقـف على "الكورنيش " يرنو إلى النهر. ألقى
عليه سـؤالا.. لم يجبه. كان يتمنى أن يردّ عليه ؛ أن يقول له : سيكون
العالم يوم مماتك أفضل منه يوم مولدك ؛ لكن النهر قـد أصـابه الخـرس...
يسـير حانقا في بطء ورتـابة متثـائبا متكاسلا معترضا عمّا ينـزله به
سـكان الوادي الضيــق
…كان عديم اللون
والطعم والرائحة ؛ أصبح متعدد الألوان والطعوم الكريهة والروائح العطنـة
…
لا ينهل منه إلاّ الفقراء المرضى بالسـرطان والفشـل الكلوي والفيروسات
الكبدية …
كانت القوارب تنزلق على سطحه في سـهولة ويســر..كثيرة كانت تلك القوارب ؛
في يديّ كلّ شـاب مجـدافان، تجلس في مواجهته فتاة شـهية شـعرها يتماوج
لامعا في اسـترسال، يحـدقان نـحو الأفق حيث مطلع النجوم.. ينظران في
ثبات، والسـفن النيـلية تعـبر تحـته مباشـرة تبعث في انتشـاء موسـيقى
حالـمة، وراقصــة ….
............
رنـا إلى الأفـق البعيــد
الدامي.. على ذرا جبال الأوراس دم.. قتال في صحـراء مملكة الموت
…
ســيارات مفخخة ؛ وأشـلاء في بـلاد الشـام.. مذابح في عــراق سـيبويه
وابن حنبل وأبي العلاء والمتنبي والقاضي الفاضل وابن سـينا
…
رحــا حـرب البسـوس تطـحن قبائل بني أسـد وعبس وذبيان
…
انتحاب ومآتم وندم في مـكة والمـدينة
…
صوت رصاصات تخـترق مملكة طيبة... احتقان
وتوتر في قـاهرة
المعز... تدافع قاتل بالدروع... سـجون ومعتقلات... شـبكة ضبابية من
الضـوء الداكن تحجب الرؤية. تصـورات وأوهام عن ماض ذهبي مفقـود في أضابير
التاريخ. لحى ودولارات واغتيالات... لصوص على امتداد الوادي... دماء
تستصرخ أبنـاء الوطن... هامات ظمأى... الموت يتسكع في الطرقات... يسـكن
الخـوف الأديرة التي يذكر فيها اسـم الله. فحيح الكراهية علي منابر
المساجد ومنابر الكنائس..
القرى أشـباح متراصة في
ظلام ليل سـدوم …
أطلال مزقتها قنابل أفاعي الصهاينة ورعاة البقر في عمق أراضينا وصحرائنا
المترامية اللانهائية
…
............
وحيـدا إلاّ من وسـاوسه
وتأملاته. انصرف الذين كانوا يحلمون أحلاما كبيرة. . ملأوا الدنيا كلاما
وأحلاما ورؤى..الهزيمة كانت قاسـية..انفرطت حبات العقـد. لا يراهم إلاّ
في وفاة رفيق أو تأبين صـديق أو عزيز أو زعيم..أحبوا ففكروا لمن أحبوهم.
أنابوا أنفسهم عنهم . خنقوهم بحبهم وحرصهم، فلما ذهبوا، تمتموا وقالوا:
كانوا مخلصين وأغبياء وأحيانا طيبين
…
يرحمهم الله…
في الجهة الأخرى من
الكوبري رأى رجلا مثله يتأمل الأفق والوجوه الرتيبة المجهـدة. ملابسـه
داكنة فضفاضة. ملامحه غائمـة. في نفس عمره تقريبا. قامته هي هي قامته.
يبـدو أنـّه يعرفه. يتشكك.. أصبح الشك والتردد سمـته المميزة. نظـرا إلى
بعضها. همّ أن يلوح له. أنزل يـده التي شـرعت أن ترتفع ملوحة. يغالب أسى
يمور داخله. من قبل كان يعانق الرفاق. أصابه وسـواس حـديث العهـد به. كان
يتعامى عن النقائص والهفوات. كان يغفر ليس إلها..تتسـاقط الأنباء. قائمـة
العمولات كبيرة..قالوا عنه أنه سـيخ.. الواقع أكبر منه. حمل ثقيـل . .
أصبح مسـئولا عن زوجـة وبيت، وهو لم يضع اعتبارا لأي مصلحة شـخصية. ما
كان يسـمح لها بأن تعوقه . ..اتجه إلى الأمام..يلفّ الصمت والضبابية
قاعدة النافورة. ساكنة وصماء وسـط النيل. . علا الصـدأ التمثال القابع في
مدخل الكوبري يشير إلى الشرق بإصبع متردد ملتو . . . يقحم نفسـه ذلك
المبنى السـامق الأسـود البعيـد في دائرة البصـر..تقازم وتضاءل مبنى
التلفزيون العتيق أمام المباني الحديثة العملاقة، والكباري الخرسـانية
الضخمة.أصبح قبيحا وضئيلا؛حتى ما تبثـه قنواته أصبح تافها إذا ما قورن
بالقنوات التي تملأ الأثير . . .
ثمـة فتاة ترتدي جلبابا
طويلا أسـود، وخمارا أسـود . فتاة مقبلة تلبس "شورت "وتمسـك بمضارب
التنس، وترتدي "تي شيرت" عليه رقعة العلم الأمريكي..نسـاء بدينات، ورجال
بكروش، وأطفال فقدت عيونهم بريقها الطفولي اللامع، ووجـوهم غادرتها
البراءة . . . يترنح الكوبري تحت عجلات السـيارات . الفولفو والشـبح
والبـودرة تمرق مسـرعة لا تستطيع أن تميز ما بداخلها لقتامة زجاج المسطح
الأمامي والخلفي والأبواب..مستفزة توحي بالغموض والثراء الحرام، تسيل لها
لعاب سـعار عشـاق الثراء..تعب من السير . . طويلا كان طريقه . .
اسـتند على سـور الكورنيش
الحجري بمرفقيه تسللت إلى مسـامعه نغمات أغنية قديمـة من راديو على عربة
بائع الترمس " ضيعت مستقبل حياتي في هواك " . . .
.........................
كان يأمل أن يغسـل أحاسيسه
المجهـدة في النهـر، ويزيل طعم الملوحة من فمه، ويكسـر الرتابة والنمطية
التي فرضها على نفسـه..هبت رياح المصارحة والمكاشفة والأوهام المفقـودة،
والعولمة، والانهيار التراكمي، والاقتصـاد الرأسمالي الحـــر جنة
المحرومين والموعودين !!! . . نهايـة التـاريخ والأيدلوجيات والمثاليات
والرومنسيات..وسقـــوط الآلهة . .
كانت حياته صخبا
وجدالا..عايش أحلام وآلام أهله، وزار بعض سجون الوطن . . لم يبق سـوى
المواسـاة والذكريات والآمال المجهضة . فضيلته الكبرى عدم ادعاء البطولة
أوالنبوة..سـلواه أنه يرى تحت الرماد نارا تتأجج . تحرق لتطهر، وتنزع
الفسـاد من جذوره . . .
.....................................
يعيش وحيـدا مع أفكاره
وزوجته . يخيم الصمت..الصمت يعشش في كل الزوايا والأركان، لا يقطعه سوى
زائر متعجل أو مرض سخيف طارئ أو همس المذياع والتلفزيون . الحيّ هادئ
ساكن . تغلبت زوجه على قهـر الصمت بقفص للعصافير وببغاء يلقي عليها تحية
الصباح، وقطة تمـوء وحوض للأسماك الملونة، وبعض نباتات الظل. الجميع
ينضوي تحت رعايتها، تحزن لو أصاب هذه الكائنات ضررا . التصقت بها وتوحدت
فيها وتواصلت معها بمشـاعرها وأحاسيسها . .
تزوج بعد طول انتظار .
انحرف عن الخط الذي رسمه لحياته كمناضل أحبته لحسن عشرته ورجاحة عقله .
. أحبته وهي شابة وتمنته لنفسها..تزوجت على غير هواها . كان في نظر
أهلها رجل بلا مستقبل . . غنم الحب وهو ما غنم في حياته أتفه الأشياء،
حتى المناصب كانت من نصيب التافهين المؤيدين المصفقين لرموز النظام
الخائب..خلت كل الكشوف والقوائم من اسمه..صمتت عنه وكالات الأنباء . لذا
عشقته . .
راودها خاطر أن تنجب له
ولدا يحمل اسمه وصفاته، ويؤنس وحدتها لو قدر الله و . . . هو جدير بأن
يكون له ولد . إذا لم يكن له ولد فلمن يكون إذن ؟!! أيكون للعتلات
الجالسين على المنصات والكراسي الوثيرة يأمرون وينهون بغير حق، أوللبغال
الجالسين في الصفوف الأمامية كقطاع الطرق يورثون أولادهم أسوأ ما فيهم .
..حثته أن يزور الطبيب..تردد . تعجب من تردده وضعفه وخوفه، وهو ما كان
مترددا أو ضعيفا أو جبانا..وضع مخاطر الحمل والولادة لسيدة تخطت ربيع
العمر..ربما يأتي معاقا أو يحدث له مكروه أو يموت هو مبكرا، وهذا احتمال
وارد، يعايش أوجاع القلب وضغط الدم والأمراض المتوطنة، والانكسار
والهزيمة..لا يملك ثروة تعين الآتي على مواجهة الحياة، ولا يريد أن يحمل
الآخرين عبء تربيته . أشـفق على فلذة كبده مرارة اليتم . قالت :
الأعمار بيد الله..تبسم ابتسامته الآسرة وربت على كتفها . استكانت له .
احتواها كطفل رضيع بين ذراعيه . طبع على فمها قبلة حنون أودعها كلّ
عواطفه . ..
ساجية الطرف مستكينة إلى
عواطفها المشـبوبة ذكرتها بأيام مراهقتها الأولى..كان وجهه متجها إلى
البعيـد . يستلهم المستقل الآتي..لعل وعسى..الأيد مدفونة متشابكة . سكن
إلى سكونها بلا حراك والأنفاس تتتابع في هـدوء وانتظام، والقطة تجلس تحت
قدميهما في وداعة وقـد راحت في سبات عميـق. . .
arlshaf954@hotmail.com