توقيعات في أوتجراف معرض

الزميل الشاعر والمناضل : حسن بيومي

22 يوليو 2005 

                        توقيعات في أوتجراف معرض

                للفن التجريدي   

                          (1)

الأبيضُ كان قديماً سيّـدَ كُلِّ الألوانْ

والأزرقُ يا لوْنَ النيلة..،

في وجه النائحة الثّكْلَى..،

مذْ كُنْتُ صبيًّا في قريتنا 

تلْطُمُ بالكفَّينْ

والأصْفَرُ خوَّانْ

والأحمْـَرُ :لَوْن الدَّمّ ، ولوْنُ الحُبِّ

                                                           ولوْنُ الثّورة

يجْري في الشُّريانْ ..

ويَفْترشُ سَريرَ العُرس ..

ويَصْبغُ وجْه الأَعْلامْ

هذا ما ينْبضُ في أَعْمَاقِ الوجْدان

لكنّي الآنْ:

ألْمح في وجْه الصُّور المرسُومَة ..

كلَّ الألوَان.

              (2)

إنْسَانُكَ يا سيِّدنا الفنَّان

تتلوِّى في عينَيْه الحكمة ..

يَرْقُصُ في شفتيْه البُهتَان .

تمتدُّ تَوابيتُ الحزن على جبْهته ..

يَسَّاقطُ في ظهْر اللوحَة منديلان

قد كان :

يسْعَى نحْو المحبوبِ الشَّاردِ في الوديان

ورأى الغولَ يمدُّ الخطْوَ ويمْلأ كُلَّ الميدان

يا سيّدنا الفنّان

شكراً .. شكراً

فأنا أعْرِفُ معْنى الأحْزان .

              (3)

الأقنعةُ الحمراءُ الصفراءُ البيضاءُ السوداء

امْتصتْ لوْنَ الوجْه ..

تَهَرَّأ لحْمُ الخدَّيْن ..

فالشَّمسُ احتجَبتْ عنْ جلْدِ الوَجْه بألفِ غطاءْ.

للحزنِ قناعٌ إنْ صار الحزنُ ضَرورَة

وقناعٌ للفرحِ المبْهُور لكي تكتملَ الصُّورة

الأحْمرُ في فرحِ الفلاَّحينَ رداءٌ محْبُوب!

والأزرقُ في عمَّال المصْنَع شيءٌ واجب!

أما الأسْوَدْ

دعْـــنِي ..

لنْ أَحْكي عنْ فهْمِي للألوانْ

فالجُدْرانُ لهَا آذانْ

ولهَا أيْضًا .. عيْنَانْ

                   (4)

فلْتسْقُطْ  كُلُّ الأقْنعةِ الشَّوْهَاء

ولْيتَعَرَّى جِلْدُ الوجْهِ ابنُ الأرْضِ ..

           لكيْ تغْسلَه الشَّمس

أحيَانًا تكْوِي بالضوء جبينَه

ولْتَتَلأْلأْ حبَّاتُ العَرقِ على الفُودَينْ

ولتَرْقُصْ في العينين فرَاشَاتُ الحِكمة والنُّور.

أو تذْبُل فيها أزْهَارُ الحبِّ المقتُول

كيْ يُصْبحَ للوجْهِ الوَاحِد لونٌ واحد.

                   (5)

فُرْشَاتُكَ تنْسِجُ بالألْوَان

العَالمُ محْنيَّ الرَّأْسِ ومهْدود الكتِفَينْ

أنا لا أفْهمُ مِنْ لوْحَاتك

إلاَّ العجْز القابعَ تَحْتَ جدَارٍ تَحْنِيهِ الأَيَّام

تَتَواثبُ فيه الحَشراتُ وترْكضُ هاربَةً

                        مِنْ وقْع الأَيَّام

الفعْل ينامُ هُنَاك ورَاء الظِّل.

والرقصُ على الحَبْل

           تُلأْلِؤهُ الأَضْواء

بالزَّائد والنَّاقصِ تَتَعَادل كفَّا المِيزَان .

يا سيِّدنا الفنَّان..

الفُرشاةُ الحرَّة..

      كنسُور الجبَلِ الأسْطُوريْ ..

إنْ لَمْ تصَّاعدْ

        فَوْقَ القِمَمِ وفوْق الرِّيحْ

تَهْوِي .. 

وتَمُوت .

                 (6)

إِنْسَانُ العصرِ المقْهُور..

له عَيْنانٌ تنْضَحُ بالغُربة.

لا تضْحكُ لا تَتَـألم

امتصَّ العالَم داخِلهُ واسْتَسْلَمْ

قَدْ لفَّ الرَّأسَ بأوْرَاقِ الصُّحفِ ، تغطَّى بالإعْلانْ

وتَسلَّى بالمِذْيَاع وبالْكَلِمَاتِ الْمُتَقَاطِعةِ ..

                                  وبالأفْلاَم .

وتَداوَى باليَأْسِ وبالخَدرِ وبالكتْمانْ

فانْبَعجَتْ أضْلاعُه

وارتَسَمتْ في شَفتيهِ الممْطوطَة

كلمَاتٌ مَمْدودَة

وانطفأت في عيْنيه شرَاراتٌ ..

                  كانتْ تتَوقدُ منْ أزْمَانْ

والنبْضُ توارَى خلْفَ متَارِيـس القضْبانْ

فانْتَصَبَ الجسْم تمدَّد مصْلوبًا في الأكْفانْ

                 (7)

لوْحاتُكَ يَنْقُصُهَا يا سيِّدنا الفنَّان

إنْسَانٌ لا يمْلكُ في جعْبته إلاَّ حفنة أرْزْ

                           لليوم غذاءٌ ..

                           وغذاءٌ لليلْ..

                           وغذاءٌ للأسبُوع

والقبْضَةُ كفٌّ في وجْه المِدْفَع ..،

                    قنْديلٌ في ليْل الطُغْيَانْ

 

لا يَخْشَى أنْ يَدْهسهُ الجـُوعْ

فالقلْبُ بيَادرُ قَمْحٍ ..

              وزُهــورٍ

              وأغَــانْ .

                    (8)

أين بكاء الليل وحزن الموال

وأنين الساقية الحبلى ..

           تحمل في الأحشاء ملايين الأوجاع ؟

وجه الفلاح الضَّاربِ في صَبْرٍ وجْه الأَرض

والعيْنَانْ ..

ما اخْتَلطتْ أبَدًا في رؤْيَاهَا الأَلْوانْ

فالأَحمرُ مازال ..

قرص الشمس الصاعد من بئر الليل

والأسود ..

لون الجلباب على جسم الزَّوج

                            طوال العام

5/10/1973

 اختيار : أحمـــد الشــافعي

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون