إكتفاء ذاتي

أحمـــد الشــــافعي

اكتوبر 2005

 منذ أمد ليس بالبعيد كنت ألهث وراء الشعراء ...جميع دواوين شعراء الغزل من عصر ما قبل التدوين إلى عصر الثورة الرقمية .. من الشرق والغرب .. من صريع الغواني حتى صرعى الوطن .. من ألف ليلة وليلة ، حتى دون كيخوتة ثريانتس .. هيام بالمرأة كأنها نبية ..أرى في كل امرأة فاتنة جميلة مريم العذراء لم يمسسها إنس ولا جان .. مثال مفارق للواقع كما رآها شعرائي .. أحببتها مذ كنا أطفال/فتية في مدرسة منية النصر النموذجية المشتركة كانت تجلس " أماني السِّلمي" في درج خاص بها .. صنعه لها جدها لأمها الشيخ محمد أبو فارس عند أشهر نجار في بلدتنا المعلم محمد أبو صلاح .. أحيانا تُجلس معها زميلتها نوال عبد الرءوف .. لا يفصلني عنها سوى طرقة صغيرة تفصل بين صفوف فصلنا ثالثة أول إعدادي  أحيانا كنت ألعب معها تنس طاولة في صالة التربية الرياضية بالمدرسة ..كانت تتخلل جسدي النحيف رعشة نشوانة أمدتني بطاقة هائلة من الفرح والرجولة .. أحسست أنني أصبحت مسئولا عن حبٍّ يجب أن ينجح .. الوحيد الذي نال هذا الشرف .. كانت نار الغيرة تأكل قلوب حسادي .. لماذا أنت بالذات ؟! لست غنيا أو وسيما!! .. بُرص أبيض صغير الحجم . مريض   لست متفوقا عنا في شيء، شاعر ؟! .. شعرك سخيف كله في المرأة ..تقلد نزار قباني وأبو القاسم الشَّابي ، وهاشم رشيد .. شعر مخنث عبيط ..كانت تختارني لشراء السنداوتشات والمثلجات لها .. ذات مرة طردنا الأستاذ معتصم مدرس العلوم من الفصل لأننا لم نحضر كتاب العلوم .. وقفنا متجاورين في الطرقة الطويلة التي تفتح عليها خمسة فصول .كل من يخرج ويرانا يبتسم وهو يطوح برأسه يمينا ويساراً ..كنَّا نتحدث عن بلدتها كفر علاّم وأسرتها ، وأن في بيتهم ردهة كبيرة بها تربيزة بلياردو وأخري لتنس الطاولة لأن أشقائها أبطـال في اللعبتين ، وأن بيتهم عبارة عن "فيلا" يحيط بها سور عال وحديقة كبيرة يزرعها والدها بأشجار الفاكهة ، ويعتني بتربية الورود .. اشتهرنا بين أصدقائي بأنّ كلّ منّا متيم بالآخر.صدقتهم وصدقت  نفسي .. كنت أفكر فيها كثيراً ولكن كان عليّ أن أتفوق على الجميع دراسيا . العائق الوحيد كان الأستاذ رمزي مدرس اللغة الإنجليزية الذي أتوا به من مدينة المنصورة إلى بلدتنا الريفية الموحلة الشديدة البرد شتاءاً ، ومعتمة لياليها . صيفها شديدة حرارته ، وعرقه غزير لزج .. يطاردنا الذباب نهارا ، ونهرب من لسعات البعوض والبراغيث والبق ليلا .. شوارعها ضيقة وحواريها مملوءة بالقاذورات وفضلات البهائم . ما حبَّبَنِي في هذا المكان ، صيد السمك بالسنَّارة من البحر الصغير ، أومن ترعة أم شوشة ، أو من أرض الأرز ، و تسلق أشـجار التوت ، والجـميز ، ونخيل  عبد الهادي ..  مكث الأستاذ رمزي في مدرستنا أكثر من ثلاث سنوات فأصابه ملل شديد وقرف من التلاميذ ..كان معظمهم فقراء يفوح منهم"كوكتيل" من روث البهائم ،  وروائح عرق النوم ، والتراب .. المدرسون معظمهم قاهريون أو من مدن كبير .. كانوا يسخرون من أغنية عبد الوهاب " محلاها عيشة الفلاح متهني وباله مرتاح " ..

    في طابور الصباح ، وقف تلميذ من الصف الثاني الثانوي يخطب من ورقة عن نضال الشعب المصري ضد الاحتلال وقال : " وسقط كثير من المناضلين صرعى في ميدان باب الشِّعْرِيِّة بنيران المحتل " فضحكت ساخرا منه وقلت : " باب الشَّعْرِيَّة نسبة إلى الشَّيْخ الشَعْرانِي يا حمار " . نهرني ناظر المدرسة وطلب مني أن أعتذر لزميلي ، فخرجت من الصف وذهبت إليه وصافحته ، وأمرني أن أُقـبِّل رأسه ، وطلب من زميلي أن يتقبل اعتذاري ، وفي نفس الوقت شكرني لتصحيح المعلومة ، وقال : يجب أن نتحلى بالأخلاق ولا نسب أحداً حتى ولو كان جاهلا ..

كنت مختلفا عن بقية التلاميذ . فِي بعضُ الكِبْرِ ..كنت أهتم بنظافتي وأضع الفازلين على شعري وألمع حذائي ، يرجع الفضل لأقاربي الذين كانوا يأتون من القاهرة والأسكندرية في المواسم والأعياد ، ويجلبون معهم أحذية وملابس أولادهم التي كانت في حالة جيدة ، وأحيانا جديدة .. كنت أقضي عندهم معظم شهور الصيف .. تمَيُّزٌ لا يحظى به أحدٌ من زملائي وأصدقائي .. كان مظهري يغيظ بعض الذين في قلوبهم غلّ وحقد . كنت أعرفهم . لم أُوليهم اهتمامي ..كانت حقيبتي من الجلد أمّا حقائبهم فكانت من القماش ، لكن الأستاذ رمزي أخذ عاطل مع باطل .. لم يميز بين تلميذ وجيه مجتهد وآخر قبيح بلـيد ، أو بين ميسور الحال وآخر فقير مُعْوِز .. فلم أفهم منه شيئا .. حتى الأستاذ إبراهيم أبو النصر الذي جاء بعد أن نقل الأستاذ رمزي  إلى مدينته . كان قرويا مثلنا من أسرة كأسرنا ،  لكنه كان متعاليا ، يهتم بهيئته ، فكان أنيقا ومتعجرفا ، وسليط اللسان شتّام . يسبنا في كل حصة . فرد عليه تلميذ مشاغب وسبَّه ..نقل في أثر هذا الحادث ولسلاطة لسانه إلى مدرسة أخرى في البراري .. ومدرس الرياضيات الأستاذ عبد البديع رغم أنه كان خفيف الظل ، طويل مهيب .. له حركات مسرحية .. كان يقدر الجمال الطبيعي .كان يسكن في مواجهته زوجة ممشوقة القوام جميلة  لرجل قصير نحيف شبه مريض .. صادق بعض جيرانه في حيّ بحري الذي يقيم فيه ، كالأستاذ عبد العظيم الوصيف الذي كان يحمل شهادة جامعية وكان بدينا ولم يتزوج ، ومتفرغا للتجارة وجمال أبو العنين الذي كان يساعد عمه في إدارة مصنعا للجبن وتجارة القطن .. مازال عزْبا هو الآخر .. اصطحب الأستاذ عبد البديع شقيقه مصطفى معه في غربته وكان زميلا لنا في الفصل . كان قاسيا في معاملته له .. لم أستطع أن أتجاوب معه ، فكنت أفضل عليه الأستاذ النشار الذي جعلني أعشق الرياضيات ، والأستاذ علي إبراهيم مدرس العلوم التي كانت سبورته قطعة فنية رائعة .. دخل كلية الطب ولكن والده توفي فاتجه إلى كلية العلوم وتخرج مدرسا وصادق أطباء المستشفى العام ..كان يدخل معهم حجـرة العمليات .. كان قاهريا من حيِّ العباسية .. مظهره أنيق ينم عن ذوق رفيع ، وأسرة مستورة .. كانت صدفة سعيدة  أنّ أحد الأطباء كان زميلا له أثناء دراسته القصيرة في كلية الطب .. وبالصـدفة والتوافق العجيب أنّ منْ كنت أحبهم كانت "أماني" تحبهم أيضا .. وانتهى العام الدراسي .. دخلت هي مدرسة المنصورة الثانوية للبنات ومكثت أنا بمدرسة منية النصر الثانوية للبنين .. كانت أيامي كلها أحلام .. تقابلنا صدفة مرتين أثناء دراستنا الثانوية . كلانا لم يبح للآخر بما يدور في نفسه .. فقط أرسلت رسالة لها مع خادمتها ولم أتلق ردا . كانت الرسالة عبارة عن سؤال عن الصحة وأحلام دراسيـة محضة . تجنبت فيها الإفصاح عن مشاعري وعواطفي خوفا أن تقع في يد أحد من أشقائها فتحدث فضيحة لا أستطيع أن أتحمل تبعـاتها  في المرتين التي تقابلنا فيهما جفـاني النوم ..كنت أحلم بها بجواري ، كطبيب الوحدة الصحية وزوجته وهما جالسين في حديقة مسكنيهما الحكومي .. يحتسيان شاي  العصاري..كنَّا نشاهدهم من خلف سياج نبات السيسبان والسلك الشائك الذي يحيط بالحديقة والمسكن الأنيق ..كنت أتعمد المرور بجوار السياج وأنا أذاكر دروسي على طريق "ترعة البجلات"  كنت أتمنى أن أحيا هذه الحياة الوديعة .طبيب أنيق وزوجة جميلة كحوريات الجنة .كان لها وجها وقواما كجميلات مشاهير نجمات السينما . كان طموحاتي لا حـدود لها .. تمنيت أن أكون طبيبا.. لقبني أصدقائي بالدكتور.. دخلنا الجامعة وسعى كل منا أن يجد نصفه المفقود .. كنّا نتقابل بانتظام وتعاهدنا على الزواج ..

الحلم الذي كان يراودني تخاذل كثيرا بسبب المجموع ، داخلني الشك .. الحصول على تقدير عال والماجستير والدكتوراه في الفلسفة أو الآداب هدف جديد .. ثم من أين لي أن أضيق الفوارق بين الفقر والغني .. وحتى لو حصلت على الدكتوراه فهل ستنتظر كلِّ هذه السنين .. ثماني سنوات .. كنت أقيم بحيّ شعبي خلف مشرحة زينهم ، هي تقيم مع قريبة لها بحيّ المنيل .. ملابسها الفخمة ، وملابسي القديمة .. أسرتها الغنية وأسرتي المتواضعة . لا يمكن أن يلتقي الفقر والغنى .. صحيح أن جدي البعيد كان له سطوة ، لكن الحال تبدل .. ترك لنا الأصل الطيب والسمعة ، وذهب الجاه والغنى ، وحل الستر والفقر ..

                              0 0 0

    نزحتْ معه أسرتُه إلى القاهرة . هجر والده الزراعة بعد أن سرق أحد أقاربه مواشيهم ومحاصيلهم . رفض أن يبلغ الشرطة لكي لا يسجن ابن العم وشقيقه .. استعوض الله .. ألح عليّ أحد الأقارب أن ألتحق بكلية الشرطة ، فنفرت من هذه الفكرة أبي كان يقول : "لو صباعك عسكري اقطعه" .. تجاربنا مع الشرطة كانت مريرة بسبب انتماءات أسرتي السياسية .. كان معاديا للملك إلى حدِّ المقت ، ومناصرا لعبد الناصر إلى حدِّ الفناء .. الوطن دينه ومذهبه .. بعد النكسة تساوت كفة عبد الناصر مع كفة الملك .. وحينما قتل خليفته استبشر خيرا ودعا أن يولي من يصلح ، لكن دعاءه لم يتعد حدود شفتيه .. أغلقت السماء أبوابها في وجه الشيخ ، مات كمدا من وقف الحال ، والارتماء تحت أقدام العدو ، وضياع المكانة والهيبة ، وارتفاع الأسعار ، وأولاده الذين يحملون شهادات علمية .. حفيت أقدامهم من أجل أن يجدوا لقمة عيش شريفة . ليس أمامهم إلاّ أعمال السمسرة .  بكالوريوس طب مندوب مبيعات في مافيا شركات الأدوية  يقدم رشاوى لمديري المستشفيات الحكومية وبأجر خيالي كبير . رفض . قنع بطبيب بوحدة صحية ريفية . ومهندس يتسول على أرصفة بلاد النفط .. ومدرس لا يجد قوت يومه .. وابنته التي تعدت سن الزواج .. ندم على سوء تربيته لهم ..كان متشددا ، كان يقول : ليتني كنت مرنا .. الأمانة والشرف والاستقامة عملات رديئة لا مكان لها في الزمن الصهيوني/الأمريكي اللعين ، والحكام المخنسين المرضى ، وأعوانهم اللصوص 

                                 000

   تباعدت لقاءاته مع نصفه الغائب ، كان يسميها نصفه المفقود ، كان يتلفن لها بين الحين والآخر . آخـر مرة جاءه صوتها متكاسلا موحشا يفتقد فيه اللهـفة . منزوع العاطفة ، أنبأته أنها ستسافر إلى عمتها في واشنطن ، وربما تحصـل على الجنسية الأمريكية ، وتلتحق بشركة ميكروسوفت أو ناسـا ..

ـ تخصصي مطلوب كما عرفني زوج عمتي ..

ـ وأنا وأنت ؟!..

ـ       

ـ أدعو لك بالتوفيق ..

   قال والدي :

ـ حبيبتك يا بني لديها اكتفاء ذاتي إلى حد التخمة .. أقاربها منتشرون في كل عواصم الأرض ، ينجبون رجالا من النخب ، ونساءاً ينتمون إلي زمن العولمة .. أما أقربك فهم منتشرون في الكفور والنجوع لا ينجبون سوى جبلات وعاهات . ولَّى الزمن الجميل..

arlshaf954@hotmail.com

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون