(1)
لسبب ما ، أراني أحيانا
جالسا وحدي أفتش عن صور أصدقائي ، كأني أفتش عن سنوات من عمري . بعضهم أجده
، بعضهم أفتقده ولا أرى له صورة معي . وأتأسف الآن كثيرا لأنه ليس لدي صورة
مشتركة مع الراحل أمل دنقل ، أو يحيي الطاهر عبد الله ، وكانت تصلني بهما
صداقة وثيقة امتدت لزمن . وحين أبحث في " ركن الصور " أرى خالتي وأولادها
في رأس البر على الشاطئ منذ ثلاثين عاما ، وأرى صور بعض من كانوا يدرسون
معي ، ولكني لا أعثر على صورة واحدة مشتركة مع أحمد فؤاد نجم ، شاعر الشعب
المصري ، مع أن معرفتي به بدأت عام 1965 ، جمعني به عمل ، ثم فترة من القلق
العجيب الذي مرت به مصر بعد النكسة ، ثم سجن القناطر . المرة الأخيرة التي
التقيت فيها بنجم كانت في مظاهرة في ميدان طلعت حرب وسط القاهرة ، أواخر
يوليو هذا العام ، وهي أول مظاهرة تنظمها حركة " أدباء وفنانون من أجل
التغيير " التي كان نجم أحد مؤسسيها ، والداعين إليها مع بهاء طاهر وآخرين
. أقبل على نجم من طرف الميدان بجلبابه ، وضحكته ، وبجواره ابنته الصغيرة
التي سألته عنها ذات مرة فقال لي : هذه مكافأة نهاية الخدمة
!
لسبب ما ، تذكرت في زحمة
المظاهرة ، أنه ما من صورة عندي لنجم . فأخذت أراجع صوره داخل نفسي.
(2)
عام 1964 ، وربما 65 ، تركت
العمل في مجلة الإذاعة والتلفزيون من شدة الملل العالق في أوراقها وغرفها
إلي منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي وكان مقرها فيلا في المنيل تطل على
النيل . في اليوم الأول دلوني على الغرفة التي سأجلس فيها ، وكانت تقع في
الطابق الأخير تحت الشمس مباشرة ولها نافذة تطل على السطح . وكان بالغرفة
الضيقة ثلاثة مكاتب ، واحد لي ، والثاني لأمل دنقل ، والثالث لأحمد فؤاد
نجم ، ولم أكن أعرفه بعد . كان أمل جالسا غاضبا من العالم ونظام الحكم وقلة
الفلوس وكثرة القصائد ، وضخامة أحلامه، وشعوره الحاد بكرامته. أحمد نجم ظهر
فجأة ، ليس عند باب الغرفة كما توقعت ، ولكن حين قفز من السطح عبر النافذة
إلي داخل الغرفة ! وفرد أمل دنقل ذراعه قائلا لي : أحمد نجم ! في تلك السنة
على الأقل لم يكن أحد يعرف اسم لا نجم ، ولا أمل دنقل سوى قلة قليلة ممن
يكتبون . وكان أمامي طيلة الوقت نمطان مختلفان تماما لشاعرين مهمومين تماما
بالدرجة نفسها بقضايا الوطن ، لكن كل بطريقته . كان نجم كثير الغياب ، أما
أنا وأمل دنقل فقد احترفنا الذهاب مبكرا في موعد العمل ، والتوقيع ، ثم
الخروج إلي مقهى في شارع جانبي لنتسلى بلعب
الطاولة ، أو أجلس
أنا أتصفح الجرائد ، بينما يزوم أمل وهو يسجل أبياتا من قصيدة بقلم رصاص ،
إلي أن يحين موعد التوقيع في دفتر الانصراف . فننهض لنوقع وننصرف ! . وكانت
الشكاوي من غيابنا نحن الثلاثة تنهال على يوسف السباعي رئيس المنظمة حينذاك
، فجمعنا ذات يوم أنا ونجم ودنقل ، وأغلق باب حجرته الكبيرة ، وأقسم أنه
سيرسل إلي كل منا راتبه الشهري حتى باب البيت ، شرط ألا نريه وجوهنا
الكريمة مرة أخرى ! وسأله أمل بكبرياء : وما الذي حدث ؟ . فكاد السباعي أن
يجن صارخا : ماذا حدث ؟ لا شئ ، سوى أنكم ستفسدون على كل عمل المنظمة ، لأن
الجميع يتساءلون : لماذا يغيب أولئك الثلاثة كما يحلو لهم ؟ هل هم أفضل منا
؟ . وحينذاك تقدم أحمد نجم إلي مكتب السباعي وقال له : لكن ماذا ستفعل إذا
تمسكنا بأداء واجبنا والحضور للعمل ؟ قال السباعي : سأفصلك من العمل يا نجم
وأستريح منك نهائيا . وتجهم وجه نجم كأنه يفكر في موضوع خطير وقال له : لكن
هذه ستكون المرة الثالثة التي تفصلني فيها، وسوف يلزمنا بعد ذلك – لكي أعود
إليك مجددا – محلل ! ولم نستطع أن نمسك أنفسنا عن الضحك ، ونحن نرى وجه
السباعي مبتسما مغتاظا .
(3)
خلال تلك الفترة تعرفت بنجم
، وأخذت أتردد على بيت " حوش آدم " الشهير ، وكانت النكسة قد وقعت وقصمت
ظهر ذلك الجيل بأكمله ، ولم تكن هناك لا أحزاب معارضة ، ولا أحزاب سرية ،
ولا يحزنون . مجرد فراغ يسبح فيه القلق على مصر، ومراجعة باطنية لأسباب
النكسة ، وتعلق بعبد الناصر ، ومرارة نحوه . كان نجم حينذاك يرتدي مثل كل
خلق الله قميصا وسروالا ، ولم يكن قد وقع في عشق الجلابية التي يرتديها
الآن ، وكان يكتب القصائد كأنما في الحلم ، إذ
كان يقضي أغلب وقته
بين أصدقائه ، أو في شققهم ، أو في الشوارع . متى كان يكتب ؟ لا أدري ،
ومتى عكف على كل تلك القصائد التي شكلت الرفض في وجدان ذلك الجيل؟ لا أحد
يعرف . وحين برزت ظاهرة " الشاعر المغني – نجم ، والشيخ إمام " شغلت مصر
كلها ، ليس فقط لأن شيئا عبقريا اتضح في تلك الحالة ، ولكن لأن تلك الظاهرة
كانت الحزب السياسي الوحيد بعد النكسة ولسنوات طويلة أخرى . وكنا جميعا ،
كلما حدث شئ ، أو وقع تغير سياسي ، نسأل : وماذا كتب نجم ؟ . ونسرع إلي "
حوش آدم " حيث نتلقى المنشور الفني الجديد ، فنحفظه ، ونوزعه ، ونردده .
وقد حاولت الحكومة حينذاك أن تشتري تلك الظاهرة بوساطة بعض
المثقفين ، وسعت لجر
قدم أحمد نجم والشيخ إمام إلي الإذاعة والصحف ، لكن نجم أعطى كل ذلك ظهره ،
وظل يسير نحو الناس . وشهدت القاهرة مظاهرات طلابية داخل الجامعات ، لا
أذكر متى بالضبط ، وكان نجم عندنا في شقتنا بشارع عدلي ، قلنا له : يا نجم
اكتب شئ للطلبة . قال : طبعا ، وظل سادرا في مزاحه ونكاته مع الجميع .
فاستدرجناه إلي إحدى الغرف ، وما أن دخل هناك حتى أغلقنا الباب عليه
بالمفتاح ، وقلنا له : لن تخرج إلا ومعك قصيدة للطلاب . وكنا قد تركنا له
في الغرفة شايا وطعاما . وظل نجم يصرخ ، ويسب ، ولكننا لم نفتح الباب إلا
حين قرأ لنا من وراء الباب قصيدته الشهيرة الجميلة " رجعوا التلامذة يا عم
حمزة للجد تاني " . واعتبرنا حينذاك أننا كتبنا تلك القصيدة ، حين اعتقلنا
نجم ، اعتقالا أهليا لصالح الشعب والثورة
!
(4)
عام 1969 ، انتقلت من معتقل
طرة إلي سجن القناطر . وهناك وجدت أحمد نجم والشيخ إمام . وكان معنا أيضا
زميل يدعى فرانسيس كرولوس ، وفلاح طيب يدعى أحمد سويلم ، كان كلما ثار نقاش
حول الأدب والفن ، يستوقفنا بنظرة ماكرة ، مبتسما قائلا بزهو : " لكن يا
زملاء ، مهما كان ، الأدب للشعب ، ولا إيه؟" ثم يدير عينيه بيننا ليرى وقع
كلماته المدهشة . سجن القناطر كان يتبع نظاما قاسيا ، لا زيارات ، ولا صحف
، ولا طوابير فسحة . فقط نصف ساعة يوميا من الخامسة إلي الخامسة والنصف
عصرا تمشية سريعة حول الزنازين ، وانتهى الأمر . ولما ضقنا بهذه الحال ،
فكرنا في إضراب عن الطعام لنحصل على حقنا في زيارات ، وصحف . وقلت لنجم :
ما رأيك ؟ صاح نجم بحماسه لكل شئ : " طبعا يا أحمد ، دول ح يموتونا هنا
أولاد الكلب، وصدقني ، ما حدش ح يحس بينا " . أقول
: " يعني موافق
يا نجم على إضراب عن الطعام ، يوم الثلاثاء بعد عشرة أيام؟ " يقول لي : "
الله ! أنت غبي يا جدع ؟ طبعا موافق ، ما فيش حل تاني مع أولاد الجزمة دول
" . ماشي . اتفقنا جميعا ، وقبل الإضراب بيوم قال لي فرانسيس كرولوس : "
والنبي يا أحمد أكد على نجم موعد الإضراب غدا " . في
طابور التمشية ذكرت
نجم بأننا غدا سندخل الإضراب ، فإذا به يضع يديه في خاصرته ويصرخ : " إضراب
إيه يا أولاد الكلب ؟ عاوزين تموتوني ؟ ده عندي قرحة في معدتي ولو ما أكلتش
نص ساعة أموت ؟ أنتو خلاص ما عندكوش ضمير ؟ " ! . هكذا انتهى مشروعنا
الثوري الكبير ، وظللنا داخل السجن من دون زيارات ، ولا طعام منزلي ، ولا
صحف ، إلي أن فوجئنا ذات يوم بشخص شديد الأناقة ، والوجاهة ، والكبرياء
يدخل منطقة الزنازين ، كأنه متجه إلي فندق هيلتون
. وحين سألنا
الشاويشية ، قالوا همسا : " ده اللواء صفوت بيه ، لواء طيار ، جابوه في
الرجلين " . الرجل الذي دخل بكل هذه الوجاهة ، صعقنا جميعا حين سمعنا صوت
بكاءه من داخل زنزانته وهو يقول : " ده كلام ؟ أنا صفوت تبهدلوني كده ؟ " .
وفيما بعد اتضح أنه سجن لمجرد أنه كان قريبا لشخص آخر . كان نجم يقرأ في
الليل داخل زنزانته ، وأنا أيضا ، أقرأ مسترشدا بعبارة سويلم " الأدب للشعب
" ، أما اللواء صفوت فكانت " الكلمات المتقاطعة " هي حرفته الأولى والأخيرة
، لا يعرف سواها في الحياة . لكن من أين له بالصحف التي تحتوي على الكلمات
المتقاطعة ؟ . وكان اللواء يثير إشفاقنا الطيب عليه ، بصيحته
المتعجبة المتألمة
ليلا في وحدته : " ده أنا صفوت ؟ ! تعملوا فيه كده ؟
" .
ذات
يوم قال اللواء صفوت لنجم أثناء التمشية : اكتب لي كلمات متقاطعة . وأخرج
نجم ورقة وقلما وكتب بالفعل ، وأعطى الورقة لسيادة اللواء . وكانت زنزانتي
تقع بين زنزانة نجم واللواء صفوت . في الليل أخذ اللواء يطرق جدار زنزانتي
، وهو يصيح بي : " من فضلك اسأل نجم ، ثلاثة أفقي ، اسم مطرب عربي من أربعة
حروف : حليم ، ولا فريد ؟"
رحت بدوري أطرق جدار
زنزانة نجم : " يا نجم ، اللواء يسألك ، اسم مطرب عربي من أربعة حروف ،
حليم ، ولا فريد ؟ " . فوجئت بصوت نجم مستثارا مغتاظا من خلف الجدار : "
الله .. ده ابن .. أنا أكتب له الكلمات المتقاطعة بالنهار ، وأحلها له
بالليل ؟ .. قل له .. كذا
! " . بالطبع لم
أستطع أن أقول لسيادة اللواء كلمة " كذا " ، وظللت ألح على نجم بصيحاتي إلي
أن اعترف لي أن المطرب هو فريد
!
(5)
كان أحمد نجم على مدى أكثر
من ثلاثين عاما ضميرا للشعب المصري ، ولهمومه، وعاني في سبيل ذلك من
المعتقلات ، والتشريد ، والمطاردة ، والتجويع ، كما عاني من كل ذلك عبد
الله النديم ، وبيرم التونسي ، وآخرون ، وارتطم نجم بمغريات كثيرة جدا ،
والمغريات أشد وطأة من السجن ، وكان يمكن لكل أبواب الثراء والشهرة التي
فتحت أمام نجم أن تشتريه ، وأن تحطمه , وأن تحوله لشاعر مناسبات الحكومة
والوزراء ، لكن نجم بقى ، ليكون شاعر الشعب المصري عن حق على امتداد نحو
نصف القرن . هذه هي صورة أحمد فؤاد نجم عندي : شاعر كبير يستحق الاحترام
والتقدير والحب ، وإنسان له قلب طفل ، لم يترك الزمن أية تجعيدة على قلبه ،
لأن أحلام الناس ظلت النبع الذي يلهمه التجدد ، والمقاومة ، والشعر
.
أحمد الخميسي . كاتب مصري